تحت الأضواء | القضاء يضع حدا للفتنة في حي “الشوك” بطنجة

الرباط. الأسبوع
وضعت المحكمة الابتدائية بطنجة خلال الأسبوع الحالي، حدا لقضية سكان حي بنكيران، الملقب بـ”حومة الشوك”، والتي شغلت الرأي العام الوطني بعد رفضها للدعوى القضائية التي تقدمت بها الشركة العقارية “شرف إيموبيلي”، التي تضم ثلاثة شركاء من بينهم شخص يقال أنه يهودي يدعى “ألبيرت بومنديل” ضد الساكنة، بحيث قضت الغرفة الاستعجالية بعدم قبول الدعوى، وإسقاط مطالب الشركة للسكان بالإفراع.
وخلف هذا الحكم ارتياحا كبيرا وسط ساكنة حي بنكيران، بعدما خلقت الدعوى، التي تقدمت بها الشركة العقارية المذكورة ضد 20 شخصا من السكان، احتقانا اجتماعيا، حيث كانت “شرف إيموبيلي” تراهن على قبول الدعوى القضائية ضد المجموعة الأولى من السكان، على أن تقوم بتقديم شكايات ضد مجموعات أخرى لطردهم من مساحة 14 هكتارا، حيث جاء في المقال الاستعجالي الذي تقدم به دفاع الشركة إلى رئيس المحكمة: “إن الأرض التي يقع فوقها حي بنكيران عارية بناء على شهادة الملكية، وهي المالكة الأصلية للمساحة الأرضية التي تتواجد فوقها المنازل السكنية، طبقا لوثيقة الملكية المستخرجة من المحافظة العقارية”.
وحسب مصادر مطلعة، فإن أرض حي بنكيران في الأربعينات من القرن الماضي، كانت في ملكية شخص يهودي رحل عن المدينة، ربما إلى أوروبا أو إسرائيل، ولا علاقة له بأصحاب الشركة العقارية “شرف إيموبيلي” التي تأسست سنة 1967 من قبل ثلاثة شركاء من بينهم “ألبيرت بومنديل”، يقال إنه يهودي فرنسي- مغربي يملك حوالي 50 في المائة من رأسمال الشركة المذكورة، إلى جانب الأربعي الذي يملك نسبة 30 في المائة، والبختي الذي يملك 20 في المائة من رأسمال الشركة، لتبقى الشركة في حوزة ورثة الأربعي والبختي بينما لم يعرف مصير ورثة الشريك الثالث.
وتضيف ذات المصادر، أن النزاع القضائي حول هذه الأرض لم يكن وليد اليوم، وإنما بدأ منذ سنة 2002، عندما قامت الشركة العقارية المذكورة بمقاضاة الجماعة الحضرية حول إنشاء بعض المرافق والطرقات وشبكة الماء والكهرباء فوق الأرض، حيث كان حينها أحد أقرباء أحد شركاء الشركة (الأربعي)، يترأس مقاطعة مغوغة، وتم التوصل إلى اتفاق يقضي بحل القضية بشكل ودي مع الجماعة وتخصيص تعويض مادي لأصحاب الشركة، حيث تمت تهدئة النزاع منذ تلك الفترة حتى قررت الشركة مقاضاة الساكنة.
وأبرزت المصادر نفسها، أن الشركة المطالبة بالعقار، لم تقم باستغلال المساحة الأرضية منذ تأسيسها، خصوصا في السبعينات والثمانينات لأسباب غير معروفة، إلى أن ظهر أصحابها مؤخرا، مطالبة بطرد السكان الذين يتوفرون على عقود عدلية ووثائق وشواهد إدارية ورخص تؤكد ملكيتهم للمنازل التي يقطنون فيها، متسائلة: أين كان أصحاب الشركة منذ سنوات؟ وهل يحق للشركاء مقاضاة الساكنة في غياب “ألبيرت بومنديل” الشريك الرئيسي الذي يملك نصف رأسمال الشركة بنسبة 50 في المائة.
فحي بنكيران أو “حومة الشوك”، يضم أكثر من 1700 منزل تقطن فيه حوالي 5 آلاف نسمة، وسبق أن خضع للإصلاح والتهيئة من قبل الجماعة الحضرية في إطار مشروع التأهيل الحضري وربطه بالماء والكهرباء والطرق، واستخلاص الرسوم الضريبية من السكان والمحلات التجارية المتواجدة فيه، بالإضافة إلى قيام المجلس بتعبيد الطرق وإحداث مرافق عمومية فيه، مما دفع السكان للخروج عن صمتهم وتنظيم وقفات احتجاجية رافضين ما تدعيه الشركة بخصوص ملكيتها للأرض، لاسيما وأن العديد منهم يقطن في الحي منذ سنة 1978، متسائلين عن الطريقة التي تم بها تحفيظ الوعاء العقاري وغياب الشركة لعقود طويلة قبل ظهور أبناء أصحابها من جديد للمطالبة بالأرض.
ووفق ذات المصادر، فإن الشركة العقارية استمرت في الدعوى القضائية الأولى ضد الجماعة الحضرية للمطالبة بالتعويض عن الضرر، والتي حصلت بموجبها سنة 2010 على تعويض يقدر بأربعة ملايير و400 مليون سنتيم عن المرافق التي شيدت فوق أرض حي بنكيران، مما جعل السكان يظنون أن المشكل انتهى بعدما حصلت على تعويضات مالية مهمة، إلا أن السؤال المطروح لدى الساكنة: لماذا عادت الشركة لتقاضي الساكنة بخصوص نفس العقار بعدما حازت على حكم قضائي وتعويض مادي؟ علما أن الشركة قررت البحث عن تعويضات من الساكنة من خلال جر مجموعة من السكان إلى القضاء.
ومن جهة أخرى، وجد أصحاب شركة “شرف إيموبيلي”، المطالبة بالأرض العقارية، أنفسهم في إشكالية كبيرة، بسبب عدم عقد مجلس إدارتها لجمعيته العمومية منذ سنوات، مما يجعلها تفقد الأهلية القانونية، رغم أنها سبق أن لجأت إلى المحكمة التجارية من أجل تسوية وضعيتها القانونية لتحويلها إلى شركة ذات مسؤولية محددة، إلا أن المحاولة في الأول لم تنجح لعقد الجمع العام سنة 2016 بسبب غياب “ألبيرت بومنديل” أو ورثته، علما أنه يملك 50 في المائة من رأسمال الشركة، لكن رغم غيابه، فقد تم عقد جمع آخر في نفس السنة، الأمر الذي يطرح تساؤلات كثيرة حول الأهلية القانونية للشركة التي تقاضي السكان في غياب الشريك الأساسي الذي يملك الحصة الأكبر فيها، لاسيما وأن القانون المنظم للشركات المساهمة رقم 15.97، ينص على أن “أي تحويل لشركة مجهولة الاسم إلى شركة ذات مسؤولية، يستوجب حصول إجماع بين جميع الشركاء المساهمين في رأسمالها، في ظل عدم احترامه وغياب الشريك الأهم في المؤسسة”.
وهكذا، تظل الكثير من الأمور غامضة حول مدى قانونية الشركة العقارية في مقاضاة السكان والمطالبة بطردهم، في ظل غياب الشريك “ألبيرت بومنديل” أو ورثته، وكيفية توزيع أموال الشركة والتعويضات التي حصلت من خلال المحكمة الإدارية بخصوص إنشاء الطرقات والمرافق من قبل الجماعة، والتي هي بمثابة تنازل عن العقار لفائدة الجماعة.
وتذكر قضية حي بنكيران بقضية “دوار السهلي”، وهو حي سكني بمدينة سلا، التي عرفت ضجة كبيرة في سنة 2015، عندما قام محامي من الرباط بشراء أربع هكتارات التي يقع فوقها الحي لفائدة والدته، بمبلغ 62 مليون سنتيم، مما دفع بالسكان إلى اللجوء للطعن في عقد البيع لدى القضاء.



