
الأسبوع. جميلة حلبي
بعد أن تجاوز العدوان الإسرائيلي على غزة مدة شهر، على خلفية عملية “طوفان الأقصى”(…)، وفي غياب بوادر إنهاء الهجوم الشرس لإسرائيل على الفلسطينيين العزل، يتأكد يوما بعد يوم تضرر عدد من اقتصادات بعض الدول المرتبطة باتفاقيات تجارية مع إسرائيل، وتضرر اقتصاد إسرائيل بالذات، حيث صرح بنك إسرائيل المركزي، مؤخرا، بأن “التكلفة التي يتكبدها الاقتصاد الإسرائيلي بسبب نقص القوى العاملة، والتي تأثرت بالسلب بشكل كبير خلال الحرب مع حركة حماس، تبلغ نحو 600 مليون دولار أسبوعيا، وهذه التكاليف ناجمة عن إغلاق العديد من المدارس وإجلاء ما يزيد عن 144 ألف عامل من المناطق القريبة من الحدود مع غزة ولبنان، إضافة إلى استدعاء جنود الاحتياط للخدمة”.
تصريح من هذا النوع، وإن كانت الأرقام غير مضبوطة لأن إسرائيل طبعا لن تعطي أرقاما صحيحة وهي التي تتبجح بقوتها على جميع المستويات، يؤكد أن الخريطة الاقتصادية العالمية حتما ستتغير.. وستتغير مجموعة من الاتفاقيات التجارية، وهذا يحيلنا على السؤال: هل تكون حرب غزة مفتاحا للنظام العالمي الجديد على المستوى السياسي؟
وإذا بقينا في حدود المنطقة، هل تخطط أمريكا لتحقيق حلم “الشرق الأوسط الكبير”؟ هذا المخطط الذي كانت أمريكا قد نادت به خلال فترة جورج بوش الابن، ويضم – حسب مخططها – كل الدول العربية وتركيا وإسرائيل وباكستان وأفغانستان، وقبل ذلك (أي بعد مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991)، كان شمعون بيريز قد طرح فكرة “الشرق الأوسط الجديد” من خلال اختراق العالم العربي عن طرق الاقتصاد، وهذا يطرح تساؤل التطبيع مع الدول العربية كخطوة أولى نحو الاحتواء أو الضم تحت راية الشرق الأوسط الموسع الذي أرادته أمريكا من المحيط إلى حدود الصين، وظلت الإدارة الأمريكية تعمل على تحقيق ذلك رغم تعاقب الرؤساء، فبعد حل الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، انطلقت أولى خطوات تحقيق “الشرق الأوسط الكبير” انطلاقا من الحرب على العراق، البلد الذي كان يشكل تحديا وعقبة أمام أمريكا في المنطقة، وتأتى لها ذلك بعد تدمير أركان الدولة وتدمير اقتصادها، وكل ذلك طبعا بوجود حارستها في المنطقة، إسرائيل..
وبعد ذلك أخذت الإدارة الأمريكية في نشر مشروعها وعرضته على مجموعة الدول الصناعية الثمانية، وعملت على بلورة موقف موحد منه في اجتماع عقد خصيصا لذلك في الولايات المتحدة سنة 2004، حيث تناول المجتمعون ما أطلقوا عليه “النواقص الثلاثة” وضمنوها في تقريرين صادرين عن الأمم المتحدة في سنة 2002 و2003، بخصوص التنمية البشرية العربية وهي: “نقص الحرية” و”نقص المعارف”، ثم “عدم تمكين المرأة”، وقد اعتبرها تقرير الاجتماع تهديدا لمصالح الدول الصناعية الثمانية اعتبارا لـ”تزايد أعداد المحرومين من الحقوق السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط مما يزيد من معدلات التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير الشرعية”، وفق ما خلصت إليه أمريكا، وهذه البنود طبعا غلفتها بالديمقراطية واتخذتها عناوين لتدخلها في شؤون الدول العربية وفرض حمايتها عليها، وكانت الخطة بالتالي الوصول إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل حتى يتسنى أو يسهل تحديد الخارطة الجديدة للمنطقة العربية، والتي انطلقت مما هو اقتصادي تجاري محض في أفق إكمال المخطط، الذي يبدو أن الصراع الدائر الآن في فلسطين سيكون إنهاؤه بتنازلات عربية مرة أخرى، وستنقص مربعات على الأرض، وها هي أعداد النازحين الفلسطينيين من جديد آخذة في التصاعد.. فهل تورطت حركة “حماس” في هذه الحرب وسهلت المهمة على إسرائيل ومن ورائها أمريكا، أم أنها صدقت طموحاتها و”إمكانياتها” – وهذا مستبعد – أم أنه تم الزج بها للعب ورقة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي حتى يتم تحقيق المبتغى الأمريكي في المنطقة ؟
هذه الأسئلة وأخرى الوقت وما يجري في الكواليس كفيل بالإجابة عنها، مع العلم أن مخطط الحروب بالقرب من الدائرة الروسية ليس بريئا والنوايا الحربية يكون مخططا لها، وأكبر دليل، أوكرانيا التي أسقطها الغرب في مستنقع حرب ضد واحدة من أكبر القوى العسكرية، روسيا، التي بدورها بات لعبها مكشوفا في القارة الإفريقية، وبالأخص البلدان العربية بشمال القارة، حرصا على فرملة المخطط الأمريكي الإسرائيلي لاحتواء الدول العربية قاطبة.
ولطالما كان اصطلاح “الشرق الأوسط الجديد” حاضرا في الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل والدول العربية، حسب محللين سياسيين ومختصين في تتبع الصراع العربي الإسرائيلي، منذ توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” سنة 1979، واتفاقات أوسلو سنة 1993، ومخرجات اجتماع وادي عربة بالأردن (1994)، كما أن الرئيس دونالد ترامب تطرق في كل اتفاقات التطبيع منذ سنة 2020 لـ”الشرق الأوسط الجديد” في تحليل العلاقات العربية الإسرائيلية مستقبلا.. فماذا يعني هذا إن لم يكن العمل على تقسيم جديد للخارطة العالمية تتزعم فيه إسرائيل ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير”؟
وقد كانت فكرة اقتطاع بعض المربعات العربية جاهزة من خلال الضغط على مصر لاستقبال فلسطينيي غزة منذ بداية الصراع، غير أن الرئيسي عبد الفتاح السيسي رفض إخلاء الفلسطينيين لأرضهم وتركها للكيان المحتل هكذا.. مع العلم أنه توجد صحراء النقب خالية، وهذا ما أكده السيسي في مؤتمر صحفي، رافضا جملة وتفصيلا تهجير المواطنين الفلسطينيين وإسكانهم في منطقة خالية على الحدود بين فلسطين ومصر.
إن بوادر الحرب الدائرة الآن لا تخلو من حرب في الكواليس بين مختلف الفاعلين والمعنيين، لا يمكن التنبؤ حاليا بمخرجات ما يدور في ظل تصعيد التصعيد، وبقاء حركة “حماس” وحدها في مواجهة أمريكا/ إسرائيل، كما لا يمكن التكهن بمآل المخاض الاقتصادي المطبوع بالأزمة الاقتصادية العالمية التي ربما لن تنتهي إلا في حدود سنة 2030 وفق مجموعة من المخططات، التي تضغط من خلالها أمريكا على الدول العربية لتحقيق مزاعم “التنمية” و”المناخ” و”المساواة” وغيرها من الذرائع التي تطبع اتفاقات التطبيع التي جعلت إسرائيل تستقوي أكثر من ذي قبل، لتكون الحرب الحالية حلقة من حلقات التنازل الفلسطيني العربي وتحقيق هدف آخر من أهداف الاستيطان، ومن جهة أخرى، نجح التخطيط الجديد في إخراج ما يصطلح عليه بـ”الطابور الخامس” إلى العلن، أو المتصهينون الذين أصبحوا يدعمون ويدافعون عن إسرائيل علنا أو عبر مجموعة من المواقف.



