الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | أصل الخلاف بين رئيس الحكومة وجنود الانقلاب

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 35"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كان الملك في ندوته الصحافية، مساء يوم الأحد، قد أجاب أحد الصحفيين الذين طلبوا رؤية قادة الثورة، قائلا: أخشى أن لا يكون لديكم متسع من الوقت لرؤيتهم، فقد لا تغرب شمس الغد (الإثنين) حتى يكونوا قد أعدموا.

وصباح يوم الثلاثاء، كان أغلب الناس موقنين أن قادة الثورة قد أعدموا فعلا، وكانوا لا يعرفون أكثر من هذا.. لكن كيف أعدموا ومتى أعدموا.. وهل هم فعلا أولئك الذين وردت أسماؤهم في الندوة الصحافية؟ فهذا شيء لا علم لأحد به، ولا قدرة لأحد على أن يدلي برأيه في الموضوع.

وحوالي الساعة التاسعة والنصف من ذلك الصباح من ثالث عشر يوليوز، رن جرس التلفون في مكاتب كبار الموظفين، وخصوصا أولئك الذين لهم علاقة خاصة بالجيش والأمن والصحافة ذات الميول الحكومية، وصدرت الأوامر إلى مصوري التلفزة والأنباء، بأن يحضروا أفلامهم وآلات تصويرهم، وينتظروا الأوامر، حتى الوزراء أعلموا تلفونيا بأن عليهم أن يقصدوا تلك الثكنة العسكرية المهجورة التي يمرون بجانبها كلما كانوا متوجهين إلى مسبح الشاطئ الذهبي أو مسبح الصخيرات، لكنهم لم يكونوا يعرفون لماذا..

وقُطعت الطريق المؤدية من الرباط إلى شاطئ تمارة مارة بالبحر، وكان يسمح بالمرور فقط للسيارات الحكومية والشخصيات المعروفة.

وتجمعت كل الشخصيات على ربوة فوق المعسكر، كانوا يتبادلون النظرات المرتعشة، وكانوا يغمضون في أغلب الحالات عيونهم ليستسلموا لإغفاءة تضعف فيها أعصابهم وتعود بهم إلى ثلاثة أيام خلت حينما كانوا يرون الموت تحصد الأرواح.

وكانوا كلما فتحوا عيونهم، رأوا على بعد حوالي ثلاثمائة متر، حشودا من الجنود يتهافتون وفي أيديهم أسلحة مختلفة مصطفين أمام عشرة أعمدة منصوبة تنتظر اللحظات الحاسمة التي سيؤتى فيها بالضباط العشرة الذين يعتبرون المسؤولين الرئيسيين عن الثورة.

كانت القلوب ترتعش والأعصاب تكاد تنفجر، لقد أرغمتهم الظروف على رؤية الموت الزؤام يلتهم الأرواح ويهدد بالتهام أرواحهم، ولا زالوا تحت رحمة الخوف والهلع، فهل سيستطيعون رؤية نفس المشاهد، ولو في ظروف أكثر أمنا واطمئنانا؟

وشوهدت سيارات الإذاعة والتلفزة تصل مشحونة بالموظفين، وأخذ الموضوع يكتسي طابع حفلة رسمية أو مهرجان تفرجي، أو برنامج تلفزيوني، ولكن هذا لم يقلل من هول المنظر، ومن روعة الموقف، خصوصا بالنسبة لعدد ممن كانوا هناك يفكرون في أعماقهم مليا ويتفحصون الوضع بضمير.

إنه ليس بهين على أي مخلوق أن يرى حتى على شاشة السينما عملية إعدام، ويفتح عينيه مليا في الدماء تفور من الجثة المقتولة، فأحرى إذا كان الأمر يتعلق حقا بعشرة أشخاص كانوا إلى أيام قليلة أصدقاء وخلان لكل أولئك الواقفين، كانوا يحيونهم ويعانقونهم ويستدعونهم للولائم، ويدخلون بيوتهم ويقبلون أطفالهم.. كانوا يلعبون معهم الورق ويصطادون معهم ويشربون معهم ويرقصون جميعا ويسهرون الليالي الطوال.

وكان بين الحاضرين، عدد من الذين يعتبرون في إعدام أولئك العشرة وفي موتهم، حياة لهم ولأولادهم.. كانوا يعرفون الأمر على حقيقته، وكانوا مؤمنين أنه لو كتب للثورة أن تنجح، لكانوا هم الذين سيربطون إلى تلك الأعمدة، وهم الذين سيعدمون، لهذا كانوا يستعجلون الموقف، ويبادلون أيديهم الضرب في عصبية وارتباك.. ويلتفتون في كل لحظة نحو الطريق الغير معبدة المؤدية من المعسكر إلى الطريق العمومية، ليروا هل وصل موكب الأحياء الذين سيموتون بعد لحظات.

ولا شك أن الوزير الأول آنذاك، الدكتور أحمد العراقي، كان أول المستعجلين وأكثر الحاضرين عصبية، لقد كانت لحظة الانتصاربالنسبة له، ولحظة القضاء على معدن الخطر، لقد كانت عصبيته بادية وحركاته غير متوقفة.

إن رئيس الحكومة أحمد العراقي لم يكن يفهم دوافع هذا الحقد الذي دفع عبابو رئيس الثوار، إلى أن يقول لعساكره صباح الهجوم، ابحثوا لي عن وزير قالوا لي أنه يلبس في حزامه “مضمة” من الفضة كالنساء، وربما سارع العراقي إلى نزع الحزام الفضي، لكي لا يعثر عليه جنود عبابو، بعد أن وصلت الشاحنات العسكرية الثلاث إلى المحل الذي يقف فيه المدعوون لهذه الوليمة الفريدة من نوعها، ونزل الضباط العشرة بلباسهم العسكري وشاراتهم، ولكنهم كانوا على غير طبيعتهم وعلى غير حقيقتهم، كانت أثار الاستنطاق بادية عليهم، ولكن تلك الأثار كانت منعدمة من ذاكرتهم منمحية من ملامحهم، أمام ما كانوا يعرفون أنهم مقدمين عليه.. كانوا جميعا في حالة تدعو إلى الإشفاق، وكان كل شيء يمر بسرعة البرق وبشكل فاجأ كل الحاضرين، ولكن مفاجأة الوزير الأول كانت أكبر حينما التفت إليه الكولونيل الشلواطي المجرور، ورماه بنظرة قاتلة أربكت الوزير العراقي، وقال الحاضرون، أن الشلواطي رمى العراقي ببصقة قوية وبعبارة: لقد أخطأت وسأدفع الثمن.. ولكنك ستلحقني عاجلا.

وكان الشلواطي مثار الاهتمام ومثار التعليق.. كان بجسمه المكتمل وقامته الطويلة شامخا كالجبل، أبيا كالأسد، كان يمشي نحو المقصلة وكأنه يمشي نحو منبر خطابه أو نحو مظاهرة سياسية، وكان يرمي بنظراته كل الحاضرين ملتفتا حتى بعد الابتعاد عنهم وكأنه يهددهم بالعقاب.

الشلواطي، عندما كان عاملا على وجدة سنة 1967، وجاء الملك في زيارة رسمية لوجدة، عمل على الاعتناء بالملك وصرف عشرات الملايين لإصلاح قصر السكنى، الذي هو مسكن العامل، وانبسط الملك حتى أنه سار راجلا ذات يوم في شوارع وجدة لابسا سروال السباحة وحده، وكان الشلواطي قد عرى المدينة، ونهب أموالها باسم زيارة الملك، بينما كثير من تلك الأموال المجموعة باسم الملك محضرة لتمويل عملية الانقلاب في الصخيرات، وفي المطار سلم الملك على المودعين ولم يسلم على الشلواطي، والتفت إليه بعد اجتيازه قائلا: العربي.. ((لم يبق لك ما تعمله في هذه المدينة أنت موقوف))، وجاء الطاهر وعسو عاملا على وجدة بدل الشلواطي، ليقدم للملك فيما بعد تقريرا عن الأموال التي أخذها الشلواطي والتي كان يحضر بها للانقلاب.

وكان الجنرال حمو، أحد الذين لفتوا الكثير من الاهتمام بعد الشلواطي، فهو أولا وقبل كل شيء أكبر حجما من أي إنسان عادي آخر، كانت قامته تبدو كالجبل وكأنها أطول من عمود الإعدام، حمو كان لا يتوقف عن الالتفات نحو الجهة التي كانت بها الشخصيات المتفرجة، والتي يغلب على الظن أن الملك الحسن الثاني كان فيها غير بعيد عن المحل الذي اصطفت فيه الشخصيات.

وقد ربط الضباط قبل إعدامهم في شكل مختلط لا علاقة فيه بأوضاعهم ورتبهم إلى أن جاءت أوامر جديدة بربط الجنرال حمو وهو المقرب عائليا للعائلة المالكة، بحكم انتمائه لعائلة أمهروق، والمعدوم الوحيد الذي أثار إعدامه ضجة اجتماعية بين أعضاء قبيلته، ضجة كانت سبب انزعاج الدولة، لأنها أخذت طابع التمرد القبلي.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى