مع الحدث | حكومة مغربية بنكهة أنثوية.. فهل تنجح المرأة حيث فشل الرجال ؟
لأول مرة في التاريخ
يقوم المشروع السياسي والاقتصادي لحزب الأصالة والمعاصرة على تبني خط يجمع بين الليبرالية الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية ضمن رؤية إصلاحية حداثية، المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، ويرى الحزب أن الأصالة تعبر عن التشبث بالهوية والثوابت التاريخية للمغرب، بينما تعني المعاصرة الانفتاح على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان الكونية وتحديث المؤسسات الذي يركز على ترسيخ دعائم الملكية الدستورية في الدولة، وتعزيز دولة المؤسسات والحق والقانون وتطوير الإدارة العمومية وتخليق الحياة السياسية.

محامي بهيئة وجدة
تستند المرجعية الحقوقية والتنموية لـ”البام” إلى خلاصات هيئة “الإنصاف والمصالحة” و”تقرير الخمسينية” للتنمية البشرية لدمج البعد الحقوقي والعدالة المجالية في العمل السياسي؛ المعروف بـ”50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025″، وهو تقرير استشرافي وتوثيقي شامل صدر عام 2005 بتوجيه من الملك محمد السادس، أما المشروع الاقتصادي والاجتماعي، فإن الحزب يعتمد على اقتصاد السوق وحرية المبادرة الاقتصادية مع توفير التوازن عبر آليات التضامن والعدالة الاجتماعية، وفي ما يتعلق بالرعاية الاجتماعية، يربط الحزب برامجه بمفهوم “دولة الرفاه” من خلال إصلاح السياسات العمومية في قطاعات الصحة والتعليم وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، أما التشغيل والتنمية، فيطرح الحزب برامج ترتكز على محاربة البطالة وخلق فرص العمل (مثل الرهانات المرتبطة بمليون وظيفة وتطوير الاستثمار) مع وضع المواطن والكرامة الإنسانية في صلب السياسات، مسار تراكمي من فلسفة الدولة الاجتماعية وصولا إلى المحامية فاطمة الزهراء المنصوري، التي عينها الملك محمد السادس رئيسة للحكومة، والتي تمثل نموذجا للقيادة النسائية الوطنية القادرة على تحقيق إنجازات اجتماعية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة.
ويعتبر تعيين المنصوري على رأس الحكومة حدثا بارزا في تاريخ المغرب سيفتح آفاقا واسعة لتحفيز المرأة المغربية على الطموح إلى مستويات لم تكن تحلم بها طوال قرون.
من الناحية التاريخية، كانت الحضارة اليونانية تعتبر المرأة كائنا يفتقر للعقل والإرادة، ووصفها بعض الفلاسفة مثل أرسطو بأنها “رجل غير مكتمل”، واعتبرها سقراط مصدرا للأزمات، وفي الحضارة الرومانية خضعت المرأة لسلطة الرجل المطلقة، الأب أو الزوج، وكانت محرومة من الاستقلال المالي وكان الزوج يتمتع بصلاحيات واسعة تصل إلى العقوبة الشديدة ضد الزوجة، وفي العصر الجاهلي، كان العرب ينظرون إلى المرأة نظرة دونية حاطة بالكرامة، فمنهم من كان يكره البنت فوأدها ودفنها حية دون ذنب، وكانت المرأة محرومة من الميراث بحجة أنها لا تستطيع حماية القبيلة من الاعتداءات الخارجية كما يفعل الرجل، أما في الحضارات الشرقية القديمة، فقد شاع في بعضها حرمان المرأة من حقوقها المدنية والملكية واعتبارها متاعا يباع ويشترى مثل السلعة في الأسواق..
تاريخيا، تعود جذور حركة حقوق المرأة في الولايات المتحدة إلى القرن الثامن عشر، حيث بدأت تظهر ملامح المطالبة بالمساواة وتحقيق العدالة بين الجنسين، وقد شهد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مجموعة من التحولات القانونية البارزة في هذا المجال؛ فقد تم إعداد مسودة قانون تمنح النساء حق التصويت سنة 1869، وفي عام 1900، أُقرت قوانين تتيح للمرأة المتزوجة التحكم في ممتلكاتها وأرباحها، وتم تتويج هذا المسار بإقرار التعديل التاسع عشر للدستور الأمريكي سنة 1920، الذي منح المرأة رسميا حق التصويت، وتواصلت الإنجازات في العقود اللاحقة، حيث حصلت النساء على الحق القانوني في تقاضي الحد الأدنى للأجور دون تمييز على أساس الجنس عام 1938 تلاه قانون الأجور العادلة عام 1963 ثم قانون المساواة في فرص التعليم عام 1972، كما شهدت فترة السبعينات اعتماد مجموعة من التشريعات التي وسعت من حقوق المرأة في ما يتعلّق بالصحة والتعليم والحقوق الإنجابية، خاصة في 1972 و1973 و1978، وأُقرت كذلك قوانين لمكافحة العنف ضد المرأة والتحرش الجنسي وتم الاعتراف بهذه الممارسات كأشكال من التمييز الجنسي الممنوع بموجب قانون الحقوق المدنية لعام 1964.
وفي الإسلام، تعتبر مكانة المرأة من أبرز القضايا التي حظيت باهتمام متزايد في الأوساط الغربية خلال العقود الأخيرة، وأثارت جدلا واسعا على المستويين الفكري والإعلامي، وقد تناول عدد كبير من العلماء والفقهاء المسلمين وبعض المستشرقين، هذه القضية الحساسة في دراسات موسعة حاولوا من خلالها تفنيد الشبهات المثارة حول وضع المرأة في الشريعة الإسلامية وتقديم قراءة تفسيرية للنصوص الدينية ذات الصلة.
ورغم اتفاق الغالبية في مجمل التصورات، فقد ظهرت بعض الاختلافات بين العلماء بشأن مسائل فقهية محدودة لا تعتبر من القضايا الجوهرية إلا أن منتقدي الإسلام استغلوا هذه التباينات في وجهات النظر لتوجيه اتهامات بالدونية والتمييز على أساس الجنس مؤكدين أن الإسلام، حسب زعمهم، لا يعترف بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل وينظر إلى المرأة على أنها أقل منزلة، وهو ما اعتبروه تعارضا مع مبادئ المساواة المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وفي المقابل يُبدي العديد من المفكرين والعلماء في العالم الإسلامي رفضا لتدخل الدول الغربية في شؤون حقوق المرأة المسلمة، معتبرين أن هذا التدخل لا ينطلق من دوافع إنسانية خالصة، بل يُنظر إليه باعتباره محاولة لفرض قيم ثقافية مغايرة تمس خصوصية المجتمعات الإسلامية وتهدد منظومتها الأخلاقية والاجتماعية، ويرى هؤلاء أن الخطاب الغربي حول حقوق المرأة يحمل في طياته تناقضات جوهرية، إذ أن المجتمعات التي تدعو إلى المساواة وكرامة المرأة، كثيرا ما تتهم باحتقار النساء وتحويلهن إلى أدوات للمتعة أو الاستهلاك في الإعلام والإعلانات والثقافة الشعبية، ويستدل في هذا السياق بأن العلاقات في بعض المجتمعات الغربية قد تقوم على أسس مؤقتة أو مصلحية لا ترفع من شأن الالتزام والمسؤولية، بخلاف التصور الإسلامي الذي يُقدّم نموذجا للعلاقة الزوجية قائما على المودة والرحمة والتكامل في الأدوار، حيث تعامل المرأة بوصفها شريكة حياة لها مكانتها وحقوقها وكرامتها ضمن إطار من الالتزام الأسري والمسؤولية المشتركة ويؤكد بعض المفكرين بوجود صراع ومواجهة بشأن مكانة ومسؤولية المرأة.
من التجربة الماركسية الشيوعية، يقول غورباتشوف في كتابه “بيريسترويكا”: “طيلة سنوات تاريخنا البطولي، عجزنا أن نولي اهتماما لحقوق المرأة الخاصة، واحتياجاتها الناشئة عن دورها كأم وربة منزل ووظيفتها التعليمية التي لا غنى عنها بالنسبة للأطفال، فالمرأة إذ تعمل في مجال البحث العلمي، وفي مواقع البناء وفي الإنتاج والخدمات وتشارك في النشاط الإبداعي، لم يعد لديها وقت للقيام بواجباتها اليومية في المنزل: العمل المنزلي وتربية الأطفال وإقامة جو أسري طيب، لقد اكتشفنا أن كثيرا من مشاكلنا – في سلوك الأطفال، والشباب، وفي معنوياتنا، وثقافتنا، وفي الإنتاج – تعود جزئيا إلى تدهور العلاقات الأسرية، والموقف المتراخي من المسؤوليات الأسرية”، وأضاف: “والآن في مجرى البيريستوريكا، بدأنا نتغلب على الوضع، ولهذا السبب نجري الآن مناقشات حادة في الصحافة، وفي المنظمات العامة، وفي العمل والمنزل، بخصوص ما يجب أن نعمله لنسهل على المرأة العودة إلى رسالتها النسائية البحتة.. إن عصب طريقة التفكير الجديدة، يتمثل في الاعتراف بأولوية القيم، ولنكون أكثر دقة، فإن الاهتمام بالقيم هو من أجل بقاء البشرية”.
وعلى خلاف ما هو شائع في العديد من الثقافات الأخرى، أقرّ الإسلام منذ بداياته، وفقا لأحكام الشريعة، حق المرأة في الاحتفاظ باسم عائلتها دون أن يُلحق باسم زوجها بعد الزواج؛ فقد شكّل الاسم العائلي للمرأة المسلمة عنصرا ثابتا في هويتها القانونية والاجتماعية، يُستخدم للتعريف بها بصفتها الفردية، دون أن يتغير بمرور الحالة الزوجية، سواء كانت متزوجة أو مطلقة أو أرملة، ولم يُسجل في التاريخ الإسلامي أي توجه مؤسسي أو اجتماعي لتغيير أسماء النساء بعد الزواج، الأمر الذي يعكس احترام استقلالية المرأة وشخصيتها القانونية في المجتمع الإسلامي.
غير أن هذه القاعدة الثقافية تعرضت لضغوط متزايدة مع انتشار أنماط الدولة الحديثة ذات الطابع البيروقراطي المستوحى من النماذج الغربية منذ القرن التاسع عشر في العديد من أنحاء العالم الإسلامي، وقد أدى ذلك إلى تبني بعض الممارسات الإدارية الجديدة، من بينها شيوع تغيير اسم المرأة بعد الزواج في بعض المجتمعات الإسلامية رغم أنه لا يجد سندا في الشريعة الإسلامية.
وفي المقابل، تُظهر الثقافات الغربية نهجا مختلفا في هذا الصدد، حيث تُغيّر كثير من النساء أسماءهن العائلية بعد الزواج؛ فعلى سبيل المثال، كانت زوجة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تُدعى قبل الزواج ميشيل لافون روبنسون، ثم أصبحت تُعرف بميشيل أوباما، وبالمثل، تغير اسم زوجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بريجيت ماري إلى بريجيت ماكرون بعد الزواج.
أما في السياق الإسلامي، فالمثال البارز هو السيدة خديجة بنت خويلد، أولى زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي احتفظت باسمها الكامل دون تغيير بعد الزواج، وهذا دليل على استقلالية المرأة وعدم إخضاعها لأية ضغوط اجتماعية، وينطبق ذلك على العديد من النساء في التاريخ الإسلامي اللواتي ظللن يُنسبن إلى آبائهن حتى لو كانوا على غير دين الإسلام، مما يعزز الفكرة بأن الشريعة الإسلامية كانت حريصة على الحفاظ على شخصية المرأة وهويتها واستقلالها الشخصي.
حفلت الساحة السياسية والاقتصادية العالمية بنماذج ملهمة لنساء تولين القيادة وتحملن المسؤولية الكاملة في فترات تاريخية وحرجة، وأثبتن جدارة فائقة في إدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار والتنمية والنجاح.
من أبرز النساء السياسيات أنجيلا ميركل، التي تُصنف كواحدة من أقوى النساء في التاريخ الحديث، تولت منصب مستشارة ألمانيا (2005-2021) وقادت بلادها والاتحاد الأوروبي بحكمة خلال أزمات كبرى مثل الأزمة المالية العالمية، وأزمة الديون الأوروبية، وأزمة اللاجئين، محققة استقرارا اقتصاديا وسياسيا استثنائيا في ألمانيا، ومارغريت تاتشر في بريطانيا، عُرفت بالمرأة الحديدية، وهي أول امرأة تتولى رئاسة وزراء بريطانيا (1979-1990)، قامت بإصلاحات اقتصادية وهيكلية واسعة النطاق وأعادت لبلادها نفوذها الدولي وقادتها بنجاح خلال حرب الفوكلاند، ولا ننسى كذلك فيغديس فينبوغادوتير في إيسلندا، وهي أول امرأة في العالم يتم انتخابها ديمقراطيا كرئيسة للجمهورية عام 1980، واستمرت في منصبها 16 عاما ركزت خلالها على تعزيز الهوية الثقافية لبلادها وحماية البيئة، وكانت نموذجا رائدا لتمكين المرأة في الدول الإسكندنافية، ثم سانا مارين في فنلندا، تولت رئاسة الوزراء عام 2019 لتصبح حينها أصغر رئيسة حكومة في العالم، نجحت في قيادة بلادها خلال جائحة “كورونا” بكفاءة عالية، كما قادتها نحو خطوة تاريخية بالانضمام إلى “الناتو”، ثم أورسولا فون دير لاين، التي تولت رئاسة المفوضية الأوروبية لتصبح أول امرأة تقود الشؤون التنفيذية للاتحاد الأوروبي وقادت التكتل الأوروبي في إدارة صياغة حزم التحفيز الاقتصادي بعد الجائحة وفي مواجهة الأزمات الجيوسياسية المعقدة بالقارة.
هكذا يتضح أن المرأة قادرة في كثير من الأحيان على قيادة الدولة في الاتجاه الصحيح أكثر من الرجل.



