الرأي | على جسر ماديسون


اعتبر اكتشاف الأبناء (كارولين ومايكل) لسر والدتهم وصناديق رسائلها بعد وفاتها، في الرواية والفيلم، صدمة زلزلت استقرارهم النفسي، لكنها تحولت تدريجيا إلى “علاج وجودي” أعاد تشكيل حياتهم ونظرتهم لمؤسسة الزواج؛ ففرانشيسكا لم تترك هذه المذكرات لتبرير خيانتها، بل كـ”وصية روحية” لتنقذ أبناءها من تكرار مأساتها، وقد انعكس هذا الاكتشاف على حياتهم عبر عدة تحولات عميقة:
في البداية، غضب الأبناء، خاصة مايكل، الذي لم يستسغ خيانة والدته لوالده، وحقد حقدا جاهر به في الأول دون أن يدرك بأن ما وقع كان نتيجة خطأ والده في الاستغناء عن أهم شيء في الحياة الزوجية، وهو الاعتناء بالجانب النفسي للمرأة، بالرغم من أنها حاولت طيلة زواجها تعويضه بالعمل الفلاحي بشكل روتيني في الاشتغال بالمطبخ والزراعة والأعمال المنزلية وعدم الاعتناء بمظهرها، لقد كانت محتاجة في وقت جاء صدفة وخلال أربعة أيام غاب فيها الزوج الذي وصفته بأنه صادق ومخلص وطيب ولا يستحق الخيانة، فشعرت داخليا بحاجة لاكتشاف جمالها، واستعانت بتواجد رجل آخر حنكته الحياة والتجارب ليكون كذلك مستعدا لأن يصل إلى حقيقة أن ما صادفه هو الآخر لا يأتي مرتين في الحياة، إذ أنه باسترجاع اللقطات التي ابتكرها الروائي الكبير روبير جيمس والمخرج والبطل كلينت إيستوود والبطلة ميرلي ستريب، يظهر ذلك التناغم في الحركات والسكنات والأماكن والحوار الذي جعل من تلك القصة والفيلم عملا إبداعيا لا يمكن وصفه إلا بالعبقرية، ويبدأ ذلك من اختيار الجسر بكل حمولته التاريخية والجغرافية، وقد اختير هذا المنزل حقيقة وأعيد ترميمه ولم تغير هندسته لأن غالبية أطوار الفيلم ولقطاته صورت داخلها، مما جنب المنتج الكثير من المصاريف.
ففي شرفته وقع اللقاء بسؤال فرانشيسكا عن مكان الجسر ومن داخله صاحبت روبير لتدله على الجسر، لكن أول عمل قام به من أجل التقرب إليها لمكافئتها، هو جمع مجموعة من الورود لإهدائها لها على شكل باقة طبيعية ربما لم يهدها أحد مثلها منذ زواجها.
وبعد رجوعهما في السيارة، عرف أنها تعيش وحيدة لمدة أربعة أيام وعرف أنها متزوجة بفلاح التقت به لما كان جنديا ببلادها التي لا زالت تحن إليها في إيطاليا، وعلمت منه أنه سبق أن زار تلك البلدة بحكم أنه مصور لشركة عالمية وأنه مطلق وأنه جاب عدة مناطق في العالم وتولد عن هذا الحديث نوع من التقارب في رغبة استكشاف جامحة وحنين إلى أصولها، ثم عرضت عليه عشاء ولم يستطع رفضه..
وفي صباح اليوم الموالي، ذهبت بمحض إرادتها إلى الجسر وتركت ورقة مكتوبة عبارة عن استدعائه لعشاء ثاني، وكتبت الدعوة على ورقة بيضاء معلقة على الحائط الخشبي والتي بمجرد أن رآها روبير علم بأن رغبتها قد تأكدت من أجل ربط العلاقة الآثمة، والغريب أن هذه الورقة سوف يحتفظ بها حتى مماته ليرسلها الموثق، منفذ وصيته، إليها وليطلع أبناؤها عليها بعد سنين طويلة لتنزع ذلك الإثم وتحوله إلى فضيلة وتمحي به الرذيلة.
غير أنه في العشاء الأخير، وقع شيء لم يكن في الحسبان؛ فقد ثارت فرانشيسكا واعتبرت أن ما وقع لا يمكنها تحمله وبأن روبير الذي اعتاد نفس السلوك مع نساء كثيرات، لكن المفاجأة الكبيرة أنه صرح بكثير من الحزن والعزم أنه لا يريد أن يضيع فرصة لقائه بما سماه اليقين الذي لا يمكن أن يصادفه الإنسان إلا مرة واحدة في حياته، وهو مسألة سيكولوجية محضة يدرك كل من وصل إليها حقيقتها، لذلك عرض عليها الهروب معه، وقد كاد أن يقع ذلك بعدما تأكدت من نفس اليقين، فجمعت كل مستلزماتها استعدادا للهروب الكبير بعدما ثقلت كفة اختيار هذا الحل وخفت كفة التضحية بالبيت والأولاد وهي أمامه، لكن اللقطة الحاسمة كانت عند استقبال الأبناء والزوج والذهاب إلى المدينة للتسوق في يوم ماطر ورأت روبير تحت الأمطار الغزيرة ينتظر نزولها من عربة زوجها والالتحاق به لإكمال وعدها، وكادت أن تضغط بعد تردد على مقبض باب العربة عدة مرات لتفتحه هاربة من قدرها، ثم بدأت تبكي لترى من خلال الزجاج روبير وهو ينتزع تلك السلسلة التي تحمل اسمها والتي أهدتها إليه في لحظة حبها والتي سيحتفظ بها كذلك لتكون من مكونات الصندوق الذي بعثه إليها بعد سنين طويلة.
وبعد قراءة المذكرات والاطلاع على الصندوق، شعر الأبناء بأن صورتهم عن “الأم” المثالية التي لا تعيش إلا لخدمتهم، قد تهشمت، ومع قراءة التفاصيل، سقط “القناع” وبدأوا يرون فرانشيسكا كـ”امرأة” كاملة، لها رغبات، أحلام، وتاريخ عاطفي. هذا الاكتشاف أنسن والدتهم في عيونهم، وجعلهم يدركون أن الآباء والأمهات ليسوا مجرد أدوات وظيفية في العائلة، بل ذوات فردية تحمل آلاما خفية.



