تحليل إخباري | الكتلة.. الأحزاب التي عارضت الملك تبحث عن موقع في حكومة جلالة الملك
المنصوري وخطر التعاون مع الأحزاب المنهكة سياسيا
قبل الحديث عن “تحالف الكتلة” الذي تم “إحياؤه” في التقارير الإعلامية، للحديث عن ثلاثة أحزاب تريد الدخول في الحكومة إلى جانب الرئيسة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري.. يجب التمييز بين “الكتلة الوطنية”، وهي التحالف الذي يرجع تاريخه إلى عام 1972، وقد ضمت كلا من حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. و”الكتلة الديمقراطية”، وهي التحالف الذي لم يتأسس رسميا إلا سنة 1992، وتضم عدة أحزاب على رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية..
إعداد: سعيد الريحاني
((في سنة 1992، برز تكتل سياسي يضم الأحزاب المنحدرة عن الحركة الوطنية لتؤسس “الكتلة الديمقراطية”، تشمل حزب الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، حزب التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ليتقدم هذا التكتل بـ”مذكرتين لاقتراح تعديلات دستورية لا تمس جوهر الحمولة التقليدية التي ظلت الدساتير المغربية تجرها معها، ولكنها سعت إلى تفعيل حقلي العمل “التشريعي” و”الحكومي”.. لقد تبنت أحزاب الكتلة الديمقراطية استراتيجية مشتركة – خصوصا بعدما أفرزت الانتخابات التشريعية لسنة 1984 تفوقا عدديا لأحزاب الأغلبية الحكومية – الأمر الذي دفع المعارضة إلى تشكيل “كتلة ديمقراطية” جعلت من الإصلاح الدستوري شعارها الأساسي، بيد أن هناك بونا كبيرا بين مطالب “الكتلة الوطنية” و”الكتلة الديمقراطية” فيما يتعلق بطبيعة المسألة الدستورية في مغرب الأمس واليوم؛ فإذا كانت الكتلة الوطنية قد طالبت في عقد السبعينات بضرورة خلق “جمعية تأسيسية” منتخبة يعهد لها بوضع دستور للبلاد، فإن هذا المطلب اختفى من مذكرات أحزاب الكتلة الديمقراطية، التي أمست تطالب بالإصلاح الدستوري- السياسي من داخل المؤسسة الملكية)) (المصدر: محمد زين الدين/ الإصلاحات السياسية والدستورية في مغرب التسعينات).
إن الحديث عن أحزاب الكتلة، ليس حديثا عن إشكالات مرتبطة بتشكيل الحكومة بقدر ما هو حوار بين الملكية وأحزاب عريقة لطالما كانت لها مطالب مرتبطة بالعملية الديمقراطية، قبل أن تذوب في القولبة “المخزية الجاهزة”، وتصير مثلها مثل باقي الأحزاب، بزعماء لا علاقة لهم بزعماء الأمس (..).
فـ((في 24 يونيو 1992، التقى جلالة الملك الراحل الحسن الثاني في الديوان الملكي مع قادة الكتلة، السادة: امحمد بوستة الأمين العام لحزب الاستقلال، عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، عبد الله إبراهيم الأمين العام للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، علي يعتة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد بنسعيد أيت إيدر الأمين العام لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وفي اليوم الموالي، عقد نفس الزعماء بمسرح محمد الخامس بالرباط مهرجانا خطابيا اختاروا له شعار: “الديمقراطية طريق وحيد للأجيال الصاعدة لبناء المستقبل”، عبر فيه الأمين العام لحزب الاستقلال امحمد بوستة عن أنه “لا يمكن أن تفرض الخيارات على شعبنا، بل يجب أن يقرها بنفسه”، بينما أكد محمد بن سعيد على أن “الكتلة الديمقراطية استمرار لكفاح الشعب وبعث جديد للروح الوطنية”، أما علي يعتة، فقد اعتبر أنه “لا يمكن للمغرب أن يلاحق ركب الحضارة الإنسانية بتزوير إرادة الشعب وبتهميش الجماهير”، فيما ذهب عبد الرحمان اليوسفي إلى القول أنه “لا خلاص إلا بتغيير حقيقي عن طريق دمقرطة الدولة”..
لقد رأت المعارضة أن في إصلاح مدونة الانتخابات بوابة حقيقية لتدشين المسلسل الديمقراطي، لذلك سعت إلى وضع مقترح قانون ينظم الانتخابات لمجلس النواب تطالب من خلاله بتغيير طريقة انتخاب هذا المجلس، مؤكدة في هذا الصدد، على انتخاب كافة أعضاء مجلس النواب وفق الاقتراع باللائحة عوض الاقتراع الفردي، مثلما طالبت هذه المذكرة بتخفيض سن الناخب إلى 18 سنة وسن المرشح إلى 21 سنة، كما نصت على ضرورة خلق هيئة وطنية مستقلة تشرف على سير العمليات الانتخابية.. والملاحظ أن تكتيك المذكرات تحول إلى آلية قوية للتواصل بين القصر وهذه الأحزاب قصد تدشين مسلسل الانتقال الديمقراطي والشروع في إنهاء مسلسل الحذر المتبادل بين الطرفين بالرغم من إدراك الملك لذلك الطموح الذي يحرك الزعماء الوطنيين، لذلك فهو حريص كل الحرص على أن تراعى الضوابط التي يتم بموجبها التواصل بينه وبين الأحزاب السياسية؛ ففي كل مرة يحصل ما تعتبره المؤسسة الملكية إخلالا بقوانين التواصل وخروجا عن ضوابط “القعيدة”، يبادر الملك شخصيا إلى إرجاع الأمور إلى نصابها مستعملا عبارات صارمة لا تدع مجالا لأي تأويل.. وقد جاء خطاب عيد الشباب الذي ألقاه العاهل المغربي في 8 يوليوز 1992، كنموذج لموقف الملك مما قدمته هذه الأحزاب من اقتراحات، إذ شدد على أن هذه الطريقة في العمل ليست ملزمة في كل الأمور المتعلقة بالحكم: بعد أن أخذنا نحن تلقائيا من الأحزاب السياسية أن تعطينا وجهات نظرها وتغنينا باقتراحاتها فيما يخص تعديل الدستور، فهناك من الأحزاب من أجابنا كتابة، وهناك من أجابنا خطابا، ولم تكن استشاراتنا محصورة في حزب دون حزب، أو هيئة دون هيئة.. استجابت المؤسسة الملكية بشكل كبير للمطالب الدستورية لأحزاب الكتلة الديمقراطية؛ فعلى المستوى المؤسساتي، تم خلق المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والمجلس الدستوري، ورفع الجهة إلى مستوى مؤسسة دستورية، أما على مستوى الإجراءات التدبيرية، فقد شهد مغرب التسعينات طفرة نوعية في مجال حقوق الإنسان تميزت بسيادة هامش كبير من حرية الرأي والتعبير، مما مكن من تحقيق تقارب فعلي بين الملكية وأحزاب الكتلة ترجم بالشروع في تدشين مسلسل التناوب التوافقي)) (المصدر: الإصلاحات الدستورية والسياسية في مغرب التسعينات/ محمد زين الدين).
إن الحديث عن انفتاح المشاورات الحكومية على أحزاب الكتلة، يفرض الحديث عن أحزاب منسجمة.. ما الذي يجمع إدريس لشكر ونزار البركة ونبيل بنعبد الله اليوم، باعتبارهم زعماء أحزاب الكتلة، سوى الخلافات التنظيمية والسياسية؟ وربما نسي كثير من المواطنين أن قطبي الرحى في هذا التحالف لم يجتمعا على كلمة واحدة منذ اجتماعهما في تجربة حكومة واحدة، وهي حكومة التناوب التي قادها عبد الرحمان اليوسفي؛ فقد كانت جريدة “الاتحاد الاشتراكي” لا تتردد في انتقاد حزب الاستقلال، وقد كانت البداية بخلافهما حول “تكريم إدريس البصري”، واستمر الخلاف ليبلغ مداه في “فضيحة النجاة” أيام الوزير عباس الفاسي..
إن واحدة من أفضل القراءات التي يمكن أن تقرأ “حكومة البام والكتلة” هي التي يمكن أن تصدر عن واحد من حزب العدالة والتنمية، على اعتبار أن هذا الحزب لم تسمح له الظروف بتحالف من هذا النوع، بعد امتناع إدريس لشكر عن الدخول في حكومة بن كيران، ومنع بن كيران من التحالف مع لشكر في سياق التحالف الشهير بين خصوم بن كيران، والذي أدى إلى “البلوكاج” (..).
فقد ((طرحت فرضية تشكيل تحالف تاريخي بين الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية)، وهو ما حُرِمَ منه حزب العدالة والتنمية عند رئاسته للحكومة عقب انتخابات 25 نونبر 2011، حيث تحالف مع الاستقلال والتقدم والاشتراكية، ورفض الاتحاد الاشتراكي برئاسة إدريس لشكر المشاركة في حكومة بن كيران رغم المحاولات المتكررة لإقناعه بذلك، وتأجل بالتالي حلم الكتلة التاريخية.. وعلى الرغم من أن أحزاب الكتلة الديمقراطية نفسها لم تعد تعترف باستمرار هذه الكتلة، التي لم يعد لها وجود فعلي على الساحة الحزبية، إلا أن أي تحالف معها يكون له وقع سياسي كبير في التاريخ الحزبي المغربي، وذلك على الرغم من التناقض الإيديولوجي بين مكونات اليسار (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) واليمين المحافظ (الاستقلال).. فالمشهد السياسي المغربي اعتاد الصراعات السياسية والانتخابية التي تسفر في نهاية المطاف عن تحالفات وتكتلات متناقضة بعد الانتخابات، بحيث تصطدم بعض الأحزاب المختلفة إيديولوجيا في الحملات الانتخابية لتجد نفسها لاحقا في أغلبية حكومية واحدة وبرنامج حكومي واحد)) (المصدر: مقال عبد اللطيف برحو/ هسبريس).

عبد اللطيف برحو، وهو برلماني سابق، توقع من خلال تجربته ما يلي: ((قد نشهد لأول مرة في التاريخ المغربي الحديث تحالفا بين الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية التي عارضت بشدة قدوم حزب الأصالة والمعاصرة سنتي 2008 و2009، وهو السيناريو الذي يمكّن الأغلبية الحكومية المقبلة من 207 من أصل 395 مقعدا بمجلس النواب، وهي أغلبية ضئيلة وفيها مخاطرة كبيرة في المستقبل القريب في ظل شراسة المعارضة وإمكانية إسقاط المحكمة الدستورية لعدد كبير من المقاعد البرلمانية لهذه الأحزاب.. وبالتالي، سيكون هذا التحالف مضطرا إما للقبول باستمرار حزب التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة (وهو ما يعارضه جزء كبير من قيادات البام نفسه)، وبالتالي ضمان أغلبية برلمانية مريحة تصل إلى 273، مع ضمان مساندة تحالف الاتحاد الدستوري (25 مقعدا إضافيا) حتى دون المشاركة في الحكومة، لتصل الأغلبية البرلمانية حينها إلى 298 مقعدا من أصل 395 بمجلس النواب، وهذا السيناريو سيترك العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار وحيدين في المعارضة، مع ما يترتب عن ذلك سياسيا في المستقبل القريب، إذ ستطغى معارضة “البيجيدي” على الأداء الحكومي، رغم أن هذا الوضع سيعطي أغلبية جدّ مريحة للحكومة المقبلة، وسيحرم المعارضة من النصاب القانوني اللازم لتشكيل لجان تقصي الحقائق أو الطعن الدستوري، وهي آليات مهمة في العمل البرلماني على مستوى المعارضة)).
نفس المصدر يوضح: ((بمقابل ذلك، فإن من يدعو إلى خروج الأحرار من الحكومة المقبلة، قد يربح سياسيا على المدى القريب، إلا أنه سيجد نفسه أمام إشكالين أساسيين على المدى المتوسط، مما سيؤثر سلبا على الأداء الحكومي: فضمان أغلبية مريحة يعني بالضرورة إضافة حزبين صغيرين آخرين للحكومة المقبلة (الحركة الشعبية وتحالف الاتحاد الدستوري) لضمان أزيد من 260 مقعدا للأغلبية بمجلس النواب، وهو ما يعني بلقنة الحكومة المقبلة وزيادة عدد الوزراء بشكل كبير، كما أن بقاء أزيد من 133 برلمانيا في المعارضة سيزيد من قوتها وسيمكنها من آليات مهمة للضغط على الحكومة، وبالتالي، فإن حسابات الربح والخسارة السياسية في تشكيل الأغلبية البرلمانية المقبلة، ترتبط من جهة بالشكل السياسي للحكومة وإمكانات تشكيل “كتلة تاريخية” جديدة بقيادة الأصالة والمعاصرة، وتصطدم من جهة ثانية بإكراهات الحساب العددي الذي تبقى أهميته قائمة لضمان استقرار الحكومة المقبلة وسيرها الطبيعي)) (نفس المصدر).



