تحقيقات أسبوعية

تقرير | دي ميستورا يبحث عن طريقة لنسف وتسفيه مبادرة المغرب في الحكم الذاتي

صبري الحو
بقلم: صبري الحو
محامي بهيئة مكناس
خبير في القانون الدولي وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء

خلافا لمحاولات خلق تضليل وتأويل تعسفي وتفسير اعتباطي لمضمون وفحوى ومعاني تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عندما طلب المغرب منه عدم تعميم تفصيله للحكم الذاتي المعنون بالنظام الأساسي للحكم الذاتي، فإن ذلك ليس إحراجا مغربيا داخليا، بل فقط لأن “النظام الأساسي للحكم الذاتي” على غرار ما تفضل به المغرب، يعتبر بمقتضى قرار مجلس الأمن 2797 إطارا قائما وقاعدة مستمرة لعمل المفاوضات، وبذلك الطابع يجب أن تبقى مطبوعة وحبيسة السرية بين الأطراف في سبيل إنجاح هذه المفاوضات، ودرءً للضغوط الداخلية والخارجية، ومنعا للتشويش على عمل وتركيز المفاوضين.

إن الالتزام بعدم التسريب يطال الجميع ويمتد إلى المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا، والمستشار مسعد بولس، ووزارة الخارجية الأمريكية، والجزائر وموريتانيا، الذين تمكنوا جميعا من المذكرة المغربية دون أن يقوم أي منهم، بمن فيهم خصوم المغرب، بتسريبها، والذي يعكس نوعا من الجدية والمسؤولية التي تحلت والتزمت بها جميع الأطراف.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أنه، وخلافا لما تم الترويج له، فإن تفصيل مبادرة المغرب بالحكم الذاتي المقدم خلال لقاء مدريد، لا يتناقض مع مبادرة المغرب بالحكم الذاتي المقدمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 11 أبريل 2007، بل تعتبر امتدادا وتفصيلا لها، ولا أرى أي تناقض أو إحراج في ما يعرضه المغرب في التفصيل عبارة عن النظام الأساسي للحكم الذاتي مع ما سبق عرضه في مبادرته بالحكم الذاتي سنة 2007، ما دام المغرب نفسه عرض التزاما من جانب واحد في إطار المبادرة الأولى بالتفاوض لتطويرها، وهو ما لا يتناقض مع مقتضيات قرار مجلس الأمن 2797، الذي يجعل الحكم الذاتي المغربي قاعدة للمفاوضات.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالمبادرة الأولى منفتحة أصلا على المفاوضات، فهي من جنس المبادرات والمشاريع المرنة وليست مغلقة ونهائية؛ فالمغرب كان يقبل منذ البداية بالعمل سويا والمشاركة مع الآخرين لتطويرها في إطار مسار واضح بالوحدة، وجاد بحسن النية، وحقيقي وليس صوريا، ويقود مباشرة نحو الحل النهائي وبضمانة الإشهاد الأممي بنهائية النزاع وليس خامدا وخدعة ومؤقتة، وليس لبنة أو درجة مرحلية وتقية لمطالب من جنس الانفصال والاستقلال بعد حين.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا يعتبر مثلما لا يكيف تأكيد المغرب على اعتبار مبادرته هي القاعدة والأساس والنهاية شرطا، لا سيما بعد مصادقة مجلس الأمن على الطلب المغربي عندما جعل الحكم الذاتي قاعدة للمفاوضات وهو الحل، ولو في إطار الحكم الذاتي الحقيقي، لا يتضمن أي تناقض ولا تباين ولا مفارقة وليس تنازلا من المغرب عن حقوقه ذات تأصيل الشرعية التاريخية والرجحان القانوني والتأكيد القضائي والقبول الشعبي المجتمعي.

فالمغرب، من حيث المبدأ، هو صاحب حق، وهو بذلك لا يفاوض من أجل هبة حقوقه أو منحها صدقة للغير، فهو ليس سفيها ولا معتوها ولا مجنونا، كما أنه لا يفاوض من موقع المنهزم المغلوب الذي استسلم لسلب حقوقه وغصبها منه مكرها، أو من باب الغبي الذي يفرط في حقوقه ويتنازل عنها، بل إن قبوله بالمفاوضات كان ولا يزال بدافع بلوغ توافق ينهي النزاع، بمعنى إدراك تصالح في سبيل غايات ديمومة الأمن والاستقرار والتنمية.

وهذه الأهداف الفضلى والغايات السامية في جوهرها، وفي إطار تكييفها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، هي حقوق أساسية غير قابلة للتصرف، ولهذا وضعتها الأمم المتحدة في باب الواقعية كركن من الأركان الأساسية للتوجيه والتذكير الأممي إلى الأطراف، والخاص بطبيعة وتركيبة الحل المراد الوصول إليه: “حل سياسي توافقي واقعي وعملي بما يضمن تقرير المصير”.

فمتطلبات وحقوق الأمن والاستقرار والتنمية لها علاقة ثلاثية؛ بالدول ككيانات سياسية مثلما ذات علاقة مع الأفراد والجماعات، وفي نفس الوقت، فهي حقوق أساسية في القانون الدولي كما في الدساتير الوطنية للدول المغاربية وحتى في كافة الدساتير المقارنة، وتأثير نزاع الصحراء حسب لوائح وقرارات الأمم المتحدة، ليس حبيس المنطقة وبقية المغرب وحيدا، بل كل المنطقة المغاربية وبامتدادات الساحل والصحراء، وهذا التركيب المعقد فهمه ليس متاحا للكافة، ولا يدركه الجميع بمن فيها الأطراف نفسها؛ فهي مفاهيم من وحي وترجمة خبراء الأمم المتحدة الضالعين في صناعة المعنى ورقي المغزى، تجسده دقة الكلمة وروعة اللفظ، ومثالية العلاقة بين الدال والمدلول والتركيز على العمق والجوهر.

فالواقعية هي من بوأ نزاع الصحراء طابعه الإقليمي، وجعل مسؤولية الحل جماعية وليست ثنائية وفق ما تدفع به الجزائر جهلا منها لما قد تتأثر به من نتائج وعواقب وخيمة، كما أن الحقوق الناتجة عن ركن الواقعية، هي شروط مكونة بالتبعية لحل نزاع الصحراء المغربية، وهو ما فرض على المغرب عرض المفاوضات والقبول بها بغية تطوير عرضه تحت سقف سيادته، إيمانا منه بأهمية وجدوى الحل في الحاضر كما في بناء المستقبل للجميع.

ومن تم، فإن التفاوض حول الحكم الذاتي من أجل الحكم الذاتي، ليس تفاوضا حول لا شيء وفق ما قد يبدو ويروج له الآخر في الجزائر والبوليساريو، ويصفه بالعبث، بل هو تفاوض من أجل تحقيق الواقعية بأركانها المشار إليها أعلاه، بعد تفكيك المفهوم وإعادة تأويله، لفهمه وقياسه بالوارد في تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن؛ مصالحة وعودة وسلطة وثروات ومصالح عامة، وطنية ومحلية وذاتية، شخصية، معنوية ومادية.

ولهذا جعل قرار مجلس الأمن 2797 من مبادرة المغرب بالحكم الذاتي القاعدة والأساس في المفاوضات كما جعلها النهاية من خلال التأكيد على شرعية سيادة المغرب، ولن يغير من تلك المحددات ما سمي بالحكم الذاتي الحقيقي، الذي أشار إليه التقرير الأخير للأمين العام الأممي، وحدد شروط بلوغ الحكم الذاتي عتبة الحقيقي في مطابقته للمعايير الدولية وبالضمانات الدولية، وأخيرا في البحث عن صيغة للاستشارة الموسعة حوله.

وهذا التوصيف والمحددات التي أدرجها ستيفان دي ميستورا كمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير، ينال مبادرة المغرب بالحكم الذاتي ومن تفصيل المغرب بالحكم الذاتي، لأنه يحكم عليها منذ البداية بالنقصان، ويمعن في ذلك عندما أوصى في التقرير بخصوص الحكم الذاتي، بـ”ضرورة خضوع أي مقترح لعملية تشاور واسعة لشعب الصحراء الذي له حرية الاختيار الطوعي في قبوله أو رفضه”.

فدي ميستورا يبحث عن مسعى يضرب به صفحا على كل التقدم المحرز من طرف مجلس الأمن بمقتضى القرار 2797، عندما يعود ليوصي بربط المقترحات الأممية الجديدة بالاستفتاء، ومن أجله نبهت سابقا إلى أن دي ميستورا يبحث عن طريقة لنسف وتسفيه مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، الذي أصبح حقيقة أممية، ولن تنال مناوراته من جديته ومصداقيته بحيطة وحذر ونباهة وإيمان المغرب، الذي لن يدع المغالطات اللغوية والتعبيرية والفكرية تمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى