متابعات | الخاسرون الكبار في انتخابات 23 شتنبر

عرفت الانتخابات التشريعية السابقة سقوط العديد من الأسماء البارزة في الساحة السياسية، بعدما فشلت في الحصول على مقاعد برلمانية وتأكيد حضورها من جديد، كما لم تستطع وجوه أخرى الحفاظ على مقاعدها بعدما برزت في الولاية البرلمانية السابقة.
إعداد: خالد الغازي
أكدت صناديق الاقتراع أن الاسم السياسي والتاريخ النضالي الطويل لا يكفي لإقناع المغاربة والحصول على أصواتهم، بل إن الخطاب السياسي القوي هو السبيل لحصد الأصوات والوصول للبرلمان؛ فالعديد من الوجوه السياسية التي كانت تتمتع بحضور قوي خلال العقود الماضية، سواء في الساحة السياسية أو الإعلامية، كانت تستثمر هذا المعطى للحصول على شعبية واسعة لدى المغاربة، لكن غيابها خلال السنوات الفارطة وابتعادها عن المشهد السياسي أثر على عودتها نسبيا، وجعل وصولها للمقاعد أمرا مستحيلا وصعب الرهان في ظل الشعبوية والتمويل واستقطاب العاطلين، وقد سجلت الانتخابات التشريعية خسارة العديد من الأسماء البارزة، على رأسهم امحند العنصر، عبد الكريم بنعتيق، عبد الهادي خيرات، كريم زيدان، علال العمراوي، سعيد بعزيز، فاطمة التامني، إسحاق شارية، مصطفى بنعلي، إدريس الشطيبي، ومحمد أبرشان.
سقوط العنصر وبنعتيق وخيرات
عرفت الانتخابات خسارة ثلاثة أسماء وازنة في الساحة السياسية، كل من امحند العنصر، عبد الهادي خيرات، وعبد الكريم بنعتيق، الذين راكموا سنوات طويلة من العمل السياسي والحزبي، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام صعوبة كبيرة في الولوج إلى البرلمان، والعودة للساحة السياسية من جديد، مما يطرح السؤال حول أسباب هذه الهزيمة، فالسياسيون الثلاثة راكموا تجارب سياسية سنوات طويلة في العمل البرلماني والحزبي، لكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف خارج المؤسسة التشريعية.
العنصر رغم وصوله لعمر 84 سنة، ترشح في دائرة إقليم بولمان، لكنه أوضح أنه اقترح على الحزب خلال بداية التحضير للانتخابات منذ يناير الماضي، البحث عن مرشح لخوض الانتخابات بإقليم بولمان، وقد وصل النقاش حد الحديث عن إمكانية الاستعانة بأسماء من أحزاب أخرى، لكنهم أصروا على ترشيحه، مؤكدا وعيه بصعوبة المهمة بالنظر إلى التحولات السوسيوديموغرافية التي عرفها الإقليم، إلى جانب ابتعاده عن الحضور الميداني لأزيد من عشر سنوات.
وأضاف العنصر، أن الحملة انطلقت متأخرة نسبيا في دائرة انتخابية واسعة وذات سكان موزعين على مناطق متباعدة، موضحا أنه خاضها رفقة عدد محدود من أنصاره، مع التشديد على رفض استخدام وسائل غير قانونية أو ممارسات اعتبرها مهينة للناخب، معترفا في نفس الوقت بأن حملته لم تنجح في إقناع الناخبين، وانتهت بخسارته الانتخابات.
وأكد العنصر أنه يتقبل النتيجة مهنئا الفائزين ومتمنيا لهم التوفيق في أداء مهامهم، وقال أن الانتخابات الأخيرة شكلت بالنسبة إليه صفحة طويت وكتابا أغلق، مع ترك الباب مفتوحا أمام مواصلة تقديم خبرته ونصائحه لمناضلي الحركة الشعبية، إذا وجدوا فيها فائدة.
أما القيادي الاتحادي عبد الكريم بنعتيق، فقد خسر في “دائرة الموت” بالرباط أمام وجوه بارزة مثل المهدي بنسعيد ومصطفى الخلفي ومحمود بنجلون، لكن المفارقة الغريبة هي فوز مرشح تحالف اليسار عليه، رغم أن بنعتيق لديه شعبية قديمة، لكن ربما الحضور السياسي لحزبه الاتحاد الاشتراكي في العاصمة لم يكن بالمستوى المطلوب أمام بقية الأحزاب الأخرى المنافسة، فرغم عودته إلى الواجهة السياسية والتنظيمية قبل الانتخابات، إلا أن هذا الحضور لم يتحول إلى مقعد برلماني.
فقد دخل بنعتيق في دائرة قوية تضم 18 لائحة، حيث كان عليه أن ينافس ليس فقط الأحزاب، بل أيضا أسماء لها حضور انتخابي وسياسي قوي في العاصمة، وقد عبر عن استيائه من خذلان مناضلي الحزب أنفسهم، كما عبر عن ذلك في تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا أن “نتيجة دائرة المحيط لم تكن سقوطا انتخابيا لعبد الكريم بنعتيق، بل عملية ذات خلفية سياسية دفعت نحو إبعاده”، متهما جهات من داخل الاتحاد الاشتراكي ومحيطه بأن “ما وقع لم يكن انكسارا عاديا، بل تآمرا سياسيا من داخل الحزب ومن محيطه”، وتخلص التدوينة إلى أن “بنعتيق لم يُهزم لأنه ضعيف، بل لأنه نظيف”، معتبرة أن التمسك بالمبادئ والاستقامة السياسية أصبحا، وفق أصحاب هذه الرواية، سببا في دفع ثمن سياسي وانتخابي.
بدوره، لم يستطع السياسي عبد الهادي خيرات، الاتحادي السابق، الذي اختار الانضمام لحزب التقدم والاشتراكية، الحصول على مقعد برلماني عندما ترشح في دائرة إقليم سطات، في محاولة لاستعادة حضوره السياسي والبرلماني الذي عرف به خلال العقود الماضية، بعدما ابتعد عن العمل السياسي لسنوات.
فالرجل لم ينجح في تحويل رصيده السياسي السابق وحضوره المحلي إلى مقعد في مجلس النواب، لتنتهي عودته إلى صناديق الاقتراع بخسارة أعادته مجددا إلى خارج المؤسسة التشريعية، مما يؤكد أن العودة للمجال السياسي عبر بوابة الانتخابات لا تعتمد على الذاكرة السياسية فقط والتاريخ النضالي، لكنها في حاجة إلى الحضور الميداني والتنظيم الحزبي، ولقاعدة انتخابية وخطاب قادر على استقطاب الناخبين؛ فالرجل عاد حاملا تاريخه السياسي لكنه دخل المنافسة تحت راية حزبية مختلفة وفي سياق انتخابي مختلف، وكانت النتيجة كافية لتقول إن العودة السياسية ليست بالضرورة عودة انتخابية.
وزير ورئيسا فريقين برلمانيين
من أبرز الأسماء التي سقطت في محطة 23 شتنبر، أربعة أسماء تقلدت مناصب خلال الولاية التشريعية السابقة، يتقدمهم كريم زيدان، الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار وتقييم السياسات العمومية في حكومة أخنوش، إلى جانب علال العمراوي رئيس الفريق الاستقلالي في مجلس النواب، وسعيد بعزيز عن الفريق الاشتراكي/المعارضة الاتحادية في المجلس، بالإضافة إلى إدريس الشطيبي النائب الثالث لرئيس مجلس النواب.
فالوزير كريم زيدان القادم من الديار الألمانية، فشل في الظفر بمقعده البرلماني بدائرة اليوسفية، بعدما ترشح بلون حزب التجمع الوطني للأحرار، لكن نتائج الاقتراع لم تمكنه من الوصول إلى المجلس، ليكون بذلك من بين أعضاء الحكومة الذين لم ينجحوا في تحويل حضورهم الحكومي إلى تمثيلية برلمانية خلال الولاية المقبلة رغم تسويقه للعمل الحكومي واستفادته من دعم حزبه على مستوى الإقليم، لكنه نال التصويت العقابي.
بدوره، فقد علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي، مقعده في دائرة فاس الجنوبية، ولم يتمكن البرلماني عن حزب الاستقلال من الاحتفاظ بمقعده بعدما جاءت المراتب المؤهلة للبرلمان من نصيب مرشحي العدالة والتنمية والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، ورغم أن الرجل قاد الفريق الاستقلالي ضمن الأغلبية الحكومية، إلا أنه فشل في الحفاظ على مقعده البرلماني عكس رؤساء الأغلبية الآخرين، كل من التويزي وعكاشة، مما يبرز أن ساكنة فاس عاقبت العمراوي بسبب عدم دفاعه وترافعه عن العاصمة العلمية مثل ريم شباط، ابنة حميد شباط، والتي حازت ثقة الناخبين بفضل دفاعها عن السكان.
أما سعيد بعزيز عن الاتحاد الاشتراكي، فلم يستطع الحفاظ على مقعده البرلماني بدوره، حيث احتل الصف الثالث في دائرة إقليم غرسيف، بـ 6157 صوتا بفارق 19 صوتا عن الثاني وكيل لائحة حزب الاستقلال، الذي حصل على 6176 صوتا، والغريب أن بعزيز لعب دورا كبيرا في المعارضة وترافع في العديد من القضايا وكان من النواب الأكثر طرحا للأسئلة على الحكومة وعلى الوزراء، وخسارته تكشف غياب الوعي السياسي لدى فئة كبيرة من الناس حول من يدافع عنهم ومن يحمل القرارات الحكومية، والسؤال المطروح: هل سيلجأ بعزيز إلى المحكمة الإدارية للطعن في نتائج الانتخابات من أجل استرجاع مقعده، خاصة وأنه سبق أن لجأ إلى القضاء في محطات سابقة أعيدت فيها الانتخابات ليفوز بعزيز بواحد من المقعدين في الانتخابات السابقة منذ ولوجه عالم السياسة وبداية مشاركته في الانتخابات التشريعية ؟
وفي دائرة صفرو، أخفق البرلماني إدريس الشطيبي ونائب رئيس مجلس النواب عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في تجديد عضويته بمجلس النواب، بعدما حل في الرتبة الخامسة في الدائرة التي فاز فيها مصطفى لخصم بالمقعد الأول، رغم أنه كان من النشطاء البرلمانيين في الولاية السابقة بسبب تصريحاته المثيرة للجدل، وطريقة إدارته لجلسات مجلس النواب، وانتقاداته لفرق الأغلبية.
فشل زعماء أحزاب
شهدت الانتخابات خسارة أمناء عامين لأحزاب سياسية صغيرة لم يتمكنوا من الحصول على مقاعد برلمانية، من بينهم المصطفى بنعلي، الأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية، الذي خسر الانتخابات في دائرة سيدي سليمان بعدما خاض حملة ركز فيها على القضايا الاجتماعية والقدرة الشرائية والتنمية المحلية، لكنه لم يتمكن من إقناع المواطنين، بينما لم يتمكن أحمد بلغازي، الأمين العام لحزب الشورى والاستقلال، من الظفر بمقعد برلماني في دائرة الخميسات، ليخرج الزعيمان من الاستحقاق الانتخابي دون تمثيل شخصي.
كما لم ينجح إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، في حجز مقعد برلماني عن دائرة تطوان، رغم اللقاءات التي نظمها في المدينة والحملة التي قادها ضد خصومه السياسيين، حيث وصف الحملة الانتخابية التي خاضها بأنها كانت “نظيفة واستثنائية” وفق معايير النزاهة، معتبرا أنه فاز بقلوب المواطنين رغم عدم حصوله على المقعد النيابي.
برلمانيون يفقدون مقاعدهم
سجلت الانتخابات التشريعية فقدان مجموعة من البرلمانيين خلال الولاية السابقة لمقاعدهم، بعدما فشلوا في إقناع المواطنين بالتصويت عليهم، من بينهم برلمانيون عمروا لسنوات في المؤسسة التشريعية، ومنهم من فضل الانتقال إلى حزب آخر للحصول على التزكية للحفاظ على مقعده البرلماني، لكن غالبية هذه الوجوه السياسية لم تتمكن من العودة بالرغم من ترشحها في دوائرها الانتخابية.
ومن أبرز الخاسرين محمد أبرشان، الذي ظل لسنوات أحد الأسماء البرلمانية المعروفة بإقليم الناظور، حيث أظهرت النتائج النهائية حصول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي ترشح باسمه أبرشان، على 7153 صوتا وحلوله في المرتبة الخامسة، خارج المقاعد الأربعة المخصصة للدائرة، ومن بين الأسماء التي غادرت مجلس النواب، محمد عواد عن دائرة سلا المدينة، الذي كان يمثل حزب التقدم والاشتراكية خلال ثلاث ولايات سابقة، حيث لم يتمكن من الحفاظ على مقعده في الاستحقاق الجديد.
وتبقى خسارة البرلمانية فاطمة التامني مفاجأة كبيرة لفيدرالية اليسار، خاصة وأنها كانت النائبة الوحيدة عن حزبها، وقدمت ولاية إيجابية من خلال طرحها الكثير من الأسئلة الكتابية على الحكومة والوزراء، وظلت تترافع عن الكثير من القضايا الاجتماعية، لكن عدم تمكنها من الظفر بالمقعد البرلماني أثار تفاعلا كبيرا معها من طرف الكثير من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي إقليم كلميم، لم ينجح البرلماني السابق محمد أبودرار، أحد الوجوه السياسية المثيرة للجدل، في الظفر بمقعده، بعدما فضل الترشح بشكل مستقل عن الأحزاب السياسية بعدما خاض عدة تجارب مع الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة، لكن خسارته لا تعكس ما قدمه الرجل من معارك دفاعا عن ساكنة المنطقة، معبرا عن استيائه في تدوينة له قائلا: “أرقام في منتهى الإهانة في حقي. لقد تم الدوس على كرامتي ببشاعة، بعدما ضحيت بكل شيء لأجلكم وخضت أعتى المعارك دفاعا عنكم.. فما أقسى أن تكون هذه هي النهاية”.
ومن بين أبرز الأسماء التي غادرت مجلس النواب أيضا، عبد الكريم الزمزمي المنتمي لحزب الأحرار، ومحمد بنعطية بسلا، الذي انتقل من “البام” نحو الحركة الشعبية، إلى جانب البرلماني نور الدين قشبيل، الذي سقط في دائرة قرية بامحمد غفساي، والبرلماني رحو الهيلع المنتقل إلى حزب “الكتاب” بدائرة تيفلت، ومحمادي توحتوح بالناظور، ومحمد حماتي المنتقل للاتحاد بدائرة العرائش، ونجيب الخالدي بدائرة مراكش، وسعيد النميلي، ومحمد هيشامي، والمصطفى القاسم عن دائرة سطات، وأيضا التهامي الوزاني عن دائرة فاس الشمالية، وحسان التابي بدائرة طاطا، ثم عبد النور الحسناوي في دائرة المضيق-الفنيدق، ومحمد عياش في دائرة العيون.
وتبرز هذه النتائج أن التاريخ السياسي والانتقال الحزبي ليس كافيا للسياسيين والمرشحين للعودة للبرلمان والساحة السياسية من جديد، لأن طموحاتهم اصطدمت باختيارات الناخبين والمنافسة القوية في مختلف الدوائر الانتخابية، ما يؤكد أن الوصول إلى قبة البرلمان لا يمكن أن يتحقق بسهولة في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، واعتماد المرشحين والسياسيين على الخطاب الشعبوي للوصول إلى قلوب المواطنين.



