المنبر الحر | كيف وصل الاتحاد الاشتراكي إلى لحظة يبحث فيها جزء من الشعب المغربي عن بديل ولا يلتفت إليه !؟


المشكلة اليوم ليست في عدد المقاعد التي خسرها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولا في بضعة آلاف من الأصوات التي تراجعت هنا وهناك؛ فالمشكل أعمق من المقاعد الانتخابية، وأقسى من أن يختزل في خريطة أربع سنوات مقبلة، والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نمتلك الشجاعة لطرحه هو، لماذا لم ير المغاربة في الاتحاد الاشتراكي بديلا ؟
لقد حمل اقتراع 23 شتنبر رسائل سياسية لا ينبغي المرور عليها من دون محاولة فهمها، فجزء من الناخبين عبّر صراحة عن غضبه من تجربة الحكومة الحالية، مما نتج عنه تراجع ملحوظ في القوة الانتخابية للحزب الذي قاد هذه الحكومة، بينما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى المشهد، ومن هنا بالضبط يجب أن ينطلق نقاشنا نحن الاتحاديين.
فإذا كان هناك ناخب أراد أن يعاقب الحكومة، لماذا لم يتجه إلينا كحزب؟ وإذا كان هناك مغربي يبحث عن بديل لحكومة رأسمالية، فلماذا لم يكن هذا البديل هو الاتحاد الاشتراكي؟ ثم إذا كانت هناك حاجة لبديل سياسي واجتماعي، فلماذا لم ننجح، طيلة أربع سنوات من المعارضة، في إقناع المغاربة بأن هذا البديل يمكن أن يكون هو الاتحاد الاشتراكي؟ أو بالأحرى ماذا فعلنا نحن خلال هذه الأربع سنوات حتى نستعيد ثقة المجتمع؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إيلاما، لكنه أيضا السؤال الأكثر صدقا.
فالاتحاد الاشتراكي لم يولد ليكون رقما إضافيا في الخريطة الحزبية المغربية، فتاريخه لم يُبنَ حول تدبير المواقع، بل حول فكرة سياسية واضحة، مضمونها الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة، والانحياز لمصالح الفئات التي لا تجد من يحمل صوتها ليعبر عنها..
لقد كان هذا الحزب إلى يوم قريب يسمى حزب الشعب، فكيف وصلنا إلى لحظة يبحث فيها جزء من هذا الشعب عن بديل، ولا يلتفت إليه؟ هكذا يصبح السؤال أكبر من نتيجة انتخابية، فهل تراجع إيمان المغاربة باليسار، أم أننا نحن من تخلينا تدريجيا عن المساحة التي كان يجب أن يحتلها اليسار ؟
لا أعتقد أن يكون الجواب جاهزا أو بسيطا، لكن المؤكد أن اختزال الأزمة في الأشخاص أو في نسب المشاركة، أو في ضعف بعض الترشيحات، سيكون هروبا من مواجهة جوهر المشكلة، ذلك أننا أمام أزمة ثقة وأزمة هوية سياسية، بل الأكثر من ذلك، نحن أمام أزمة حضور مجتمعي، وأمام هوة اتسعت بين الحزب وبين شرائح كان يفترض تاريخيا وسياسيا أن تجد نفسها نقطة أولى على أجندته، وأن تأخذ مساحة كبيرة في خطابه. لقد كانت أمامنا أربع سنوات كاملة لنصنع البديل، أربع سنوات لننزل إلى المجتمع لا أن ننتظر حتى وقت الانتخابات، أربع سنوات كانت فرصة لنفتح الحزب أامام الشباب وأمام الكفاءات والنساء، ولننتج خطابا اتحاديا صريحا يفهمه المواطن ويرى نفسه داخله، خطاب مضمونه مطلب إصلاحي واضح، أربع سنوات لنقنع المواطن بأن الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد جزء من التوازنات السياسية، وإنما مشروع سياسي ومجتمعي يمكنه أن يحمل أملا مختلفا، لكننا أخلفنا موعدنا مع التاريخ، وبناء عليه، عندما نكتشف أن الاحتجاج الانتخابي لم يتحول بالقدر المأمول إلى أصوات اتحادية، فعلينا ألا نلوم الناخب لأنه لم يخترنا، علينا أولا أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا له حتى يختارنا ؟
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن نقوم به بعد هذه النتائج، وما يمكن أن يكون تهديدا فعليا لاستمرار تواجدنا، ليس فقط كتنظيم، بل كفكرة، هو الجنوح نحو سياسة الهروب إلى الأمام، وهو البحث مرة أخرى عن حلول ترقيعية؛ فالدخول للحكومة والحصول على حقيبة أو حقيبتين قد يكون خيارا سياسيا قابلا للنقاش وفق موازين وتحالفات المرحلة، لكنه لا يمكن أن يكون جوابا عن سؤال أعمق بكثير، وهو كيف نستعيد ثقة المغاربة؟ فالتاريخ وتجربتنا كحزب تثبت أن المناصب الحكومية لا تعيد بناء الأحزاب، وأن الحقائب الوزارية لا تعوض غياب المشروع، كما أن التكتيكات المرحلية لا تصنع بديلا مجتمعيا، أما إذا كان خيار المشاركة محكوما بمنطق البحث عن موقع يسمح بإرضاء بعض الطموحات الفردية، فإنه لن يكون إلا محاولة لتأجيل تداعيات الأزمة إلى استحقاق آخر، وربما ستكون كلفتها آنذاك أكبر بكثير، فما يحتاجه الاتحاد الاشتراكي اليوم، ليس عملية تجميل تنظيمية من خلال تغيير الأسماء والإبقاء على المنطق نفسه، إن ما نحتاجه هو نقد ذاتي حقيقي، هادئ وقاس في نفس الوقت، نقد لخطابنا، لمعارضتنا، لتنظيماتنا، لطريقة اختيار نخبنا، لعلاقتنا بالشباب، لحضورنا في الأحياء والجامعات والنقابات والمجتمع المدني، والأهم، لقدرتنا على تحويل قيم الاتحاد واليسار من شعارات تاريخية إلى أجوبة عن مشاكل مغرب اليوم.
علينا أن نطرح مجموعة من الأسئلة، التي ربما تجنبناها طويلا، ولعل أهمها هو من نحن ومن نمثل اليوم كحزب؟ وأين نحن من الطبقة الوسطى التي أصبحت في أدبياتنا طبقة متوسطة؟ أين نحن من الشباب والعمال والموظفين والفئات الهشة؟ وماذا بقي في الممارسة اليومية من صورة حزب الشعب؟ فالهزيمة الانتخابية ليست دائما نهاية، بل قد تكون فرصة لإعادة البداية شريطة ألا نكذب على أنفسنا، فالاتحاد الاشتراكي يمتلك تاريخا لا يمكن إنكاره، لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل، والأحزاب التي تكتفي بالعيش على رصيد الماضي تنتهي، عاجلا أم آجلا، إلى هامش المشهد السياسي.
بناء على ما سبق، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل نقاش حول الحكومة والمناصب والتحالفات هو سؤال وجودي وبسيط: ما الحاجة إلى الاتحاد الاشتراكي إذا لم يكن قادرا على أن يكون بديلا؟ فلربما حان الوقت لكي لا نبحث عن جواب يريحنا، بل لنجد جوابا يمكننا من إعادة بناء الاتحاد.



