الرأي

الرأي | المغرب بصيغة المؤنث..

عبد الله بوصوف
بقلم: عبد الله بوصوف

  إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس رئيسةً للحكومة المغربية، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة، ليس مجرد حدث سياسي غير مسبوق، بل هو لحظة تستدعي إعادة قراءة حضور المرأة في تاريخ الدولة المغربية؛ فالمغرب لا يمكن فهم تاريخه من خلال الرجال وحدهم، لأن المرأة كانت حاضرة، في مراحل مختلفة، في صناعة الأحداث، وفي المنعطفات التي أسهمت في تشكيل الدولة والمجتمع.

ومنذ كنزة الأوروبية في بدايات الدولة الإدريسية، إلى زينب النفزاوية في العصر المرابطي، والسيدة الحرة في تطوان، وخناثة بنت بكار في الدولة العلوية، نجد نماذج لنساء تجاوز حضورهن المجال الأسري إلى دوائر التأثير والتدبير السياسي. اختلفت السياقات والمؤسسات، وتباينت طبيعة السلطة من عصر إلى آخر، لكن هذه الأسماء تكشف أن المرأة لم تكن غائبة عن المجال العام المغربي.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد كانت كنزة الأوروبية مرتبطة بمرحلة تأسيس الدولة الإدريسية، وبرزت زينب النفزاوية في محيط الدولة المرابطية، بينما تولت السيدة الحرة حكم تطوان في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب اتسمت بتداعيات سقوط الأندلس وتصاعد الضغط الإيبيري على السواحل المغربية، أما خناثة بنت بكار، فكان لها حضور في الحياة السياسية للدولة العلوية، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت وفاة السلطان مولاي إسماعيل، كما ارتبط اسمها بتكوين السلطان محمد بن عبد الله.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا يعني استحضار هذه النماذج أن المرأة كانت تتمتع في تلك العصور بالمكانة السياسية نفسها التي تتمتع بها اليوم، أو أن مفاهيم الدولة الحديثة يمكن إسقاطها على مجتمعات سابقة، لكن هذه النماذج تؤكد أن المرأة كانت جزءً من تاريخ السلطة والمجتمع، وأن الرواية التي تختزل تاريخ المغرب في الرجال وحدهم، تظل ناقصة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتأتي أهمية تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، من كونه يمثل انتقالا إلى مستوى جديد من المشاركة السياسية؛ فالمغرب عرف نساء في مواقع مختلفة من المسؤولية، لكن رئاسة الحكومة داخل الدولة الدستورية الحديثة تضع المرأة لأول مرة في موقع قيادة السلطة التنفيذية، غير أن هذا التعيين لا يأتي منفصلا عن مسار أوسع شهد خلال العقود الأخيرة حضورا متزايدا للمرأة المغربية في مؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية؛ فقد وصلت المرأة إلى مؤسسات الحكامة والرقابة وحقوق الإنسان، حيث عُينت زينب العدوي رئيسة أولى للمجلس الأعلى للحسابات، كما تتولى أمينة بوعياش رئاسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

واللافت، أن هذا الحضور لم يتوقف عند المؤسسات السياسية والإدارية، بل امتد إلى المجال الديني، وهو مجال شديد الدلالة في الحالة المغربية؛ ففي سنة 2003 ألقت رجاء ناجي مكاوي أول درس حسني لامرأة مغربية أمام الملك محمد السادس، ثم واصلت مسارها العلمي والدبلوماسي لتصبح لاحقا سفيرة للمغرب لدى الكرسي الرسولي.

وفي المجال الديني نفسه، ظهرت صورة أخرى أكثر رمزية: ففي رمضان سنة 2015 قُدم للملك محمد السادس مصحف شاركت في نسخه نساء مستفيدات من برنامج محو الأمية بالمساجد، شاركت أكثر من 75 ألف امرأة في نسخ كلماته، بحيث كتبت كل واحدة كلمة، وأقرت اللجنة العلمية لمؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف، مطابقة النسخة للمصحف المحمدي.

إن دلالة هذه الواقعة تتجاوز بعدها الرمزي؛ فنساء دخلن المسجد لتعلم القراءة والكتابة أصبحن مشاركات في كتابة المصحف، أي أن المعرفة التي اكتسبنها تحولت إلى مساهمة في واحد من أبرز الرموز الدينية في المغرب.

وامتد هذا الحضور أيضا إلى خطة العدالة، التي فُتح ولوجها أمام النساء سنة 2018، فأصبحت المرأة حاضرة في مهنة ذات امتدادات دينية وقانونية واجتماعية عريقة.

هذه المسارات مجتمعة تكشف أن حضور المرأة المغربية لم يعد محصورا في مجال بعينه، وإنما أصبح ممتدا إلى السياسة والحكامة وحقوق الإنسان والقضاء والمجال الديني، وهي تحولات لا يمكن فصلها عن تطور المجتمع المغربي ومؤسساته، كما لا يمكن فهمها من دون استحضار جذورها التاريخية.

ولذلك، فإن اللحظة الراهنة تتيح لنا فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها تاريخ المغرب؛ فالتاريخ الذي اعتاد أن يضع الرجال في مركز الرواية ويترك النساء في هامشها، يحتاج إلى قراءة أكثر اكتمالا تستعيد الأدوار التي أدتها المرأة بالفعل، دون إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي أو صناعة بطولات بأثر رجعي.

إن المرأة المغربية ليست فصلا منفصلا عن تاريخ المغرب، وإنما هي جزء من نسيجه السياسي والاجتماعي والثقافي والديني.

ولهذا، فإن المغرب إذا أراد أن يقرأ تاريخه كاملا، عليه أن يقرأه بصيغة المذكر والمؤنث معا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى