رياضة | مليارات جديدة لمحيط “مركب الحسن الثاني”..
استثمار في مونديال 2030 أم رهان على إرث تنموي مستدام؟

تواصل المملكة المغربية تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030، من خلال إطلاق الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة طلب عروض دولي يهم أشغال التهيئة الخارجية للملعب الكبير للدار البيضاء “مركب الحسن الثاني” بإقليم بنسليمان، بغلاف مالي يناهز 2.68 مليار درهم، ويعكس هذا الاستثمار الضخم أن الرهان لم يعد يقتصر على تشييد ملعب بمواصفات عالمية، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على استيعاب أكبر التظاهرات الرياضية، وفق معايير الاستدامة والنجاعة التشغيلية التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وتكشف مكونات الصفقة أن المشروع يتجاوز بكثير مفهوم التهيئة التقليدية لمحيط الملاعب، إذ يشمل إنشاء شبكة متكاملة من الطرق ومسارات الولوج والساحات وممرات المشاة والمنشآت التقنية، إلى جانب شبكات التطهير والماء والكهرباء والاتصالات والألياف البصرية، فضلاً عن المساحات الخضراء والإنارة والأثاث الحضري وتجهيزات الطاقة الشمسية، ويعكس هذا التصور اعتماد مقاربة عمرانية شاملة تجعل من الملعب قطباً رياضياً متكاملاً، قادراً على الاستجابة لمتطلبات تنظيم كأس العالم، مع ضمان استغلاله بكفاءة بعد انتهاء الحدث.
ومن زاوية المالية العمومية، تبرز أهمية هذه الاستثمارات في ارتباطها بمبدأ الاستثمار المنتج وليس مجرد الإنفاق الظرفي، فالتجارب الدولية أظهرت أن الملاعب التي أُنجزت دون رؤية لما بعد البطولات تحولت في عدد من الدول إلى عبء مالي على الميزانيات العمومية، في حين يراهن المغرب على توظيف استثمارات البنية التحتية ضمن استراتيجية أوسع تشمل التنمية المجالية، وتحسين جاذبية الاستثمار، وخلق أقطاب اقتصادية ورياضية قادرة على توليد القيمة المضافة لعقود قادمة.
كما يحمل دفتر التحملات مؤشرات تعكس توجهاً نحو تعزيز الأثر الاقتصادي المحلي للمشروع، من خلال إلزام الشركة الفائزة بتشغيل ما لا يقل عن 20 في المائة من اليد العاملة المحلية، مع منح الأفضلية للمواد والمنتجات المصنعة بالمغرب كلما استوفت المواصفات التقنية المطلوبة، وتنسجم هذه الشروط مع توجه الدولة نحو تعظيم المردودية الاقتصادية للاستثمارات العمومية، وربط مشاريع كأس العالم 2030 بتحفيز الصناعة الوطنية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز سلاسل القيمة المحلية.
وتأتي هذه الصفقة بعد أسابيع قليلة من إطلاق طلب عروض خاص بالمصاعد والسلالم المتحركة بقيمة تجاوزت 126 مليون درهم، ما يؤكد أن وتيرة الأشغال تدخل مرحلة أكثر كثافة مع اقتراب الاستحقاقات الزمنية للمشروع، ويبقى التحدي الأكبر ليس في حجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما في احترام آجال الإنجاز، وضمان جودة التنفيذ، وترسيخ حكامة مالية وتقنية تجعل من “مركب الحسن الثاني” نموذجاً لاستثمار عمومي مستدام، يحقق متطلبات كأس العالم 2030 ويترك إرثاً تنموياً حقيقياً للأجيال المقبلة.



