متابعات | القطاع الفلاحي بين الإكراهات وضعف الحكامة واستمرار الريع والاحتكار
القطاع الفلاحي من القطاعات الأساسية التي تعتمد عليها الدولة لتحقيق النمو وزيادة الإنتاج الداخلي الخام وتحريك العجلة الاقتصادية الوطنية، نظرا لكونه النشاط الأساسي الأول، إلا أن القطاع يعاني الكثير من الصعوبات والتحديات منذ سنوات، بسبب عامل الجفاف والإجهاد المائي والهجرة القروية، كما أن الإشكال الكبير الذي يعيشه القطاع الفلاحي اليوم يكمن في التركيز والاعتماد أكثر على الفلاحة التصديرية، التي أصبحت تحظى بالدعم المالي واللوجستيكي والمائي بهدف جلب العملة الصعبة من خلال تصدير مختلف المنتجات الزراعية بشكل كبير إلى دول الاتحاد الأوروبي وإلى غرب القارة الإفريقية وجنوبها، على حساب الفلاحة المعيشية التي كانت تلعب دورا مهما في توفير المنتجات داخل الأسواق الوطنية بشكل يتناسب مع القدرة الشرائية للمغاربة، الذين يعانون اليوم من غلاء جميع المنتجات الزراعية.
إعداد: خالد الغازي
بالرغم من التساقطات المطرية التي عرفتها بلادنا واستبشر بها الفلاحون خيرا، والتي وفرت موارد مائية هائلة في جميع السدود والأحواض المائية، إلا أن السياسة المائية تفتقد لرؤية واضحة لدى الحكومة من أجل توزيع الموارد المائية بشكل يضمن التكافؤ والتوازن بين مختلف الجهات، وتمكن الفلاحين وأصحاب الواحات والأراضي البورية من الاستفادة من هذه المياه بشكل يضمن استمرار النشاط الزراعي خلال السنوات المقبلة تحسبا لأي تقلبات مناخية محتملة.

بهذا الخصوص، يرى إدريس الفينة، باحث وخبير اقتصادي، أن القطاع الفلاحي في المغرب ليس قطاعا هامشيا، بل هو قطاع سيادي لأنه يجمع بين أربعة وظائف في آن واحد: يساهم في النمو، يوفر الشغل، يؤثر مباشرة في الأسعار، ويرتبط بالأمن الغذائي والمائي، وآخر المعطيات المتاحة تظهر أن الفلاحة والغابات والصيد ساهمت بحوالي 10.09 % من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2024، كما أن التشغيل في الفلاحة يمثل نحو 32 % من مجموع التشغيل بحسب تقديرات البنك الدولي/منظمة العمل الدولية لسنة 2025، وهذا يعني أن أي تحسن أو تراجع في الفلاحة ينعكس بسرعة على الاقتصاد الوطني، خصوصا في العالم القروي، وعلى الاستهلاك والأسعار داخل المدن أيضا، مبرزا أن أهمية القطاع لا تُقاس فقط بحصته في الناتج أو التشغيل، بل أيضا بكونه يمد الصناعات الغذائية والتصدير والعملة الصعبة، فالمغرب طور خلال السنوات الأخيرة فلاحة تصديرية قوية في الخضر والفواكه، وحقق نموا في بعض السلاسل ذات القيمة العالية، خاصة الطماطم والحوامض والفواكه الحمراء، غير أن هذه القوة التصديرية لا تلغي حقيقة موازية: المغرب ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج في عدد من المواد الأساسية، وعلى رأسها الحبوب، وتقدر منظمة الأغذية والزراعة أن حاجيات استيراد الحبوب في الموسم التسويقي 2025/2026، ستبلغ نحو 11 مليون طن، أي أعلى بحوالي 20 % من المتوسط، بسبب ضعف الإنتاج المحلي في سنة 2025.
وأكد الفينة، رئيس مركز المستقبل للتحليلات الاستراتيجية، أن مخطط “الجيل الأخضر” حقق بعض المكاسب الحقيقية، لكنه لم يحسم بعد في التناقض البنيوي بين فلاحة تصديرية ناجحة وتبعية غذائية قائمة على مواد أساسية، من هذه المكاسب استمرار توسيع التقنيات المقتصدة للماء؛ فوثيقة رسمية لوزارة الفلاحة تفيد بأن المغرب بلغ نحو 850 ألف هكتار مجهزة بتقنيات ري مقتصدة للماء، منها 250 ألف هكتار أضيفت منذ سنة 2020، مع هدف تجاوز مليون هكتار في أفق 2030، كما واصلت الوزارة برنامج الزرع المباشر على مساحة 260 ألف هكتار في حملة 2024/2025 مع هدف الوصول إلى مليون هكتار بحلول 2030، إضافة إلى هدف السقي التكميلي للحبوب على مليون هكتار على المدى نفسه، وهذه مؤشرات تدل على أن الاستراتيجية تتحرك فعلا في اتجاه التحديث والتكيف مع الإجهاد المائي، وفي المقابل، النتيجة الكبرى إلى الآن هي أن “الجيل الأخضر” نجح أكثر في تقوية الفلاحة ذات القيمة المضافة والتصدير، كما نجح في تحقيق سيادة غذائية واسعة في المواد الأساسية، والدليل أن صادرات بعض المنتجات الطازجة واصلت تسجيل مستويات قوية، بينما بقيت واردات الحبوب مرتفعة جدا، وبصيغة مباشرة: الاستراتيجية حسّنت أدوات الإنتاج والتحديث في بعض السلاسل، لكنها لم تُنهِ بعد الاختلال الأساسي المتمثل في أن المغرب يصدر أكثر مما يكسب من بعض السلاسل ذات القيمة، لأنه يستورد بكثافة، وهو ما يمس القاعدة الغذائية الواسعة، لذلك فحصيلتها إلى الآن هي نجاح جزئي ومهم في التحديث والتثمين والتصدير، لكنه نجاح غير مكتمل في الأمن الغذائي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
وأوضح نفس المتحدث، أن التساقطات المطرية تحسن العرض الفلاحي، لكنها لا تصلح وحدها السوق، بمعنى أن التساقطات قد ترفع الإنتاج أو تحسن المراعي أو تخفف الضغط على الماء، لكن الأسعار النهائية التي يدفعها المواطن تتحدد أيضا بكلفة النقل، والتخزين، والوسطاء، وهوامش التوزيع، وضعف التنظيم داخل بعض الأسواق، ولهذا قد يتحسن الموسم الفلاحي دون أن يظهر الأثر بسرعة أو بالكامل في الأسعار النهائية، كما أن بيانات HCP تظهر أن متوسط التضخم سنة 2025 بلغ 0.8 %، وكذلك ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في المتوسط السنوي بـ 0.8 %، ما يعني أن الضغط السعري لم يختف تلقائيا رغم بعض التحسن الظرفي، مضيفا أن بنية الفلاحة المغربية مزدوجة: فلاحة عصرية موجهة للتصدير وذات مردودية أعلى، وفلاحة واسعة أكثر هشاشة، خاصة في الحبوب وتربية الماشية وبعض الزراعات المرتبطة بالأمطار، لذلك قد تتحسن سلاسل معينة ولا تتحسن أخرى بالقدر نفسه، فمنظمة الأغذية والزراعة أوضحت أن إنتاج الحبوب في سنة 2025 قدر بحوالي 4.5 ملايين طن، أي أقل بنحو 13 % من المتوسط، رغم تحسن الأمطار لاحقا، لأن الجفاف كان قد ضرب في مراحل حاسمة ولم تسمح التساقطات المتأخرة بإنقاذ المردودية بالشكل الكافي، وهو ما يفسر لماذا لا يؤدي موسم ممطر دائما إلى وفرة شاملة في كل المنتجات.
واستطرد ذات المتحدث قائلا أن الاستيراد نفسه لا يعني دائما انخفاض الأسعار؛ فعندما يستورد المغرب القمح أو الأعلاف أو بعض المواد لتغطية العجز، فهو يحمي السوق من الندرة، لكنه يبقى معرضا لتقلبات الأسعار الدولية، وسعر الصرف، وكلفة الشحن، وهوامش التوزيع الداخلية، مشيرا إلى أن مشكل المغرب ليس فقط مشكل إنتاج، بل مشكل نموذج فلاحي وسوقي، والنموذج الحالي حقق تقدما واضحا في التصدير، وتحديث بعض السلاسل، وترشيد جزء من استعمال الماء، لكنه لم ينجح بعد بالقدر نفسه في ربط ثلاث حلقات مع بعضها: الإنتاجية، الأمن الغذائي، والأسعار المعقولة للمستهلك، لذلك يمكن أن نرى صادرات قوية من الطماطم مثلا، وفي الوقت نفسه استمرار ضغط الأسعار داخل السوق الوطنية في مواد أخرى، أو حتى في المادة نفسها أحيانا، بحسب المواسم والتنظيم التجاري.

من جانبه، قال علي الغنبوري، محلل اقتصادي، أنه من المفروض أن تكون للتساقطات المطرية الأخيرة انعكاسات إيجابية على المنتوجات الفلاحية ككل، باعتبار أننا قضينا سنوات من الجفاف كانت فيها فترة صعبة على الإنتاج الفلاحي مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، زيادة على الأزمات التي كانت على المستوى العالمي، والتي زادت من الواردات الفلاحية، لكن هذه السنة كان هناك نوع من الاستقرار في المجالات الفلاحية على المستوى العالمي، بالإضافة إلى أن الموسم إيجابي بعد التساقطات التي عرفتها بلادنا، وبالتالي، فإن التوقعات فيما يتعلق بإنتاج الحبوب، سوف تتجاوز 70 مليون قنطار، والانعكاسات يجب أن تكون إيجابية فيما يخص الأسعار، بينما ما يخص القطيع، فقد كانت هناك توجيهات ملكية لإعادة تشكيل القطيع الوطني، تهمّ دعم الفلاحين والكسابة لإعادة بنائه، رغم أن الأمطار أنتجت مستويات كبيرة من الكلأ الذي من المفروض أن يكون له انعكاس إيجابي على القطاع، وبالرغم من ذلك، هناك اختلالات عميقة في بنية السوق، التي تعرف نوعا من الاحتكار والمضاربة، وحتى القوانين تساعد على هذه الممارسة، وفي هذا الإطار، لطالما نادينا بإصلاح نظام أسواق الجملة، لكن هناك تأخير كبير رغم أن الحكومة وضعت مخططا لإصلاح الأسواق، التي تبين أنها تساهم بشكل كبير في الغلاء وارتفاع الأسعار، وأيضا هناك المضاربة بالإضافة إلى ممارسات أخرى تتعلق بالتصدير المكثف، خاصة إلى الدول الإفريقية، والتي تنعكس على المنتجات الفلاحية الداخلية التي ترتفع أسعارها بشكل كبير، لأن زيادة التصدير تنقص الوفرة التي تنعكس بشكل سلبي على الأسعار في الأسواق المحلية.
وأوضح نفس المتحدث، أن الاختلالات التي يعرفها القطاع الفلاحي متعددة، منها المتعلقة بالحكامة، وأخرى مرتبطة بالمضاربة والاحتكار في أنظمة التسويق، وتضم اختلالات متعلقة بالتصدير المكثف للمنتجات الفلاحية، الشيء الذي ينعكس سلبا على الأسعار، حيث أن الإشكال مرتبط بتدبير الإنتاج والحكامة والتوزيع والمضاربات في الأسواق لتصريف مختلف المواد، بل حتى الأنواع الفلاحية التي دعمها “المخطط الأخضر” فيها انعكاس سلبي على الأسعار، إذ الأمر لا يتعلق بالإنتاج والتوجهات الفلاحية، وإنما يتعلق بالممارسات اللاقانونية التي فيها نوع من الاحتكار والفساد والريع، وهي التي تؤدي إلى هذه الإشكالات، ولا يمكن أن نقول أن المخطط ليست فيه اختلالات، فمثلا السكر، نستورد أكثر من 70 في المائة من حاجياتنا من الخارج، والنباتات الزيتية نستورد 98 في المائة منها، والحبوب نفس الشيء نستوردها، وهو ما يفرز اختلالات على الجانبين، سواء المنتجات التي يمكن أن تضمن الأمن الغذائي للمغاربة، أو المواد الزراعية التي اعتمد عليها “المخطط الأخضر”، لأن البنية التسويقية يسودها مشكل الحكامة والممارسة تجعلنا ندور في دائرة مغلقة.
واعتبر الغنبوري أن الجفاف في المغرب مشكلة بنيوية رغم أن هناك تساقطات مطرية جيدة، لكن هذا لا يعني أننا لسنا مصنفين في الخانة الحمراء للتقلبات المناخية، وعليه، فإن تدبير الماء في المغرب يبقى مسألة أولوية، حيث لدينا مخططا وطنيا للماء يتضمن مجموعة من الإجراءات بما فيها تحلية مياه البحر من خلال 24 محطة، وبناء السدود الكبرى والصغرى، والربط بين الأحواض المائية، لكن للأسف هناك إشكال كبير مرتبط بالتأخير فيما يتعلق بإنجاز هذه المشاريع، وليس فقط الأمطار، فكذلك البنية التحتية المائية التي جاء بها “المخطط الوطني للماء”، الذي يجب إنجازه لكي يكون لدينا نوع من التوازن المائي في جميع جهات المغرب، ونتوفر على قناة للربط المائي وحيدة فقط بين نهر سبو ونهر أبي رقراق، لهذا فمشاريع الربط المائي أصبحت ضرورية اعتبارا للوضع الذي يتواجد فيه المغرب، فرغم التساقطات المطرية الجيدة، إلا أن الإجهاد المائي أصبح واقعا يحتم تدبير الموارد المائية بشكل جيد ويتطلب تنزيل البنى التحتية المائية، من سدود وسدود تلية، وربط الأحواض المائية بالمناطق التي تعاني من النقص في المياه، وإصلاح القنوات المائية التي يكون فيها هدر مائي كبير.
رغم أن القطاع الفلاحي يعد عصب الاقتصاد الوطني، لكونه يلعب دورا مهما في الناتج الداخلي، إلا أنه يواجه مجموعة من التحديات والإكراهات والصعوبات في ظل التفاوت الكبير الحاصل بين الفلاحة التصديرية والفلاحة المعيشية، التي كانت في الماضي صمام الأمن الغذائي، لكن اليوم رغم التحديث الزراعي، إلا أن هناك اختلالا كبيرا في توزيع المنتجات الزراعية، وذلك يبرز من خلال ارتفاع أسعارها في الأسواق الوطنية، وزيادة التصدير، في ظل غياب التوازن بين توفير المنتجات بشكل يضمن استقرار أسعارها محليا وتصديرها نحو الخارج.



