تحقيقات أسبوعية

للنقاش | البرامج الإصلاحية في التعليم.. الأوراش الأكثر فشلا عبر التاريخ 

من المعلوم أن قطاع التعليم هو الطريق الأساسي والأهم نحو تحقيق نهضة الأمم، في جميع المجالات، اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.. وقد شكل إصلاحه وتطويره هدفا لكل الحكومات على اختلاف مرجعياتها.. لكن ما يلاحظ على أرض الواقع، أن الفشل غالبا ما يرافق كل برنامج إصلاحي والسبب يعود دوما لعدم ملاءمة هاته البرامج مع طبيعة التعليم بالمغرب، مما خلق ولا زال يخلق جدلا كبيرا في أوساط التعليم ببلادنا، وهو ساهم في السنين الأخيرة في تأجيج احتجاجات الأطر التربوية والأساتذة وأيضا الطلبة والتلاميذ، مما كان له انعكاس سلبي لا زالت تداعياته مستمرة إلى اليوم..

بقلم: جميلة حلبي

عرف المغرب منذ السنوات الأولى للاستقلال، عدة برامج إصلاحية في قطاع التعليم، حيث تتبدل هذه البرامج مع تغيير الحكومات المتعاقبة، حتى باتت مثل “الموضة”.. كل حكومة أو كل وزير يحمل حقيبة التعليم يعمل على مراجعة أو تغيير برنامج التعليم في عهدته، وهو ما يساهم في تعثر تلك البرامج، وبالتالي، حتمية الإتيان ببرنامج آخر يلائم المرحلة، وهكذا دواليك إلى يومنا هذا..

تتمة المقال تحت الإعلان

ويلاحظ المهتمون والمتتبعون، أن قطاع التعليم في السنين الأخيرة أخذ يندحر بشكل مخيف، بفعل عدم نجاح معظم البرامج الإصلاحية وعدم مطابقتها للواقع المغربي، رغم تجريب عدة وصفات، ولذلك حظي التعليم بحيز مهم من الخطب الملكية.. ففي الذكرى التاسعة عشر لعيد العرش (29 يوليوز 2018)، تطرق الملك محمد السادس لموضوع التعليم، حيث قال: ((إن طموحي للنهوض بالأوضاع الاجتماعية يفوق بكثير وضع آلية أو برنامج مهما بلغت أهميته؛ لذا، أدعو الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين، للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات بشأن تقييمها، وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية، وبعد النظر، والنفس الطويل، والسرعة في التنفيذ أيضا، مع تثمين المكاسب والاستفادة من التجارب الناجحة، وفي انتظار أن يعطي هذا الإصلاح ثماره كاملة، فإننا نحث على اتخاذ مجموعة من التدابير الاجتماعية المرحلية في انسجام مع إعادة الهيكلة التي نتوخاها، وإني أدعو الحكومة إلى الانكباب على إعدادها، في أقرب الآجال، وإطلاعي على تقدمها بشكل دوري.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحتى يكون الأثر مباشرا وملموسا، فإني أؤكد على التركيز على المبادرات المستعجلة في المجالات التالية:

تتمة المقال تحت الإعلان

أولا: إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج “تيسير” للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات، وكل ذلك من أجل التخفيف من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين)).. فهذا الخطاب ليس الأول ولن يكون الأخير بخصوص قطاع التعليم، وذلك لأن ملك البلاد يلمس عدم مواءمة هذه البرامج وعدم نجاعتها، لذلك لا يفتأ يوجه تعليماته إلى المسؤولين الحكوميين، والفاعلين في القطاع، من أجل العمل على تطوير التعليم حتى يلائم روح العصر وحتى يتمكن أبناء الشعب المغربي من تطوير مستواهم التعليمي من أجل مواكبة مختلف قطاعات الشغل.

فقد لجأ المغرب منذ سنة 1999 وإلى الآن، إلى سن “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، الذي يعتبر بمثابة وثيقة إصلاحية في شهر أكتوبر 1999 عن اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، وذلك بهدف تجديد وتطوير النظام التربوي، ويركز هذا الميثاق على جعل المتعلم محور العملية التعليمية، وقد اقترح 6 مجالات للتجديد و19 دعامة للتغيير منها: تعميم التعليم؛ ربط التعليم بالمحيط الاقتصادي؛ تطوير الموارد البشرية؛ الشراكة والتمويل.. وهو رؤية استراتيجية شاملة لإصلاح المنظومة التعليمية برمتها.

وإذا رجعنا إلى أهداف هذه الرؤية الإصلاحية، فإننا نجد أن أولويتها: “جعل المتعلم محور الاهتمام، بالتركيز على بناء شخصيته وتنمية قدراته وجعل المدرسة مفتوحة على محيطها”؛ “تغطية جميع جوانب النظام التعليمي من المبادئ والغايات إلى التنظيم البيداغوجي والموارد البشرية والتدبير”؛ “تحديث المنظومة من خلال مواجهة تحديات العصر، وتكييف التعليم مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية”، لكن الملاحظ، أن هناك هوة شاسعة بين ما هو مقرر وبين الواقع.. فالتركيز على بناء شخصية المتعلم وتنمية قدراته، يتطلب التتبع والوقوف على ما يجري داخل المؤسسات التعليمية من حيث كيفية التعامل مع التلاميذ وتنمية قدراتهم العلمية والمعرفية، وتفعيل دور لجان المراقبة والمفتشين والمدراء، فالتقصير في هذا الباب لا يعطي النتائج المرجوة من هذه البرامج، بل يساهم في تقهقر مستوى التلاميذ وهذا النكوص الخطير الذي بات عليه التلاميذ في السنوات الأخيرة – وهنا لا نعمم مع وجود استثناءات وكفاءات مغربية – وهو ما يؤثر بشكل سلبي على سوق الشغل ولا يعطي المردود المنتظر..

أما فيما يخص مجالات التجديد الستة (نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي: تعميم التمدرس، محاربة الأمية، وتكييف التعليم مع سوق الشغل؛

التنظيم البيداغوجي: هيكلة الأطوار، التقويم والتوجيه، ومراجعة البرامج والمناهج، خاصة اللغات والتكنولوجيا؛ الرفع من جودة التربية والتكوين: تحسين تعليم اللغات (العربية، الأمازيغية، الأجنبية)، تشجيع الابتكار، الأنشطة الموازية؛ الموارد البشرية: تحفيز الأطر التربوية، التكوين المستمر، وتحسين الظروف الاجتماعية للمتعلمين؛ التسيير والتدبير: اللامركزية، تحسين التدبير العام للمؤسسات والمباني؛ الشراكة والتمويل: تحفيز القطاع الخاص، تعبئة الموارد، وتدبيرها؛ الدعامات الأساسية للتغيير: تتضمن 19 دعامة تتوزع على المجالات الستة، وتشمل إدماج التكنولوجيا، دعم ذوي الاحتياجات الخاصة، تحفيز الأطر، وتطوير البحث العلمي)، فرغم أنها على الورق تبدو واعدة ومحفزة، إلا أنه لا زالت هناك فوارق مجالية، فما تتمتع به مؤسسات تعليمية في المجال الحضري يغيب عن مؤسسات في المجال القروي والمناطق الجبلية، وهو ما يساهم في الهدر المدرسي بالدرجة الأولى، وهذا يتطلب من الوزارة الوصية العمل على وضع حد له، كما أن النقص الكبير في الأطر التربوية العاملة في المناطق النائية وأيضا في المناطق الجبلية، يتنافى مع مبادئ هذا الميثاق، الذي يعتبر خارطة طريق من أجل تحقيق تعليم يخدم التنمية الشاملة للمجتمع.

برادة
برادة

ومن أجل ترسيخ هذا الميثاق الإصلاحي، تم تبني ما يسمى “الكتاب الأبيض”، وهو عبارة عن وثيقة أصدرتها وزارة التربية الوطنية في شهر يونيو 2002، بهدف إعادة النظر في المناهج التربوية وتحيينها من خلال مجموعة من الإجراءات تهم كل سلك تعليمي والكفايات التي ينبغي تحقيقها، وذلك بالمساهمة في تكوين شخصية مستقلة ومتوازنة ومتفتحة للمتعلم؛ إعداد المتعلم لتمثل واستيعاب إنتاجات الفكر الإنساني؛ إعداد المتعلم للمساهمة في تحقيق نهضة وطنية في جميع المجالات.

كل هذه البنود المسطرة في هذا البرنامج تحمل أيضا رؤية واعدة للرقي بالتعليم ببلادنا، لكن يبقى السؤال: هل فعلا قمنا بإعداد متعلم يساهم في تحقيق نهضة وطنية في جميع المجالات في ظل ما نلمسه واقعيا من انتشار مختلف أنواع الجريمة، خاصة في ظل الهيمنة الرقمية وما شرّعته من أبواب على الانحلال والانحطاط الأخلاقي وتأثير ذلك على الأطفال والشباب.. ؟

وقد توالت البرامج الإصلاحية في قطاع التعليم، واستهلكت ميزانيات ضخمة بالملايير.. ولا زال المغرب يبحث عن الوصفة التي تخرج القطاع من عنق الزجاجة، ورغم تغيير الوزراء، لم يتم بعد التوافق على توليفة تطور مستوى التعليم ببلادنا، ولا أدل على ذلك من المراتب المتدنية التي يحتلها المغرب في هذا المجال في مختلف التصنيفات الدولية.

ويبقى المخطط الاستعجالي 2009-2012، من أكثر البرامج إثارة للجدل، وهو البرنامج الذي أطلق على عهد الوزير أحمد اخشيشن، اعتبارا للميزانية الكبيرة التي صرفت عليه، 47 مليار درهم، دون طائلة، حيث لم ينجح في إخراج المنظومة التعليمية من الأزمة التي ضربتها، في حين خلف وراءه ملفات قضائية شائكة، إذ تمت إدانة عدد من المسؤولين في أكاديميات كل من الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، فيما لا تزال تحقيقات أخرى مفتوحة أمام محكمة الاستئناف بالرباط، للنظر في عشرات الصفقات التي تحوم حولها شبهات تبديد واختلاس للمال العام.

ومن أجل تسريع وتيرة إصلاح القطاع وتجاوز التعثر الذي حال دون تحقيق مرامي الميثاق الوطني للتربية والتكوين، تم تنزيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح عن الفترة 2015-2030، والتي جاءت ببرنامج يرتكز على الجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع، وفي خضم تنزيل هذه الرؤية، تم في سنة 2019 اللجوء إلى

ما سمي القانون الإطار رقم 51.17، وهو وثيقة قانونية ملزمة للدولة والمجتمع لتطبيق مبادئ الإصلاح وضمان استمراريته، وهذا البرنامج أيضا لا زالت تداعياته مستمرة إلى اليوم، بفعل الجدل المستمر بخصوص النقطة المتعلقة بـ”فرنسة التعليم”، رغم أنه جاء من أجل إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتفعيل خارطة الطريق 2022-2026 لتعليم عمومي ذي جودة، والتي بدورها جاءت من أجل “خفض نسبة الهدر المدرسي بمقدار الثلث، حيث يغادر أزيد من 300.000 طفل وشاب الدراسة في كل سنة؛ تجويد المكتسبات والتعلمات في المدرسة من خلال زيادة تمكين المتعلمين من الكفايات الأساسية إلى 70 % بدل المعدل الحالي 30 %؛ وتوفير بيئة مناسبة وشروط ملائمة للمشاركة والنجاح داخل المدارس، من خلال مضاعفة المستفيدين من الأنشطة المندمجة، إذ لا تتجاوز النسبة المسجلة حاليا للمستفيدين 25 % من المتمدرسين”، وتحسين جودة التعليم وتجويد حكامته عبر نصوص تشريعية وتنظيمية، مثل مشروع القانون 59.21 الخاص بالتعليم المدرسي.

فهذا البرنامج الاستعجالي عرف في فترة تنزيله حالة من الشد والجذب بين الوزارة الوصية والأساتذة، توجت بحراك لا زالت تداعياته على القطاع

مستمرة، حيث تخللت الاحتجاجات اعتصامات غيبت الأساتذة والمعلمين عن التدريس، وهو ما كان له أثر سلبي على مردودية التلاميذ والنتائج المحصل عليها في نهاية الموسم الدراسي..

وبينما لم يتم حل تلك المشاكل والاختلالات التي تعصف بالقطاع بشكل ملموس، تفتقت عبقرية وزارة التعليم على توجه آخر، في إطار البرامج المواكبة للإصلاح، يتمثل في “مؤسسات الريادة “، التي تم اعتمادها منذ سنة 2023 لتطبيق إصلاحات تربوية بشكل تجريبي قبل تعميمها على باقي المؤسسات، والهدف من هذا المشروع، كما تم تعريفه، هو تمكين المتعلمين من الكفايات الأساس في كل مواد اللغة العربية واللغة الفرنسية والرياضيات، وذلك عبر تجويد الممارسات الصفية، وأيضا أنشطة الدعم التربوي بالمؤسسات التعليمية، باستعمال وسائل وأنشطة متنوعة يتم اعتمادها بعد تشخيص دقيق للوضعية التعليمية بالمؤسسة المعنية، وكذا الرفع من القدرات المهنية للأطر التربوية عن طريق تكوين مستمر ذي جودة يجمع بين النظري والتطبيقي، وهذا طبعا بالموازاة مع تأهيل المؤسسات التعليمية وتجهيزها وتحفيز طواقم الاشتغال بها وتوفير الظروف والمستلزمات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف المسطرة.

لكن.. كيف السبيل لتحقيق كل هذه الأهداف المسطرة لمدارس “الريادة” في ظل استمرار الاختلال وعدم التوازن في تلقي نفس التعليم بين أبناء الوطن ؟

وها هي تجربة مدرسة “الريادة” تتلقى الانتقادات حتى وهي لا زالت في مهدها؛

فهذا المشروع التربوي لم يتم إقراره إلا بعد أن وصل الوضع التعليمي إلى أسوأ حالة، بالنسبة للمتعلم والمدرس على حد سواء، لكن تقسيم المتعلمين وفق هذا البرنامج، يبدو أنه سيكرس الفوارق أكثر من “تطوير كفايات وقدرات ومعارف التلاميذ، والحد من الهدر المدرسي، وتعزيز تفتح المتعلمين”، وفق الهدف من مدارس “الريادة”.

ولا زالت مدارس “الريادة” محل جدل ونقاش واسع في المجتمع المغربي، بعد مرور سنتين تقريبا على اعتمادها، ولا زالت الآراء تتضارب بين من يقول أنها ستكون تجربة رائدة تخرج القطاع من أزمته الخانقة، وترجعه إلى سكته.. وبين من يحكم بفشلها، بفعل عدم رؤيتها الشمولية وعدم موازنتها بين القطاع الخاص والعام، وهنا يكمن مربط الفرس، ويبقى التعليم، أهم قطاع في البلاد باعتباره المفتاح لكل القطاعات، ولسوق الشغل، يتخبط في المشاكل ويتأرجح بين البرامج الإصلاحية منذ عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى