كواليس الأخبار

تحت الأضواء | ممارسات مجلس النواب بين تحديات الدستور ومبادئ حقوق الإنسان

نحو أفق برلماني بنفس جديد

سعيد الريحاني. الأسبوع

    بعيدا عن الجدل الدستوري، يبقى الاعتماد على دستور ينهل من مرجعيات حقوق الإنسان، أحد أرقى أشكال الحكم في العصر الحالي، والنموذج من المغرب، حيث تمت المصادقة على دستور 2011 بشكل متطابق مع ما تقتضيه الاتفاقيات والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان، بل إنه شرع آليات لمواكبة تنزيلها، وهو ما فرض على المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها مجلس النواب، تحديات جديدة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم أن الوقت لم يحن بعد، إلا أن البرلمان بغرفتيه سيجد نفسه قريبا أمام امتحان تعديل بنود مدونة الأسرة، وهو من أصعب الامتحانات التشريعية، حيث التقديرات السياسية، ومقتضيات الاتفاقيات الدولية، بالإضافة إلى اختلاف المرجعيات.. وكل هذا لا يخلو من توظيف سياسي، ومع ذلك، يمكن القول أن امتحان تعديل مدونة الأسرة بين التشريعات الدولية والتوجيهات الملكية “التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا”، يبقى سابقا لأوانه، في انتظار العمل الذي سيعرض على مجلس النواب ومجلس المستشارين من خلال مشروع قانون تشرف على إعداده كل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، حيث وصل عدد جلسات الاستماع إلى 100 جلسة موزعة على عدة فرقاء بين الفعاليات السياسية والمدنية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن تفاعل مجلس النواب مع المواضيع الساخنة دون الحديث عن تفاعل النواب مع قوانين سارية المفعول كما حصل مؤخرا، ولأول مرة مع تقييم تطبيق القانون 13-103 بشأن مكافحة العنف الممارس على النساء، فبغض النظر عن النتيجة، فإن ذلك يعكس تطلعا للبرلمان المغربي نحو ممارسة رقابة غير مألوفة على مصير تطبيق القوانين(..).

تتمة المقال تحت الإعلان

في ظل دستور كدستور 2011، يبدو من الطبيعي أن ينتقل الجدل الإعلامي إلى داخل البرلمان، لأن الأمر يتعلق بحرية التعبير، وقد كانت حصيلة الدورة التشريعية السالفة شاهدة على تبني مشروع قانون بـ”إحداث لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، ورغم التفسيرات والتجاذبات التي أحاطت بهذا المشروع، إلا أنه لم يفعل على أرض الواقع إلا بعد عدم التمكن من إجراء انتخابات المجلس الوطني للصحافة بالرغم من تمديد مدة انتدابه بكيفية استثنائية”، وقد ساهم هذا الإجراء إلى حد كبير في توفير المناخ لنقاش أكبر، يتعلق بمصير الدعم العمومي المخصص للصحافة الوطنية، التي مرت من منعرجات كثيرة وخطيرة منذ حلول جائحة “كوفيد 19″(..).

إن ما يعكس التوجه نحو ممارسات برلمانية جديدة، هو تأكيد رئيس مجلس النواب أكثر من مرة على أن الهدف من الممارسة البرلمانية، المتمثلة في الرقابة والمصادقة والتقييم.. هو “كفالة حقوق الإنسان وتكريس العدالة الاجتماعية”، ويكفي النظر إلى مصادقة مجلس النواب – خلال الدورة التشريعية الأخيرة – على مشروع قانون تنظيمي(..)، مثل القانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، والقانون المغير والمتمم لمدونة التغطية الصحية الأساسية، ومشروع قانون إطار يتعلق بالاستثمار، وقانون بشأن الإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية.. وكلها قوانين لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الدستور والمرجعية الكونية لحقوق الإنسان.

إن العبرة من ضرورة تأطير الممارسات الحكومية بممارسات برلمانية، يؤكدها واقع الحال.. فقد تسبب اللجوء إلى إصدار مرسوم النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية، في ضجة كبيرة، تعمقت مع عجز آلية الوساطة بين الحكومة والفئات المستهدفة، فكانت النتيجة هي توقف المدرسة، وهو ما ينعكس على واحد من الحقوق الأساسية وهو حق التعلم، ما يعني أن استحضار الأبعاد الحقوقية في الممارسات السياسية، سواء داخل البرلمان أو الحكومة، يمثل حلا ناجحا لتفادي أي تطورات غير محسوبة..

إن استحضار الممارسات الحقوقية لا يمكن أن يندرج في إطار الترف، بل إنها يجب أن تكون هاجسا لدى كل المشرعين، وهو ما حدث عمليا بعد المصادقة على مقترح قانون يمنع الحفر العشوائي للآبار، في سياق الحادث المعروف(..)، أو عندما تمت المصادقة على تعديل قانون الجنسية لزيادة معرفة الأمازيغية لطلب الجنسية عوض الاقتصار على حالة معرفة العربية.. وكلها مواضيع وتشريعات توجد في قلب مبادئ حقوق الإنسان.

ولا يقتصر هاجس حقوق الإنسان في الممارسة البرلمانية على التشريع، بل إنه يمتد عمليا إلى ما يتعلق بآليات الرقابة ولجان تقصي الحقائق(..)، ويصل إلى حد مناقشة الميزانيات الفرعية لمؤسسات وطنية حساسة.. على أن الأمر لا ينبغي أن يخلو من اليقظة تفاديا للوقوع في أخطاء قانونية، والضامن هنا هو الاجتهادات القضائية.. فقد سبق لرئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، أن رفض الاستجابة لطلبات بعض النواب في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، طالبوا بمراسلة رئيس النيابة العامة من أجل حضور اجتماع اللجنة الخاص بمناقشة تقرير هذه المؤسسة، وكان المبرر هو تناقض هذا المطلب مع الدستور وقرارات القضاء الدستوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى