للنقاش | اليسار.. احتضار أكبر قوة سياسية بالمغرب

يواجه اليسار منذ حكومة التناوب برئاسة القطب الاتحادي الراحل عبد الرحمان اليوسفي، أزمة الالتفاف حول مواقف موحدة، ذلك أن ما يمكن أن نسميه “تشتت” مكونات اليسار، أو عدم التحامها وتوافقها في توجهاتها السياسية، جعل هذا المكون السياسي داخل المغرب يعرف تراجعا في قوته الفكرية القادرة على طرح بدائل سياسية، سواء من داخل الأغلبيات الحكومية، أو داخل اليسار، ولو أن وجود حزب الاتحاد الاشتراكي في المعارضة خلال المدة الانتدابية المنقضية، وصفت حصيلته بالإيجابية نوعا ما.. لولا التراجع عن تقديم ملتمس الرقابة وتلك قصة أخرى لها ما لها (…)، إلا أن حيثيات تشكيلة الحكومة فرضت التوافق مع حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وبذلك تم إعطاء جرعة أخرى أنعشت جسم اليسار المنهك.. وأعادت إليه الروح من خلال انضمام الحزبين إلى الأغلبية الحكومية.

عندما نتكلم عن اليسار في المغرب، فنحن لا نتكلم عن حزب واحد أو تيار واحد، بل إن الموضوع يشمل حركة يسارية شاملة وهي تمتد لعقود طويلة بدأت مسارها النضالي منذ فجر الاستقلال، وحتى قبل ذلك التاريخ؛ فاليسار يجمع عددا من الأحزاب والتيارات والأنوية الفكرية التي تنهل من الفكر اليساري بخلفياته الإيديولوجية، وبشكل عام، فهو ممثل في أحزاب كانت تنهل من الفكر الاشتراكي والماركسي.. قبل أن تطرأ عليها تحولات سياسية أثرت في مسيرتها، أو جعلت منها “أحزابا مخففة” Light)) – إن صح التعبير – وذلك ليس ضعفا منها أو تنازلا عن مبادئها، وإنما لضرورات فرضتها وتفرضها الضرورة السياسية للمرحلة، وهو ما أفرز أحزابا حديثة بسبب ظاهرة الانشقاقات، وربما هذا ما ساهم في ضعف قوة اليسار..
فقد وصلت أحزاب اليسار لمرحلة الاحتضار بعد كل محطة انتخابية.. بدليل النتائج المحصل عليها منذ حكومة التناوب، وإن كان حضور هذه الأحزاب في المشهد السياسي ضرورة تفرض نفسها كقوة سياسية لا بد من وجودها لإضفاء بعض التوازن، سواء في الحكومة أو في البرلمان، لذلك لا يمكن الحديث عن أحزاب اليسار في المغرب دون التطرق إلى ما يسميه بعض المحللين السياسيين، اليسار التاريخي أو اليسار التقليدي، باعتبار أنه يضم أحزابا قوية بمرجعيات وكوادر سياسية مرجعية، على رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يعتبر امتدادا سياسيا لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحزب القوي خلال فترة ما بعد الاستقلال، فحزب الاتحاد الاشتراكي – على سبيل المثال – مارس دور المعارضة الشرسة للحكومات المتعاقبة، وهو ما مكنه من عضوية رئاسة الأممية الاشتراكية حاليا في شخص خولة لشكر، وقبل ذلك كان إدريس لشكر قد تم تعيينه نائبا لرئيس الأممية الاشتراكية سنة 2015، مما يؤكد قوة الحزب التنظيمية ومبادئه وسياسته المغربية في الخارج من خلال هذه المنظمة السياسية العالمية التي تضم الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية عبر العالم.. ورغم أن الحزب اصطدم في مراحل عدة بالقصر.. إلا أنه وصل لرئاسة الحكومة في سنة 1998 وتدبير الشأن العام بقيادة الزعيم اليساري عبد الرحمان اليوسفي، بعدما قرر الملك الحسن الثاني إنهاء عقود من الصراع السياسي بين القصر والمعارضة، من خلال إقرار سياسة الانتقال الديمقراطي التوافقي، الذي مكن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولأول مرة في تاريخ اليسار المغربي، من قيادة الحكومة للفترة من سنة 1998 إلى سنة 2002…
ومن مكونات اليساري المغربي أيضا أحزاب تأسست عن طريق الانشقاقات، ومنها حزب الاشتراكي الموحد الذي تأسس سنة 2005 من خلال اندماج حزب الطليعة وحزب اليسار الاشتراكي الموحد، وكان ذلك، وفق تصوره، بهدف “تحقيق بديل سياسي واقتصادي واجتماعي”، كما يطمح إلى تحقيق نموذج اشتراكي يلبي حاجات المواطنين، فضلا عن مطالبته بسن إصلاحات دستورية.
ومن أبرز زعامات هذا الحزب اليساري نبيلة منيب، التي لا تخفي رغبتها الكبيرة في “وحدة اليسار” من خلال “قطب يساري ديمقراطي قوي يحظى بمكانة في الخريطة السياسية للبلاد”، وكذا من أجل مواجهة ما تسميه “الأصولية الدينية” وأيضا “أصولية الدولة”، ووفق منيب، في أحد تصريحاتها، قالت “إنه يتعين التدرج في بناء الجبهة اليسارية المنشودة من خلال تآلف الحساسيات والجهود ذات التوجه السياسي والفكري نفسه، بغية الوصول إلى الهدف الرئيسي المتمثل في تشييد دولة الحق والقانون”، كما تدعو فيدرالية اليسار إلى تقوية أدوار ومهام البرلمان والحكومة، وغيرها من المطالب التي تصدم بعراقيل تحول دون تحقيق خطوات إلى الأمام..
ومن الأحزاب الاشتراكية أيضا، هناك حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي انشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي وأعلن عن تأسيس تنظيمه سنة 1993، وهذا الحزب كان يؤمن بالماركسية اللينينية قبل أن يتحول بعد سقوط رموز الماركسية في العالم، إلى تبني ما يسميه “الاشتراكية الديمقراطية”، وقد تحالفت أحزاب “الحزب الاشتراكي الموحد” قبل انسحابه مع حزب الطليعة وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، لتشكل فيدرالية اليسار الديمقراطي، التي تهدف إلى تقديم بديل سياسي وتوحيد صف اليسار.
لكن لا شيء من هذا تحقق؛ فبعد كل محطة انتخابية تبقى أحزاب اليسار في مكانها مكتفية بتأثيث المشهد السياسي دون الوصول إلى مبتغاها، بل إنه كلما دعت قيادات هذه الأحزاب اليسارية إلى توحيد الصفوف من أجل تحقيق برامجها.. كلما تصطدم بواقع سياسي يرفض وجود أحزاب تطالب بالتغيير(…)، وتعاود الكرة في المحطة الموالية بنفس الطموح ونفس الأهداف في حين تبقى النتائج على أرض الواقع بعيدة عن واقع أحزاب أو مكونات سياسية تنادي بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهو ما يمكن وصفه بالتشرذم، الذي يطبع أحزاب الاتحاد الاشتراكي وفيدرالية اليسار ويضعف قوتها، مما يكون له وقع سلبي على الشباب بالتراجع عن الانضمام لهذه التنظيمات اليسارية؛ فالشباب حاليا طموحهم يختلف كثيرا عن شباب السبعينات مثلا، أو الثمانينات، ففي تلك الفترات كان الانضمام للأحزاب بدافع مجموعة من المبادئ والقناعات الفكرية، بينما طموح الشباب في الوقت الراهن لا تهمه لا المبادئ ولا الثقافة ولا هم يحزنون.. تهمهم فقط الأحزاب التي توفر لهم مناصب شغل سمينة تضمن لهم الاستقرار المادي والمكانة الاجتماعية، إلا من رحم ربك، وهذا عامل مهم ساهم بشكل كبير في التمزق الذي يضرب حاليا هذه الأحزاب، ذلك أن الصراع حول المناصب داخل الحزب الواحد خرج إلى العلن ولم تعد الاجتماعات الداخلية، حتى للقيادات، تستر عورة الشنآن بين أعضاء المكاتب السياسية وحتى بين المكاتب والقيادات والقواعد، وهذا بدوره يطرح أكثر من علامة استفهام حول التعبئة الجادة والجدية من أجل تمسك والتفاف مكونات الحزب الواحد حول هدف واحد يتمثل بالدرجة الأساسية في إيصال الحزب إلى منصب المسؤولية الكبيرة لتدبير الشأن العام وليس الأشخاص كما يبدو من خلال الجدل الدائر مؤخرا بين مكونات حزب الاتحاد الاشتراكي حول قيادة الحزب وتضارب التصريحات التي مفادها تخلي القواعد عن الحزب وعدم التصويت في اقتراع 32 شتنبر كما كان مأمولا.
إن ما يحصل حاليا داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، وأحزاب يسارية أخرى، يتطلب وقفة تأمل مركزة جدا.. حتى لا يصل اليسار إلى الرمق الأخير ويُضطر إلى إنعاشه بالمشاركة في الأغلبية الحكومية وبمقاعد في البرلمان.. وهنا لا نناقش الأسماء حتى لا يظن أي قارئ أنني أقصد هذا أو ذاك أو تلك.. وإنما تطرقت للموضوع من باب التذكير بالتاريخ الطويل العريض لأحزاب اليسار، التي أعطت للمغرب كوادر وشخصيات وازنة لا يمكن محو تاريخها بالصراع على المناصب..
فقد أنجبت هذه الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي، على طول مسارها الطويل والمتشعب العديد من الشخصيات والزعامات الخالدة في الحياة السياسية للمغرب، ومن هؤلاء من تركوا بصماتهم حتى في الخارج، كما أن هؤلاء الزعماء، بنوا تاريخ اليسار بنضالهم المستميت من داخل ومن خارج المعتقلات وسنوات الرصاص شاهدة على حقبة لا يمكن محوها بجرة قلم (تعبير مجازي)، فالمقصود هو تراجع الزعامات اليسارية الجديدة على جمع القواعد بيد من حديد وليس اللجوء إلى المسار الذي تبعه اليساريون القدامى، فلكل مرحلة طابعها ولكل فترة دواعي النضال من أجل تحقيق ما تحقق وما لم يتحقق، وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير ببعض الرموز التي أفنت عمرها في بناء اليسار، ومن بينهم عبد الرحيم بوعبيد الذي كان من بين مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قبل أن يقود حزب الاتحاد الاشتراكي بتسميته الحالية، ليكون أحد أقوى الأحزاب السياسية في البلاد على الإطلاق، كما أن هناك القيادي محمد بنسعيد أيت إيدر، الذي قضى سنين طويلة في معارضة الملك الحسن الثاني، وكان مناضلا بارزا في جيش التحرير، وأسس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ومن الأسماء اليسارية الأخرى عمر بنجلون، أحد قيادات حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تم اغتياله سنة 1975، وكان معروفا بمواقفه الاشتراكية الحازمة والمعارضة، ويبقى عبد الرحمان اليوسفي من أبرز القيادات اليسارية التاريخية، إذ بصم على مسار متميز في دواليب حزب الاتحاد الاشتراكي، وكان هو أيضا معارضا للملك الراحل الحسن الثاني قبل التوقيع على مرحلة المصالحة وقيادة حكومة التناوب، وفي العهد الجديد، وبعد تولي الملك محمد السادس الحكم، جاءت مرحلة المصالحة الكبرى لتضع حدا لسنوات وعقود من شد الحبل بين القصر والتيار اليساري الاشتراكي، عندما أمر الملك محمد السادس سنة 2004 بتأسيس هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وبالفعل تأسست الهيئة بمرسوم ملكي بتاريخ 7 يناير 2004، وترأسها آنذاك الراحل إدريس بنزكري، أحد أبرز رموز اليسار، وذلك بهدف إحداث قطيعة مع سنوات الرصاص التي طبعت الفترة ما بين سنة 1956 و1999، وجبر ضرر الضحايا، حيث قال الملك في الخطاب الذي ألقاه بتاريخ 6 يناير 2004: ((تجسيدا لإرادتنا الملكية الراسخة في تحقيق المزيد من المكاسب للنهوض بحقوق الإنسان، ثقافة وممارسة، ها نحن اليوم، بتنصيب لجنة الإنصاف والمصالحة، نضع اللبنة الأخيرة للطي النهائي لملف شائك ضمن مسار انطلق منذ بداية التسعينات، والذي شكل ترسيخه أول ما اتخذناه من قرارات، غداة اعتلائنا العرش. ومع استحضار اختلاف التجارب الدولية في هذا المجال، فإن المغرب أقدم، بحكمة وشجاعة، على ابتكار نموذجه الخاص، الذي جعله يحقق مكاسب هامة، في نطاق استمرارية نظامه الملكي الدستوري الديمقراطي، الضامن لحرمة الدولة والمؤسسات، وحريات الإنسان وكرامته، مما تجلى خاصة في العفو عن المعتقلين السياسيين، وتسوية أوضاعهم المهنية والإدارية، وعودة المنفيين والمغتربين، وتعويض ضحايا الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري والبحث في مصيرهم…)).
فالدولة رسمت خطة للمصالحة ضمن مسار حقوقي شامل قامت في بدايته بالعفو عن المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين.. وفي المقابل، لم يتم حظر الأحزاب الاشتراكية أو تغيير اسمها أو توجهاتها، ومن تم، فاليسار كتوجه، هو شامل للعديد من البرامج الحزبية التي تتبناها الأحزاب الاشتراكية حاليا، لكنها فقدت تلك القوة التي عرفها بها المغاربة منذ سنين طويلة، ويكمن ذلك في تراجع العقيدة السياسية لدى الأحزاب الاشتراكية، لذلك يبدو أن الاشتراكية أصبحت مجرد شعار لأنها ابتعدت عن أصل الفكرة، وأكبر المؤشرات على ذلك، التحالفات الحزبية التي حصلت في فترات سابقة، حيث تحالف حزب التقدم والاشتراكية، الشيوعي سابقا، مع حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، كما تحالف حزب الاتحاد الاشتراكي مع حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الإداري، في انتظار تحالفات جديدة في الحكومة الجديدة..
أما السبب ومسببات تشرذم الأحزاب الاشتراكية، فالأحزاب كتيارات سياسية، تملك وحدها مفاتيح تصحيح مساراتها اليسارية أو المضي نحو الاضمحلال؛ فمهما كتبت الأقلام عن اليسار المغربي، فوحدهم أهل مكة أدرى بشعابها، ووحدهم اليساريون من بيدهم إعادة إنعاش أحزابهم من داخل أحزابهم حتى تعود لتلك القوة التي عرفها بها المغاربة كمؤسسات تؤطر الشباب وتوجهه نحو المشاركة السياسية البناءة.



