تحت الأضواء | بين الجهل والتجهيل.. هل انهزم المثقفون أمام التهافت على التفاهة ؟
كتاب العالم يحتفلون بالمفكر المغربي إدريس هاني
الرباط – الأسبوع
أحيانا لا يأتي الاعتراف من الداخل، بل من الخارج، وفي غالب الأحيان مطرب الحي لا يطرب، وهو ما حدث فعلا مع “ساموراي الفكر العربي”، الباحث المغربي الشهير في عدة أقطار عربية وأوروبية، إدريس هاني، وقد تم الاحتفاء به في مؤلف جماعي ضخم ضم آراء عشرات المفكرين من المغرب وتونس ومصر وسوريا وفلسطين ولبنان والعراق، وغيرها من الأقطار، بل إن تقديم الكتاب كان باسم الأستاذ برونو دريوسكي، الأستاذ بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس.
الكتاب صدر بعنوان: “فلسفة الموقف: مطالعات في الفلسفة السياسية عند إدريس هاني”، وهو عمل يتجاوز، من عتبة عنوانه، الصيغة المعتادة للكتب التي تجمع دراسات حول مفكر أو تجربة فكرية مستغرقة في الشخصي والذاتي؛ فالكتاب لا يكتفي بتقديم صورة عن صاحب المشروع أو إعادة عرض بعض محطات حياته وأفكاره، وإنما يحاول أن يضع منجز إدريس هاني أمام سؤال أكثر استشكالا: هل نحن أمام مواقف سياسية متفرقة، أم أمام مشروع فكري أخذ يتبلور في صورة فلسفة سياسية لها مفاهيمها وأسئلتها ورهاناتها؟ هذا العمل يكشف في سياق مليء بالانحطاط والتفاهة عن محاولة لبناء فضاء عربي متعدد المراكز لتداول الأفكار؛ إذ ينتقل مشروع إدريس هاني، عبر هذه الشراكات، من نطاق التجربة الفكرية الفردية إلى مجال أوسع تتقاطع فيه الفلسفة السياسية مع الدراسات الاستراتيجية والجيوسياسية وقضايا التحرر وما بعد الاستعمار، وهو ما يفتح أمامه مجالا لتداول فكري يتجاوز المركز الواحد، كما أن تقديم الأستاذ برونو دريوسكي يمنح الكتاب مدخلا آخر إلى أسئلة التحرر والمقاومة والعدالة ذات الامتداد العالمي. فتقديم أكاديمي أوروبي للكتاب، ليس مجرد قيمة اعتبارية، بل يبين إلى أي حد يمكن للأسئلة الحقيقية أن تتحول إلى مشروع يحظى بالاعتراف خارج الحدود الوطنية عبر ارتباطه بقضايا التحرر والصراع العالمي.
فإدريس هاني الذي حظي بهذا الاعتراف الدولي، شارك مؤخرا في النقاش الذي احتضنته مؤسسة أبو بكر القادري، بمدينة سلا، في سفر طويل بعيدا عما يروج ويحسبه المتهافتون على أنصاف الأفكار والمواقف، بأنه أم الحقائق.. في هذا اللقاء، تكاثف النظر تحت عنوان مشروع الإسلاميات النقدية للمفكر المغربي د.عبد الإله بلقزيز، وفي قراءة قام بها كل من د. عز الدين العلام، وهو ضليع حد الشغب في الأدبيات السلطانية، ود. نبيل فازيو، باحث سوسيولوجي، بينما قام بتسيير اللقاء المفكر المغربي د. نور الدين أفاية، مفكر الصورة والتواصلية.
إدريس هاني كتب عن هذا اللقاء قائلا: ((لكل علم موضوع، وكما ذكر القدامى فهو البحث في عوارضه الذاتية بلا واسطة في العروض، وهو تعريف في تعقيده يقودنا إلى حتمية تداخل فروع المعرفة وانحلال التخصصات انحلالا كيميائيا خلاقا. تكمن أهمية النقاش هنا في أنه بقدر ما نرفع سقف المفاهيم بقدر ما نتخلى عن أشكال الحسم واليقينيات الكاذبة، تلك التي باتت قوتا يوميا يتهدد كل مساحات المعرفة والسياسية. الجرأة على تقديم المشاريع هي مهمة غير عاجزة، ولكنها تحت دفق رهاب الجهل والتجهيل، يبدو وكأن الغوغائية أنهت مهمة المثقف، وهذا ليس صحيحا، فما أسميه بثأر المثقف، قد تكون واحدة من نوباته تعزيز المشهد بنقاش يبدو تحت طائلة الشعبوية كأنه بات محسوما، وفي تساؤل لأحدهم، أن قادة الزيف لهم جيش عرمرم يقوم بتعزيز التفاهة، فأين هو جيش النخبة؟ الجواب من الأستاذ بلقزيز كان حذرا، لكنه ينضاف إلى وعي المثقف بتموقعه الموضوعي، وهو أنه دائما تأتي اللحظة التي يتوفر فيها الحامل الاجتماعي والسياسي لتطبيق الفكرة، ويبدو – في نظر بلقزيز – أن الجمع بين مهمة النخبة المعنية بإنتاج الأفكار ومهمة الحركي، قد تبدو حالة شبه بهلوانية، وكم بدا لي شخصيا أنها مهمة صعبة، وكم انتابني شخصيا هذا الإحساس بأنني بهلوان في هذا الجمع الشقي. دعنا نؤكد هنا بأن المثقف العضوي عند غرامشي وعموم من اهتم بمفهوم النخبة، لا سيما في الفكر الإيطالي، مع أن العضوي كضميمة ها هنا هي تحصيل حاصل إن نحن احترمنا التعريف الأصلي للمثقف، فهو هو نفسه من يتحمل مهمة التنوير والإصلاح، وإلا فهو حرفي. ويا لها من مهمة ينضاف إليها إنقاذ التنوير من سطوة التبسيط والشعبوية الكامنة خلف هذا الانجراف المرعب لتربة المفاهيم، وقد يبدو بالإمكان تحمل السذاجة بدل تحمل السطو التبسيطي للمفاهيم، هواية استهلاك أعقاب المفاهيم والتقاطها من أرصفة الاستعمال الفاسد.
كل الأفكار التي باتت محل تداول عام، يقف خلفها المثقف: مفهوم الدولة، العقد الاجتماعي، مفهوم التغيير، التنوير، المقاومة… ودائما هناك موعد يضربه التاريخ مع ميلاد الحامل الاجتماعي والسياسي، وقد يحدث أن ينتهي خلط المفاهيم إلى كوارث؛ يذكر بلقزيز هنا أن سوء تقدير الفرق بين مفهوم السلطة والدولة، انتهى بالربيع العربي لإسقاط دول وليس لإسقاط أنظمة سياسية.
وعلى الرغم من أن مشروع الإسلاميات النقدية ينتمي إلى طبقة نقدية تشربت كل المحطات التي كانت ملهمة، لا سيما أركون، الحاضر الغائب في هذا المشروع، والمؤاخذ عليه أيضا في بعض الإهمالات، كالتاريخي، لكن يفرض الإنصاف أن نعتبر أن توجيه أركون لأنظار النخبة الناظرة في معضلة التراث، هو توجيه عام لا يتحمل بالضرورة مسؤولية عدم تنفيذه.
الإسلاميات النقدية تنويعة ذكية – ولكنها أيضا تطوير لمسار فكري طويل الأمد بالغ التعقيد – على الإسلاميات التطبيقية الأركونية، وليس في الأمر ما يدعو للتساؤل؛ فهذه هي مهمة التفكير، أي إعادة بناء وتأهيل رميم المفاهيم، فأركون نفسه استند إلى خبرة روجير باستيد في الأنثربولوجيا التطبيقية، لكنني ومن منظوري العبرمناهجي، أرى أننا نتطور في اتجاه هذا التفاعل الكيميائي للمعرفة، هو النضج الذي يورث مستوى رفيعا من النسبوية والتنمية المستدامة للفكر. هذا التفاعل يفرض إعادة تقييم وتقويم الفرضية، هي نفسها الموقف الثوري لكارل بوبر، موقف الدحض المستدام للنظرية، فمن هناك يتولد الصواب.
شخصيا، أضع مشروع الإسلاميات النقدية في هذا المسار الاستيعابي التكاملي مع فائض قيمة أحقاب من التفكير، ربما لم تتح له الفرصة الكافية للتفاعل. كان لا بد في المبتدأ من التصلب والانغلاق على أحياز مفهومية، في عصر الإيديولوجيات الصاخبة. كانت مرحلة من النمو طبيعية، ومع ذلك هي محاولة تجيب عن تلك المهملات التي لمّح إليها أركون، وربما لم يسعفه الجهد للإجابة عنها جميعا، لأن مهمة التفكير أيضا تتطلب منظومة عمل جماعية تتكامل فيها جهود النخبة وتتفاعل في بوتقتها الاختصاصات نحو تفاعل خلاق.
في هذه المقاربة البلقزيزية، نلاحظ انفتاحا على سائر المقاربات، وتحديدا في مقاربة الظاهرة الدينية، فنحن إزاء قضية مركبة بالغة التعقيد، وقد لفت انتباهي ما بدا عند بلقزيز واحدة من الأزعومات الأركونية، ألا وهي قضية أن التراث ليس هو المكتوب فقط، بل هناك التراث الشفهي، وبقدر ما تبدو الدعوة مغرية إلى حد ما، لكن ما يبدو مفارقة في نظر بلقزيز، هو أن ما يبدو تراثا شفهيا لا يمكن التعرف عليه إلا إذا أصبح مكتوبا، وكان أولى في نظري أن يستعمل أركون ما يوسع من مجال اشتغال الجابري حول الثقافة العالمة، واستحضار التراث الشعبي المحكي، وربما كانت الغواية الأنثربولوجية حاضرة هناك)).



