تقرير | لمن تذهب مليارات المحروقات في زمن التحرير ؟
صندوق المقاصة ووهم "غياب العدالة الاجتماعية"

لسنوات طويلة ردّدت الخطابات الرسمية لازمة واحدة: “صندوق المقاصة غير عادل لأنه يدعم غازوال سيارات الأغنياء الفارهة بأموال الفقراء”، وتحت هذا الشعار الجذاب، رُفعت المظلة وهُدِم جدار الدعم التقليدي، وتزامن ذلك مع رفع الحكومة لشعار براق آخر هو “بناء الدولة الاجتماعية”، لكن اليوم، يقف المواطن البسيط متسائلا: إذا كانت الدولة قد تحولت فعلا إلى “دولة اجتماعية”، وإذا كان الصندوق القديم يخدم الأغنياء، فلماذا أصبحت جيوب الفقراء والطبقة المتوسطة هي المستنزف الأول والوحيد في المنظومة الحالية؟ وكيف تحول شعار العدالة إلى آلية لتعميق الفوارق ؟

مغالطة “المستهلك الأخير” وثقب “الدولة الاجتماعية“
تكمن أولى الثغرات النظرية لشعار “العدالة الاجتماعية”، في تصنيف الوقود كـ”مادة كمالية” يستهلكها أصحاب السيارات الفارهة فقط، والحقيقة الاقتصادية تؤكد أن الغازوال هو شريان الحياة لكل القطاعات الإنتاجية: عندما يرتفع سعره.. يرتفع سعر النقل ومعه يرتفع ثمن كيلوغرام الطماطم، وتكلفة نقل الدقيق ومواد البناء.. فالغني لن يتأثر بزيادة درهمين في لتر الوقود، لكن الفقير والطبقة المتوسطة يدفعون ذلك الفارق مجتمعا ومضاعفا في قفتهم اليومية.
هنا يتجلى الوهم الأول في شعار “الدولة الاجتماعية” التي بشرت بها الحكومة؛ فالدولة الاجتماعية في فلسفتها السياسية تقوم على توفير مظلة حماية شاملة تمنع تدحرج الطبقات الهشة نحو الفقر، بينما أدى التخلي عن دعم المحروقات الشامل إلى تعرية هذه الطبقات أمام موجات تضخم عاتية، حوّلت مبالغ “الدعم المباشر” الهزيلة التي تمنحها الحكومة لمهنيي النقل إلى مجرد مبالغ رمزية تلتهمها محطات الوقود وفواتير المعيشة اليومية قبل أن تصل إلى بيوت المستهدفين.
قرار بن كيران.. سذاجة النوايا أمام جشع “تماسيح” السوق
لا يمكن قراءة الواقع المأزوم اليوم دون العودة إلى اللحظة المفصلية التي هندسها رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بن كيران، الذي بادر بجرأة سياسية غير محسوبة العواقب، إلى إلغاء دعم المحروقات وتحرير أسعارها؛ فقد سقط بن كيران حينها في فخ “السذاجة السياسية والاقتصادية” مصدقا الوهم النظري بأن قوى السوق الحر والتنافسية الشريفة، كفيلة بضبط الأسعار تلقائيا وتخفيضها لصالح المستهلك بمجرد خروج الدولة من اللعبة.
لقد غابت عن رئيس الحكومة الأسبق حقيقة بنيوية قاتمة في المشهد الاستثماري المغربي، وهي أن إلقاء مادة حيوية كالوقود في سوق يفتقر للتنافسية الحقيقية، ويتحكم فيه قلة من الفاعلين، هو بمثابة تقديم جيوب المواطنين على طبق من ذهب لشركات التوزيع الكبرى. لقد اعتقد بن كيران واهما أنه يحمي ميزانية الدولة ليوجهها نحو الفقراء، لكنه في الواقع فتح الباب على مصراعيه لشرعنة أرباح فلكية غير مسبوقة على حساب التوازنات الاجتماعية، تاركا إرثا كبّل الحكومات المتعاقبة، وجعل من التحرير سيفا مسلطا على رقاب المغاربة.
“ثقب الدعم الموجه”.. المهني مجرد وسيط
تعتمد المنظومة الحالية على منح دعم مالي مباشر لمهنيي النقل (أصحاب الطاكسيات والشاحنات والحافلات..)، غير أن هذا الدعم في الواقع لا يستقر في جيب السائق ليحسن مستواه المعيشي، بل يمر كـ”ترانزيت” سريع.. ليعود ويصب بالكامل في محطات الوقود التابعة لشركات التوزيع الكبرى، والنتيجة في المحصلة هي أن الدولة تمول استمرار الاستهلاك لكي لا تتوقف عجلات الشركات الكبرى، بينما يظل المواطن والمهني يعانيان في الحلقة المفرغة ذاتها، مما يكشف أن آليات “الاستهداف الموجه” التي تتبجح بها الحكومة كركيزة للدولة الاجتماعية، ليست سوى غطاء لإعفاء الميزانية العامة من التزاماتها ونقل العبء إلى قنوات السوق الحر غير المنضبطة.
الأرقام لا تكذب.. من يمتص المليارات ؟
عند إخضاع المنظومة للغة الأرقام الرسمية الصادرة عن مجلس المنافسة وعن وزارة النقل واللوجستيك، تتضح معالم الاختلال الإحصائي بين حجم التخفيف الاجتماعي وحجم الأرباح الاستثمارية:
1) الدعم والمصاريف: ضخت الدولة ما يقارب 1.9 مليار درهم كدعم استثنائي للمهنيين خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، من أجل إنقاذ سلاسل التوزيع من الشلل.
2) أرباح قطاع التوزيع: في المقابل، تشير تقارير مجلس المنافسة إلى أن الشركات التسع الكبرى للمحروقات، حققت أرباحا صافية ناهزت 2.16 مليار درهم في سنة واحدة، فيما قفزت توزيعات الأرباح الموجهة إلى المساهمين لتبلغ 3.71 ملايير درهم، مدعومة بهامش تجاري خام استقر في حدود 1.48 درهم لكل لتر من الغازوال.
3) الشراكة الجبائية: تظهر المؤشرات المالية أن المحروقات تعد موردا ضريبيا سياديا للخزينة العامة، حيث تضخ الرسوم والضريبة على القيمة المضافة ما يفوق 7.83 ملايير درهم في الفصل الواحد، ما يعني أن ارتفاع الأسعار يسهم موضوعيا في خفض عجز الميزانية العامة وتوفير السيولة الضريبية للدولة.
هذا الوضع يحول عملية “الدعم المباشر” إلى مجرد مناورة محاسباتية، حيث تستخلص الدولة المليارات من جيوب المواطنين عبر الضرائب المباشرة وغير المباشرة عند مضخات الوقود لتمويل ميزانيتها، ثم تعيد توزيع “فتات” هذه المداخيل كدعم موجه للمهنيين، لتستقر هذه الأموال في النهاية بجيوب شركات التوزيع، تاركة المستهلك النهائي يتحمل وحده العبء الأكبر للتضخم وغلاء الأسعار.
اعترافات “هوس الحملة الانتخابية” ومفارقة الـ 280 مليار درهم
لم يعد هذا التشخيص مقتصرا على مقاربات الهيئات المستقلة، بل تعزز بتصريحات رسمية صادرة عن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الذي كشف خلال الحملة الانتخابية، أن الدولة رصدت غلافا ماليا ضخما ناهز 280 مليار درهم خلال الولاية الأخيرة لدعم القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين المداخيل، بيد أن الإشكال الرئيسي الذي أثاره هذا التصريح، يكمن في الإقرار الرسمي بأن هذا الحجم الهائل من الإنفاق العام مرّ “دون أثر ملموس أو فائدة حقيقية” تظهر على جبهة الأسعار المحلية أو قفة المستهلك.
هذا التقييم الصادر من داخل الإدارة المالية للدولة، يثبت أن الخلل ليس في شح الموارد المخصصة، بل في قنوات التصريف وآليات ضبط السوق، حيث تلتهم قنوات الاحتكار والمضاربة المفرطة مخرجات الدعم المالي، مما دفع منظمات وهيئات حقوقية (مثل ترانسبرانسي المغرب) إلى إثارة تساؤلات قانونية وحقوقية حول مصير الحكامة المالية لبرامج الدعم، وضرورة فتح تحقيق شامل لتحديد مكامن الهدر المالي.
المحصلة.. السم في العسل
في المحصلة، يتضح أن شعار “تحقيق العدالة الاجتماعية” وإرساء أسس “الدولة الاجتماعية” لم يكن سوى واجهة تسويقية وصناعة لغوية بامتياز لقرار مالي محض يهدف إلى حماية ميزانية الدولة ونقل العبء إلى المستهلك، وإذا كانت أموال الدعم في الصيغتين (صندوق المقاصة والتحرير) تؤول في النهاية إلى جيوب الشركات الكبرى ورجال الأعمال، فإن الفارق الوحيد هو أن الصندوق القديم كان يترك للمواطن البسيط صمام أمان مالي يحمي قُوتَه اليومي، بينما تتركه صيغة التحرير في جلباب “الدولة الاجتماعية” وحيدا بلا حماية في مواجهة قسوة العيش تحت لافتة “السوق الحرة والمنافسة” وجشع “عفاريتها وتماسيحها”.
السؤال الحارق الموجه للحكومة القادمة
إذا كانت الأرقام الرسمية تؤكد نجاح منظومة “التحرير والدعم الموجه” في تقليص عجز الميزانية وحماية التوازنات المالية للدولة، وضخ المليارات في الخزينة العامة وجيوب شركات المحروقات، فكيف ستفسر الحكومة القادمة للمواطن البسيط فشل هذه المنظومة ذاتها في حماية توازناته المعيشية اليومية؟ بأي وجه سياسي ستستمر في رفع شعار “الدولة الاجتماعية” بينما أصبحت شبكات الأمان المالي العمومي مجرد قنوات التفافية لمسار العبور المالي، تُستخلص من جيوب دافعي الضرائب لتستقر في النهاية في حسابات الشركات الاستثمارية الكبرى تاركة قفة المواطن عارية تماما أمام جشع المضاربات وعواصف “السوق الحرة” الغير منضبطة لمبادئ التنافسية الشريفة؟ وكيف يمكنها إقناع الفاعل الاقتصادي والمواطن البسيط بنجاعة نموذج “الدولة الاجتماعية” في وقت يقر فيه مهندسو الميزانية بصرف 280 مليار درهم دون أثر حمائي حقيقي ؟
وكل قرار وأنتم على بينة..



