تحقيقات أسبوعية

متابعات | ملفات شائكة تنتظر حكومة المنصوري

عقب تشكيلة الأغلبية، تدخل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، مرحلة جديدة تتمثل في الشروع في ترتيب الملفات الساخنة والمتراكمة التي عجزت حكومة أخنوش عن تسويتها ومعالجتها، حيث ستكون هذه الحكومة أمام تحدي ومهمة صعبة من أجل البحث عن حلول للمشاكل والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية وفي العديد من المجالات؛ فأبرز هذه الملفات تتعلق بمحاربة الفساد و”الفراقشية”، وإلغاء المؤشر الاجتماعي، وتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، ومكافحة الفساد وناهبي المال العام، ثم رفع سن التوظيف في التعليم والوظيفة العمومية، وإصلاح صندوق المقاصة وتسقيف المحروقات، وتحفيض الأسعار.. كل هذه القضايا ستكون على طاولة الحكومة في مواجهة معارضة قوية يقودها الإسلاميون واليساريون.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

عبرت الأغلبية الحكومية الجديدة – من خلال أول بلاغ لها – عن رغبتها في تحقيق انتظارات المواطنين وتنزيل الالتزامات والوعود الانتخابية، ورد الاعتبار للسياسة بعد عزوف الناس عن المشاركة في الانتخابات، إذ سجلت 38 في المائة، لكن يبقى السؤال: هل تملك حكومة المنصوري الإرادة السياسية والاستقلالية في تنزيل المطالب الاجتماعية التي طالب بها شباب “جيل زد” وسكان المناطق النائية والطبقة العمالية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى المريني
مصطفى المريني

في هذا السياق، يرى مصطفى المريني، أستاذ العلوم السياسية، أن الملفات الساخنة الملقاة على طاولة الحكومة الجديدة، لا تشكل مجرد مشاريع قوانين عادية، بل هي عبارة عن أوراش كبرى ومصيرية تختبر صلابة الأغلبية الحكومية وقدرتها على التدبير الاستراتيجي والتدخل الاستباقي، معتبرا أن ​التعامل مع هذه الملفات لا يحتمل لغة التسرع أو الارتجال، بل يقتضي إرادة سياسية قوية وحوارا اجتماعيا ومؤسساتيا حقيقيا، لأنها تلامس الأمن القانوني للمواطنين وتستدعي التوازن الدقيق بين الحقوق، المهنية منها والمجتمعية، كما لا يمكن فصل هذه الملفات عن سياقها الاقتصادي والاجتماعي الأوسع، المرتبط بانتظارات المواطنين الملحة في مجالات الشغل، خاصة تدبير القدرة الشرائية، وتنزيل أوراش الحماية الاجتماعية الكبرى، حيث تتداخل التحديات لتشكل امتحان ثقة حقيقيا بين المواطن والمؤسسات.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأوضح نفس المتحدث أن ملف تعديل قانون المحاماة يبرز كواحد من أكثر الملفات المهنية والمؤسساتية حساسية، نظرا لما يثيره من نقاشات وتطلعات داخل أسرة العدالة، وهو ما يستوجب اعتماد مقاربة تشاركية مسؤولة تُعيد النظر في الإشكالات القائمة، وتحفظ حقوق المهنيين، وتواكب التحولات التي تعرفها المنظومة القانونية، وإلى جانب ذلك، يوجد قانون مدونة الأسرة الذي يمثل محور النقاش المجتمعي والحقوقي اليوم، وهو ورش يتطلب إرادة إصلاحية واضحة توازن بين ثوابت المجتمع المغربي، واستقرار الأسرة، وحماية حقوق الأفراد.

رشيد لزرق
رشيد لزرق

بدوره، يؤكد المحلل السياسي رشيد لزرق، أن الحكومة الجديدة أمام تحديات كثيرة ترتبط بالملفات الإصلاحية الكبرى، التي تتطلب قرارات سياسية صعبة وتوافقات اجتماعية واسعة، وفي مقدمتها إصلاح أنظمة التقاعد، ومأسسة الحوار الاجتماعي، ومواجهة الإجهاد المائي، وتسريع التنمية الترابية، إلى جانب حسن تدبير الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالاستعداد لكأس العالم 2030 وضمان انعكاساتها التنموية، وتزداد أهمية هذه التحديات في ظل ضرورة المحافظة على التوازنات المالية وتعزيز الحكامة والنجاعة في تدبير الموارد العمومية.

وحسب المتحدث ذاته، فإن الاختبار الحقيقي لحكومة المنصوري يكمن في مدى قدرتها على الجمع بين الجرأة في اتخاذ القرارات والمرونة في تدبير التوافقات، وتفادي تحويل الإصلاحات إلى بؤر للتوتر والاحتقان؛ فنجاح العمل الحكومي لا يقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها أو بسرعة تنفيذ البرامج، وإنما أيضا بجودة الإعداد والتشاور، والقدرة على استباق الأزمات وتدبير أثار القرارات، مشيرا إلى أن الرهان الأساسي للمرحلة المقبلة يتمثل في قدرة الحكومة على الجمع بين الجرأة الإصلاحية والفعالية التنفيذية والحفاظ على التوازنات الاجتماعية، وتحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة تعزز الثقة في العمل الحكومي والمؤسسات الديمقراطية.

ملف قانون المحاماة

من أبرز الملفات والقضايا القانونية التي تنتظر الحكومة الجديدة في الأيام القادمة، مشروع قانون المحاماة رقم 66.23 الذي تمت المصادقة عليه من قبل مجلس النواب السابق، لكن الإضراب والرفض الذي عبرت عنه هيئات المحامين لهذا القانون، الذي يضع المهنة تحت وصاية وزارة العدل والسلطة التنفيذية رغم أن الدستور يمنحها الاستقلالية، إلى جانب إسقاط التعديلات التي تم التوافق عليها مع رئيس الحكومة السابق، والتي لم يتم إدراجها في مواد القانون؛ فرغم قرار جمعية هيئات المحامين بتعليق الإضراب والعودة لاستئناف العمل، في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن هذا الملف يعتبر من أقوى الملفات المطلوب من حكومة المنصوري معالجتها في أول أيامها وفتح حوار مع هيئات المحامين التي يتزعمها نقباء ينتمون للأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية.

مشروع مدونة الأسرة

ملف مدونة الأسرة من الملفات المعقدة والساخنة التي تنتظر الحكومة في ظل الصراع الدائر بين المحافظين والحداثيين، ورغم التعديلات التي أقرها المجلس الأعلى العلمي ومراجعة بعض المواد المرتبطة بالنصوص الدينية، إلا أن الحكومة ستكون أمام إشكالية كبيرة لتحقيق الإجماع والتوافق حول المدونة على مستوى الأغلبية الحكومية والبرلمان، وأيضا مع الرأي العام، لا سيما وأن المدونة تعتبر من القوانين المثيرة للجدل والتي تخلق انقساما داخل المجتمع.

وكانت اللجنة المكلفة بمراجعة المدونة قد أنهت عملها وقدمت تقريرها النهائي للملك، ومن المنتظر أن يكون مشروع مدونة الأسرة ضمن النصوص القانونية الوازنة التي ستنكب عليها الحكومة الجديدة، في أفق اعتماد مدونة متطورة تراعي المتغيرات الحاصلة في مجال الأسرة والمرأة وتعالج النواقص التي برزت في مدونة 2004.

القانون الجنائي

من أبرز الملفات الحارقة أيضا التي تنتظر حكومة المنصوري، مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي، والذي يتضمن العديد من المقتضيات المتعلقة بحرية التعبير والرأي والصحافة، ومكافحة الفساد والإثراء غير المشروع، والجرائم المالية، والاختلاس والرشوة، والجرائم الإلكترونية، وتهريب المهاجرين، والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب..

ويحمل مشروع القانون الجنائي العديد من المقتضيات الجديدة المثيرة للجدل، من بينها “قانون الكمامة” المتعلق بضبط مواقع التواصل الاجتماعي وتقنين الفضاء الرقمي والمنصات والحياة الخاصة، والذي سبق أن أثار ضجة في عهد وزير العدل الاتحادي محمد بنعبد القادر، والذي رفضه حزب الأصالة والمعاصرة آنذاك، لكونه يقيد حرية التعبير والرأي، إلى جانب وجود العديد من المقتضيات داخل هذا القانون المثير للجدل، منها رفع الطابع الجرمي عن العلاقات الرضائية، ومتابعة الصحافة بالقانون الجنائي، والإثراء غير المشروع.

محاربة الفساد والإثراء غير المشروع

من بين التحديات التي تنتظر حكومة المنصوري خلال ولايتها، تطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد المجمدة في عهد حكومة أخنوش، والتي لم تخرج إلى حيز الوجود لإشراك مختلف المؤسسات والمتدخلين في تفعيل المراقبة وتتبع المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تنزيل بعض القوانين، منها قانون الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وذلك بهدف الحد من الاغتناء الفاحش على حساب المال العام.

وقد ظلت الاستراتيجية الوطنية معطلة بسبب تجميد نشاط اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد من قبل رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش، ليبقى السؤال: هل تملك المنصوري الإرادة السياسية للتصدي للفساد وإعادة نشاط اللجنة الوطنية التي لم تعقد أي اجتماع في الحكومة السابقة، لا سيما وأن العديد من التقارير تشير إلى أن الفساد يتسبب في خسائر اقتصادية واجتماعية وتنموية جسيمة للمغرب تتراوح بين 3 و6 في المائة من الناتج الداخلي الخام وتصل كلفته إلى 50 مليار درهم سنويا.

البطالة وتشغيل الشباب

تنتظر الحكومة المقبلة مجموعة من الملفات المرتبطة بالشباب، في مقدمتها التشغيل ومحاربة البطالة، ودعم المبادرات والمشاريع، إلى جانب خلق مبادرات شبابية وتعزيز مشاركة هذه الفئة في سوق الشغل والمقاولات، حيث يعتبر ملف التشغيل من أهم الملفات التي تنتظر الحكومة بعد تسجيل 92 ألف منصب فقط في عهد حكومة أخنوش وخسارة أكثر من 200 ألف منصب سنويا بحسب عدة تقارير، وارتفاع البطالة في صفوف الشباب بـ 13 في المائة، حسب بنك المغرب.

ويعتبر التشغيل من أهم انتظارات العاطلين الذين ينتظرون من الحكومة الجديدة مراجعة مسألة تسقيف الأعمار في مباريات التعليم والصحة والعدل والمالية والوظيفة العمومية، بعدما حرمت الحكومة السابقة والوزارات آلاف الشباب من التوظيف بسبب تحديد سن المباريات، فهل ستقوم الحكومة برفع سن التوظيف والوفاء بوعودها بخلق مليون منصب شغل خلال الخمس سنوات المقبلة، وتخفيض معدل البطالة ؟

إصلاح أنظمة التقاعد

كما ينتظر الحكومة الجديدة ملف إصلاح منظومة التقاعد، وهو إصلاح جوهري لا يحتمل المزيد من التأخير، وتأجل الحسم في إصلاح أنظمة التقاعد إلى ما بعد الانتخابات وسط تحديات مالية كبيرة تعيشها الصناديق، التي تواجه صعوبات مالية وضغوط مستدامة وعجزا هيكليا محتملا في الاحتياطات، ما يفرض تدخلا عاجلا من طرف الحكومة قصد معالجة الملف بشكل ناجع ومستدام، وتتضمن المقترحات الرفع من سن التقاعد تدريجيا، ورفع نسب الاشتراكات، وتوسيع قاعدة المنخرطين لتشمل القطاع غير المهيكل، حيث تصدم هذه المقترحات برفض النقابات التي تطالب بتحسين المعاشات والتقاعد والظروف الاجتماعية.

إصلاح قطاع الصحة

من بين الملفات المثيرة للجدل كذلك، الحماية الاجتماعية والمؤشر الاجتماعي وتوسيع وتعميم التغطية الصحية على فئات واسعة من المواطنين الذين حرموا من التسجيل والتقييد في سجل “أمو-تضامن” مثل المسنين وذوي الإعاقة والطلبة والشباب العاطلين، الذين تم إقصاءهم من التغطية الصحية، حيث تشير التقارير إلى وجود 8.5 ملايين من المواطنين خارج الحماية الصحية، لعدم تسجيلهم في منظومة التأمين “أمو” (تقريبا 5 ملايين)، بينما 3.5 ملايين آخرين غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية.

فمنذ إقرار الحماية الاجتماعية وفرض التغطية الصحية، أصبح الولوج إلى العلاج في المستشفيات العمومية أمرا صعبا على المواطنين، خاصة وأن جميع المستشفيات أصبحت تفرض الأداء مقابل العلاج، ما يحرم فئة واسعة من المغاربة من الحق في التطبيب والعلاج المجاني، ومن بين الإشكاليات التي يعرفها القطاع، نظام التعويض عن مصاريف العلاج، حيث لا زالت التعريفة المرجعية المطبقة تعود إلى سنة 2006، بينما ارتفعت تكاليف الاستشارات الطبية والتحاليل والأدوية والعلاجات، مما يتطلب مراجعتها وتحسين نسب التعويض وتسريع الملفات وضبط أسعار الخدمات الطبية، وقبل ذلك تأهيل وتجهيز المستشفيات العمومية.

القدرة الشرائية وتسقيف المحروقات

من بين القضايا الآنية التي ينتظر المواطنون تفاعل الحكومة الجديدة معها، قضية دعم القدرة الشرائية وتخفيض الأسعار، خاصة بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية والخضر واللحوم، التي فاقت القدرة المادية للأسر المغربية، بسبب ارتفاع الأسعار بشكل قياسي في الأسواق ولدى المحلات بسبب الاحتكار وكثرة الوسطاء والمضاربين وارتفاع تكلفة النقل.

ومن بين المطالب الأساسية لفئة عريضة من المغاربة، إصلاح قطاع المحروقات، الذي يعرف زيادات متتالية تثقل كاهل المواطنين وتزيد من ارتفاع أثمنة البضائع والخضر والمواد الأساسية، والزيادة في تسعيرة النقل والسفر، ما يضع مسؤولية هذا الملف على عاتق الحكومة، المطالبة بالنظر في مسألة تسقيف المحروقات، والذي يبقى مطلبا شعبيا من جميع المغاربة المتضررين من احتكار القطاع وغياب المنافسة الشريفة فيه.

العدالة المجالية والاجتماعية

 ستكون الحكومة ملزمة بتحقيق العدالة المجالية بمختلف الجهات والأقاليم، وتنزيل الجهوية المتقدمة وتوصيات النموذج التنموي، ومواجهة التحديات التي تواجه تنفيذ العدالة المجالية والتنمية الترابية، مثل بطء نقل الصلاحيات، ضعف التنسيق بين الجهات، التفاوت في توزيع الموارد، وتعزيز القدرات المحلية، وتوفير الخدمات الضرورية، من صحة وتعليم وماء ومواصلات لساكنة المناطق النائية والجبلية، لا سيما وأن غياب الخدمات تسبب في احتجاجات في بعض الأقاليم وخروج سكانها في مسيرات للمطالبة بتوفير الماء والطرق والتطبيب والعلاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى