المنبر الحر

المنبر الحر | هل تكون العدالة الاجتماعية عنوان المرحلة ؟

فاطمة الزهراء المنصوري في امتحان الوطن

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

  لم يعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة مجرد حدث سياسي عابر، بل أصبح محطة جديدة في المسار المؤسساتي للمغرب، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المملكة، ولذلك فإن التهنئة بهذا التكليف الكبير لا ينبغي أن تحجب حقيقة أساسية: المناصب العليا تشريف، لكنها قبل ذلك تكليف ومسؤولية أمام الوطن والمواطن.

ومن هذا المنطلق، فإن المغاربة يتطلعون إلى المرحلة المقبلة بكثير من الاهتمام، لا بحثا عن تغيير الأشخاص فقط، وإنما انتظارا لسياسات تترجم الوعود إلى نتائج، وتعيد للمواطن الإحساس بأن صوته الانتخابي يمكن أن يتحول إلى تحسين ملموس في حياته اليومية، فالمواطن يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر إنصافا، وشغلا يحفظ كرامته، وإدارة قريبة منه، وقدرة شرائية تتناسب مع دخله.

تتمة المقال تحت الإعلان

الثوابت الوطنية.. أساس كل إصلاح

تتمة المقال تحت الإعلان

إن أول ما ينتظر من الحكومة الجديدة هو الحفاظ على ثوابت المملكة وصيانة وحدتها الوطنية والترابية وهويتها الحضارية والدينية؛ فالمغرب ليس مجرد مجال جغرافي أو نظام سياسي، وإنما هو تاريخ متراكم وذاكرة مشتركة ومؤسسات وثوابت تشكلت عبر قرون.

تتمة المقال تحت الإعلان

والإسلام، باعتباره دين الدولة وأحد المكونات الأساسية للهوية المغربية، يظل حاضرا في وجدان المغاربة، مع ما عرف به المغرب من اعتدال وانفتاح وتعايش واحترام للتنوع، ومن ثم، فإن الانفتاح على العصر لا يعني التفريط في الثوابت، كما أن الاعتزاز بالهوية لا ينبغي أن يتحول إلى انغلاق عن العالم.

فالمطلوب هو معادلة متوازنة: مغرب متمسك بثوابته، ومنفتح على المستقبل، معتز بهويته، وقادر على مواكبة التحولات، قوي بمؤسساته، وقريب من مواطنيه.

العدالة الاجتماعية.. الاختبار الحقيقي

غير أن الاختبار الأكبر للحكومة الجديدة سيظل، في تقديري، اجتماعيا بالدرجة الأولى؛ فالمواطن العادي لا يعيش السياسة في مكاتب المؤسسات، وإنما يلمسها في سعر المواد الأساسية، وفي فاتورة الماء والكهرباء، وفي كلفة العلاج، وفي أجور أبنائه، وفي فرص العمل، وفي مستوى المدرسة والمستشفى والإدارة.. هنا تبرز ضرورة إعطاء العدالة الاجتماعية مكانة مركزية في السياسات الحكومية، لأن التنمية لا تكتمل بالأرقام والمشاريع الكبرى وحدها، وإنما تكتمل عندما يشعر المواطن بأن ثمارها تصل إليه، وأن الفوارق الاجتماعية والمجالية تتراجع، وأن كرامته محفوظة في المدينة كما في القرية.

ويستحق الشباب والمتقاعدون عناية خاصة؛ فالشباب هو مستقبل المغرب، ولا يمكن أن يُطلب منه أن يكون شريكا في التنمية دون أن توفر له الدولة فرصا حقيقية للتعليم والتكوين والعمل والاستقرار، أما المتقاعدون، الذين أمضوا عقودا من حياتهم في خدمة الوطن، فإن الإنصاف يقتضي أن تكون أوضاعهم الاجتماعية والصحية والمعيشية حاضرة بقوة في السياسات العمومية، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف الحياة.

حكومة جديدة.. وأغلبية مطالبة بالانسجام

أفرزت الانتخابات التشريعية مشهدا حزبيا يجعل تشكيل الحكومة قائما على الائتلاف والتعاون بين عدد من المكونات السياسية؛ فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ 97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ 65 مقعدا، وفي مثل هذه الوضعية، لا تكفي الأغلبية العددية وحدها، بل تحتاج الحكومة إلى انسجام سياسي وبرنامج واضح وتنسيق فعلي بين مكوناتها، كما تحتاج البلاد، في المقابل، إلى معارضة قوية ومسؤولة تراقب أداء الحكومة وتنتقد ما يستحق النقد، وتقترح البدائل عندما تكون هناك حاجة إليها، لأن الديمقراطية لا تقوم بحكومة قوية فقط، وإنما كذلك بمعارضة قوية، وفي الحالتين يكون المستفيد الأول هو الوطن.

ومن هنا، فإن مشاركة حزب الاستقلال أو غيره من الأحزاب في الأغلبية، ينبغي أن تُقاس بمدى قدرتها على الإسهام في تنفيذ برنامج حكومي يخدم المواطنين، لا بمجرد الحسابات المرتبطة بالمناصب والمواقع.

المغرب أمام مرحلة تحتاج إلى أكثر من الشعارات

والمغرب مقبل على استحقاقات كبرى، اقتصادية وتنموية ورياضية وسياحية، ويحتاج إلى تعبئة كل طاقاته ومؤسساته وموارده البشرية، وتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب الأوراش الوطنية الكبرى، يمثل فرصة لإبراز صورة المغرب، لكنه في الوقت نفسه يفرض مواصلة الاستثمار في التعليم والصحة والنقل والسياحة والشغل والبنيات التحتية.. ولهذا، فإن الحكومة الجديدة مطالبة بأن تجعل من هذه الأوراش وسيلة لتحسين حياة المغاربة، لا غاية منفصلة عن حاجاتهم اليومية؛ فالمواطن الذي يشاهد المشاريع الكبرى يريد في الوقت نفسه أن يجد طبيبا في المستشفى، ومدرسا في المدرسة، وفرصة عمل لابنه، وظروفا تحفظ كرامة والديه المتقاعدين.

الحكم في النهاية للمواطن..

إن فاطمة الزهراء المنصوري تدخل رئاسة الحكومة في لحظة تاريخية، لكن التاريخ لا يصنعه المنصب وحده، وإنما تصنعه النتائج التي تتركها المسؤولية في حياة الناس، وستظل قيمة المرحلة الجديدة مرتبطة بقدرة الحكومة على الجمع بين الحفاظ على الثوابت ومواكبة العصر، وبين تحقيق التنمية وتعزيز العدالة الاجتماعية.

لقد قال المغاربة كلمتهم في صناديق الاقتراع، وجاء الآن دور الحكومة لكي تقول كلمتها بالفعل والعمل؛ فالمواطن لا يريد كثيرا من الوعود بقدر ما يريد النتائج، ولا يبحث عن كثرة الشعارات بقدر ما يبحث عن الكرامة، ولا ينتظر المستحيل بقدر ما ينتظر العدل والإنصاف والفرص المتكافئة.

وفي النهاية، ستبقى الحكومات متعاقبة، وستبقى المناصب عابرة، أما الوطن فباقٍ؛ ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن تختتم به هذه المرحلة، هو أن يصبح شعارها واضحا وبسيطا: الثوابت تحمي هوية الوطن، والعدالة الاجتماعية تحمي تماسك المجتمع، وخدمة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى