المنبر الحر

المنبر الحر | الاتحاد الاشتراكي.. حين تصبح الحكومة شرطا لاستمرار حزب

هاجر أوموسى
بقلم : هاجر أوموسى

  القاعدة تقول إن الحزب الذي يمتلك هوية سياسية واضحة ومشروعا مجتمعيا فعليا، لا يعيد تعريف نفسه وموقعه عند كل استحقاق انتخابي، ولا يجعل من موازين القوى الظرفية بوصلة وحيدة ودائمة لاختياراته وتحالفاته، وبناء عليه، يطرح اليوم سؤال مهم بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو أين يجب أن تنتهي حدود التكتيك، وأين تبدأ ثوابت المشروع الاتحادي؟ فالتحالفات في السياسة قد تكون خاضعة للاستراتيجية أو للتكتيك، وهذا أمر طبيعي، لكن التكتيك بالنسبة لحزب له تاريخ وهوية ومرجعية، لا يمكن أن يتحول إلى معيار وحيد لتحديد الخيارات السياسية وترتيب الأولويات والتناقضات، بل يفترض فيه أن يبقى مجرد أداة لتدبير ظرفية مرحلية، ولكن داخل استراتيجية واضحة وثابتة.

إن المفروض والمأمول في حزب الاتحاد الاشتراكي، بما يحمله من تاريخ ومرجعية ومشروع سياسي، أن يكون ممتلكا لرؤية مسبقة تحدد المجال السياسي الذي يجب أن يتحرك من داخله، والقوى التي يمكن أن يلتقي معها، والحدود السياسية التي لا ينبغي له تجاوزها، بغض النظر عن نتائج كل انتخابات وعن تقلب موازين القوى بعدها، لأن التكتيك الحقيقي هو أن تعرف كيف تتعامل مع المتغيرات، ولكن من دون أن تفقد ثوابتك، وكيف تدبر موازين القوى من دون أن تعيد تعريف هويتك كل خمس سنوات وعند كل محطة انتخابية تشريعية.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا الإطار، لعل الوقوف عند تجربة حزب العدالة والتنمية خلال الولاية السابقة أمر مطلوب، ليس باعتبارها نموذجا يجب استنساخه، ولا اتفاقا مع مرجعية هذا الحزب السياسية، ولكن باعتبارها تجربة تكشف أهمية وضوح الموقع السياسي في مغرب اليوم؛ فقد خرج هذا الحزب من انتخابات 2021 بهزيمة انتخابية قاسية، حيث تحصل على 13 مقعدا فقط، وانتقل من قيادة الحكومة بأكبر فريق نيابي إلى مجموعة نيابية محدودة داخل المعارضة، وبالرغم من ذلك، فإنه لم يعتبر وجوده خارج الحكومة نهاية لمشروعه السياسي، بل استثمر موقع المعارضة في إعادة بناء هذا الحضور، ليعود بعد ذلك في انتخابات 23 شتنبر 2026 بـ 54 مقعدا، والأهم من ذلك، فإن ارتفاع تمثيلته البرلمانية لم تدفعه بعد الانتخابات إلى البحث عن أي صيغة تضمن له مقاعد وزارية، بل على العكس، لقد حسم الحزب موقفه واختار التموقع في المعارضة.

تتمة المقال تحت الإعلان

الأكيد أننا نختلف جذريا مع حزب العدالة والتنمية في مرجعيته ومواقفه، لكن هذه التجربة تطرح علينا كاتحاديين سؤالا مشروعا، هل الحزب يحتاج إلى الحكومة لكي يستمر، أم يحتاج أولا إلى مشروع سياسي يجعل المجتمع يعرف لماذا يجب عليه أن يستمر ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

على هذا المستوى، يبرز الإشكال الذي ينبغي أن نناقشه داخل الاتحاد الاشتراكي، حيث حصل في التشريعيات الأخيرة على 26 مقعدا، متراجعا عن 34 مقعدا في انتخابات 2021، والمفارقة التي تطرح نفسها هنا، هي أن القيادة كانت قبل يوم الاقتراع تتحدث عن طموح تصدر الانتخابات وقيادة الحكومة، لنجد أنفسنا اليوم أمام نتيجة تفرض وقفة سياسية وتنظيمية فعلية قبل أي حديث ممكن عن المواقع والتحالفات، والسؤال الذي يمكن طرحه اليوم على أنفسنا، ليس هل يمكن للاتحاد أن يدخل الحكومة؟ بل لماذا أصبح الدخول إلى الحكومة يحتل كل هذه المساحة في تصورنا لمستقبل الحزب؟ لأنه وببساطة، حينما يصبح الوجود في الأغلبية هدفا، وحينما يتحول البحث عن موقع داخل الحكومة إلى أفق دائم مهما كانت طبيعة الخريطة الانتخابية، يصبح من المشروع التساؤل هل نحن أمام حزب حامل لمشروع ويريد الوصول إلى السلطة لتنفيذ مشروعه، أم أننا أمام حزب يخشى أن يفقد حضوره إن بقي بعيدا عن السلطة؟ وهذا، في تقديري، أخطر الأسئلة التي تفرض المرحلة على الاتحاد الاشتراكي إيجاد جواب عنها.

الأكيد، أن سؤال الاستمرارية لا تجيب عنه حقائب وزارية، ولا مقاعد داخل أغلبية حكومية، بل الجواب يكمن في مستويات الثقة السياسية والاجتماعية التي يحظى بها الحزب؛ فالحزب الفعلي لا يحتاج لأن يكون جزء من كل حكومة حتى يثبت أنه موجود وقوي، بل يستطيع أن يكون قويا في الحكومة عندما تسمح الشروط الموضوعية بذلك، وقويا في المعارضة عندما تفرض هويته ومواقفه ذلك، أما أن يتحول الحزب تدريجيا إلى قوة ترميمية محتملة لكل أغلبية، مهما كانت طبيعة هذه الأغلبية، فذلك لا يعني غير أن التكتيك عند هذا الحزب قد تحول  من أداة لخدمة مشروعه إلى بديل عن هذا المشروع نفسه.

على هذا الأساس، يصبح نقاش تحالفات الاتحاد الاشتراكي متجاوزا لسؤال مع من يجب أن نتحالف؟ ومرتبطا بسؤال معنى وجود الحزب نفسه، فمن نحن في مغرب اليوم؟ ومن نمثل في المغرب؟ وأين موقعنا الطبيعي داخل الخريطة السياسية؟ وبالتالي، من هم حلفاؤنا الطبيعيون، وخصومنا الطبيعيون؟ وما الحدود التي لا يمكن أن نتجاوزها مهما كانت إغراءات المشاركة الحكومية ؟

فالاتحاد الاشتراكي اليوم لا يحتاج إلى تحالف ينقذه من نتائج الانتخابات، بل إلى مراجعة سياسية وتنظيمية تعيد إليه وضوح هويته واستقلالية قراره، وقدرته على إقناع المغاربة بأنه ما يزال يحمل بديلا مجتمعيا حقيقيا، لأن الحزب الذي يربط استمراريته بالمشاركة في الحكومة، قد يحصل على موقع داخل هذه الحكومة، لكنه سيخاطر بأن يفقد موقعه داخل المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى