تحقيقات أسبوعية

للنقاش | كيف ساهمت التنمية الاقتصادية في تراجع الدول الناطقة بالإسبانية عن الاعتراف بالبوليساريو..

شهد الأسبوع الأخير من شهر شتنبر زخما كبيرا في الأمم المتحدة بمناسبة انعقاد الدورة 81 للجمعية العامة، خاصة ما يتعلق بقضية الصحراء، وكان أبرز ما حملته، اعتراف الشيلي يوم 21 شتنبر 2026 بسيادة المغرب على الصحراء واعتبار الحكم الذاتي حلا سياسيا عادلا ودائما ومقبولا لوضع حل للنزاع، ولم تكتف العاصمة سانتياغو بالموقف السياسي، بل أعلنت توجهها نحو تعزيز فرص التعاون الاقتصادي والتجاري داخل المنطقة، وهو ما يعكس تحول دول أمريكا اللاتينية من تقليص حضور البوليساريو لديها إلى ربط دعم الموقف المغربي بمصالح وشراكات في عدة مجالات..

بقلم: جميلة حلبي

قبل التفصيل في كيفية وعدد دول أمريكا اللاتينية التي سحبت اعترافها بجبهة البوليساريو وبالمقابل قدمت اعترافها بمغربية الصحراء، لا بد من التطرق لعنصر هام، كان قد ساهم بشكل كبير في التقرب وتبني تلك الدول لأطروحة البوليساريو والاعتراف بها كـ”دولة”، ويتعلق الأمر باللغة الإسبانية على اعتبار أن معظم دول أمريكا اللاتينية كانت مستعمرات إسبانية..

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد لعبت اللغة دورا محوريا كجسر دبلوماسي وثقافي أسهم بشكل كبير في اعتراف العديد من دول أمريكا اللاتينية بجبهة البوليساريو، وذلك من خلال ما يمكن أن نسميه “الميراث الاستعماري المشترك”، إذ تعتبر غالبية دول أمريكا اللاتينية مستعمرات إسبانية سابقة، وبما أن الصحراء المغربية كانت هي أيضا مستعمرة إسبانية، فقد وظفت جبهة البوليساريو هذا التاريخ الاستعماري المشترك واستغلت إتقان مسؤوليها وعناصرها للغة الإسبانية لتقديم “قضيتها” في أمريكا اللاتينية كـ”حركة تحرر” متبقية من إرث الاستعمار الإسباني، مما خلق تعاطفا معها من لدن شعوب وحكومات المنطقة، التي تتقاسم نفس العقدة التاريخية تجاه الاستعمار الإسباني، ولذلك ساهم غياب العائق اللغوي بشكل كبير في التواصل المباشر، وهو ما مكن البوليساريو من اختراق الساحة اللاتينية، لأن قياداتها والمتحدثين باسمها كانوا يخاطبون المسؤولين ومجتمعات أمريكا اللاتينية بلغتهم الأم، الإسبانية، مقارنة بالدبلوماسية المغربية التي كانت تركز في البداية على اللغتين العربية والفرنسية، مما تسبب في فجوة تواصلية استغلتها البوليساريو لسنوات طويلة، وهو أيضا ما جعلهم ينجحون في نقل سرديتهم السياسية بكفاءة، وطبعا بمساعدة داعميهم عبر العالم وخصوصا دول إفريقية في فترة من الفترات، ثم هناك عامل آخر كان له دور كبير في كسب تعاطف دول أمريكا اللاتينية مع الجبهة، إذ ساهمت اللغة بشكل كبير في تغلغل البوليساريو في الأوساط اليسارية والمنظمات الإقليمية، وهذا العامل استغلته الجبهة بشكل جيد للاندماج في الفضاءات السياسية اللاتينية انطلاقا من النضال الاجتماعي للحركات المناهضة للإمبريالية، حيث مكنتهم اللغة الإسبانية من المشاركة والتعريف بقضيتهم في منتديات إقليمية لاتينية، أبرزها “المؤتمر الدائم للأحزاب السياسية في أمريكا اللاتينية والكاريبي”، و”منتدى ساو باولو”، الذي يجمع كل الأحزاب اليسارية في القارة، وقد ساهمت اللغة المشتركة في صياغة بيانات تضامنية ترجمت فيما بعد إلى اعترافات دبلوماسية رسمية عند وصول الأحزاب اليسارية إلى الحكم في دول مثل بنما، وهي أول دولة لاتينية اعترفت بالجبهة سنة 1978، وفنزويلا، وكوبا، ونيكاراغوا، وغيرها..

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالمقابل.. سلك المغرب منذ تأسيس الجبهة الانفصالية سنة 1973، وبعد تحرير الصحراء عن طريق المسيرة الخضراء سنة 1975، (سلك) طريق الدبلوماسية لتسوية القضية، وكان أول اتفاق أبرم بالخصوص، هو “اتفاقية مدريد” بتاريخ 14 نونبر 1975، لتنهي الوجود الإسباني في الصحراء المغربية، غير أن امتدادات الاستعمار الإسباني بقيت شوكة في ظهر المغرب، من خلال دعم ومساندة جبهة البوليساريو على تأسيس ما يسمونه الجمهورية الصحراوية والمطالبة بالانفصال، وبعد ذلك المطالبة بتقرير المصير.. وعلى مدى نصف قرن من الزمان، بقيت المملكة صامدة في وجه كل المناورات الأجنبية التي كانت تدعم الجبهة في مختلف المنتديات وتم منحها كرسيا رسميا في منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 (الاتحاد الإفريقي حاليا)، وهذا ليس موضوعنا الآن، وقد تمكنت المملكة من إقناع المجتمع الدولي بأن حل القضية لن يكون إلا عن طريق الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، والذي طرحه المغرب سنة 2007 كحل أساسي، جاد، واقعي، وموثوق للتوصل إلى حل سياسي نهائي لهذا النزاع المفتعل، وذلك بعد مسار طويل ومعقد من المفاوضات، والموائد المستديرة تحت رعاية الأمم المتحدة، رغم المكائد والعراقيل التي يتم وضعها في مسعى لإفشال مخطط المغرب ضم كل أجزاء ترابه، قبل التحول الكبير الذي عرفه مسار القضية سنة 2020، بعد اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، مما ساهم في إعطاء القضية بعدا آخر، جعل نظرة العالم تتغير تجاه ملف الصحراء، وخاصة بلدان أمريكا اللاتينية، حيث توالت الاعترافات بسيادة المغرب على صحرائه مقابل سحب الاعتراف بالبوليساريو، وهو ما أسهم بشكل كبير في اندحار الجبهة وتوالي سقوط القناع عن أطروحة مزيفة عمرت لفترة طويلة بفعل البروباغندا التي تسلكها الدول الداعمة للانفصال.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولذلك يجب النظر إلى الدور الكبير الذي لعبه المغرب في مسار القضية؛ فبفضل دبلوماسية الملك محمد السادس، وبفضل اللغة الاقتصادية، تمكنت المملكة من كسب المزيد من التأييدات لصالح القضية، حيث عملت الدبلوماسية المغربية على تعزيز حضورها في أمريكا اللاتينية باللغة الإسبانية، وفتح قنوات تواصل مباشرة وتوقيع اتفاقيات شراكة مع برلمانات ودول أمريكا اللاتينية، وهي تعتبر الآن شراكات استراتيجية تقوم على الدبلوماسية البرلمانية الفعالة ودعم الوحدة الترابية للمملكة، وفي هذا الصدد، يعتبر البرلمان المغربي أول برلمان عربي وإفريقي وإسلامي يحصل على صفة عضو ملاحظ لدى برلمان أمريكا اللاتينية والكارايبي (البارلاتينو) سنة 1996، وتم تفعيل هذه العضوية عمليا سنة 2018 بإنشاء شعبة برلمانية وطنية، وهو ما مكن المغرب من حضور وازن في التكتلات الإقليمية، فلم تقتصر الدبلوماسية البرلمانية المغربية على العلاقات الثنائية مع دول المنطقة، كالأرجنتين، البرازيل، الشيلي، المكسيك وكولومبيا.. بل أصبحت فاعلا رئيسيا في التكتلات التشريعية الكبرى، مثل برلمان منطقة الأنديز، وبرلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية، ثم برلمان أمريكا الوسطى، كما أسس التنسيق المشترك عن طريق مجلسي المستشارين والنواب لمنصات حوار متقدمة مثل المنتدى البرلماني الاقتصادي “المغرب-أمريكا اللاتينية”، و”منتدى الحوار البرلماني جنوب-جنوب”، وهو ما ساهم في بلورة مواقف داعمة للوحدة الترابية، ودفع بالعديد من الدول، في فترات معينة، إلى سحب أو تجميد اعترافها بالبوليساريو، وقد وصل عدد دول أمريكا اللاتينية التي تعترف الآن بمغربية الصحراء وسحبت اعترافها بالجمهورية المزعومة، بعد اعتراف الشيلي يوم 21 شتنبر 2026، أكثر من 15 دولة لاتينية ومن منطقة الكارايبي (بنما، البيرو، الإكوادور، بوليفيا، كولومبيا، الباراغواي، كوستاريكا، الهندوراس، غواتيمالا، نيكارغوا، السلفادور، الدومينيكان، غرينادا، أنتيغوا وباربودا، سانت غيتس ونيفيس، سانت لوسيا، ودومينيكا..)، وبالمقابل، تشيد هذه الدول بالسياسة التي يتبعها المغرب، ومنها من ترغب في فتح قنصلية لها في مدن الصحراء، ومنها من أقامت شراكات اقتصادية وتجارية مع المملكة.

وقد كان الأسبوع الأخير من شتنبر المنصرم – كما سبق ذكره – حافلا وإيجابيا في ما يتعلق بالقضية الوطنية، وذلك بفعل الزخم الذي عرفته اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية ناصر بوريطة في نيويورك، على هامش الدورة 81 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، وعلى سبيل التذكير، فقد أعلنت بوليفيا عن استعدادها لفتح مكتب تجاري بمدينة الداخلة، كما أعلنت سانت لوسيا عن تجديد “دعمها للوحدة الترابية للمغرب وسيادته على كامل أراضيه، بما في ذلك منطقة الصحراء”.

‏وهكذا نلاحظ كيف تغير المصالح قواعد اللعبة في أمريكا اللاتينية؛ فالمغرب لم يعد يعتمد على الخطاب الدبلوماسي وحده، وإنما على شراكات تشمل التجارة والأمن الغذائي والموانئ والانفتاح على الأسواق الإفريقية، ولم يقتصر تحركه في المنطقة على طلب مراجعة الاعتراف بالبوليساريو، بل عمل على نقل العلاقة من ملف سياسي محض إلى رزنامة من المصالح الاقتصادية والتجارية بالأساس، ويظهر ذلك بوضوح في بلاغ كولومبيا، الذي لم يفصل الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه عن إطلاق تعاون جديد في المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمار والسياحة والأمن الغذائي وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والربط الأطلسي، أما في الشيلي، فقد تزامن دعم السيادة والحكم الذاتي مع توقيع الشروط المرجعية لبدء مفاوضات اتفاق للتجارة الحرة، والإعلان عن تشجيع فرص الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية داخل الصحراء، كما اقترن دعم الباراغواي للموقف المغربي بخارطة طريق للتعاون بين البلدين 2025-2028، تشمل النقل الجوي والأمن والطاقات المتجددة والسياحة واللوجستيك والزراعة، إلى جانب التزامها بالمساهمة في تقوية العلاقة بين المغرب وكتلة “ميركوسور”، أما غواتيمالا، فقد قدمت قنصليتها في الداخلة باعتبارها أداة لتعزيز تجارتها مع إفريقيا ونقطة لخدمة مواطنيها في القارة، وربطت وجودها القنصلي بالتعاون مع المغرب في الزراعة والأسمدة وبرامج تنقل العمال، ولا يثبت ذلك أن الفوسفاط أو التعاون الزراعي قد غيرا موقفها السياسي منفردين، لكنه يبين أن دعم الحل المغربي أصبح جزء من علاقة تحقق للدولة المقابلة مصالح ملموسة، وبذبك يكون المغرب قد ضرب البوليساريو في معقلها التاريخي، إذ تكشف هذه التحولات في مواقف الدول، أن التغيير لم يتم بناؤه على تغير الحكومات فقط، بل بناء على دبلوماسية تجمع الموقف من الصحراء بفرص التنمية التي توفرها التجارة والتعاون والانفتاح على القارة الإفريقية انطلاقا من المغرب، وهو ما سمحت به المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2022..

ومن أجل ذلك، جاءت مداخلة وزير الخارجية ناصر بوريطة، في الأمم المتحدة يوم 22 شتنبر، صارمة وحازمة وتحمل رؤية لحل ملف الصحراء بشكل لا رجعة فيه، فكلمة الوزير حملت ست “لاءات” تضع حدا لأي تأويل للملف، حيث قال الوزير:

((1) لا حل خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؛

2): لا مقاربة أو آلية أخرى خارج مسار التفاوض السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة وعلى أساس وحيد، هو مبادرة الحكم الذاتي؛

3) لا نقاش ولا جدال ممكن حول مسؤولية وواجبات الأطراف الأربعة التي حددها بوضوح قرار مجلس الأمن 2797؛

4) لا إبقاء على الوضع القائم، الذي تفضله الأطراف الأخرى، فقطار الحل السياسي قد انطلق بالفعل؛

5) لا مصداقية لمحاورين ينتهكون وقف إطلاق النار، ويرفضون احترام قرارات مجلس الأمن؛

6) لا تسامح مع استمرار احتجاز سكان المخيمات كرهائن منذ نصف قرن، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني)).

وبذلك يكون المغرب قد رسم مسارا واضحا لمغرب ما بعد تاريخ 31 أكتوبر 2025، بعد إصدار القرار الأممي رقم 2797 كإطار تشتغل الأطراف المعنية بناء عليه لتحديد مسار الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، إطار سياسي تتبناه الأمم المتحدة، وخارطة طريق تعتمد على التنمية التجارية والاقتصادية، وهو ما ساهم في تنامي اعترافات الدول بمغربية الصحراء، مقابل سحب الاعتراف بجبهة البوليساريو، خاصة من أكبر معاقلها التاريخية، أمريكا اللاتينية، التي وجدت في المغرب مسارا تجاريا جديدا يمكنها من رفع وتنمية مستواها الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى