تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | الحسن الثاني وتجربة الانشقاقات داخل الأحزاب الكبرى

بين الحركة الشعبية والاستقلال

عرف تاريخ المغرب تجارب كثيرة حول أحزاب كانت تتنازعها تيارات داخلية قادت الحكومة وبسبب صراع تياراتها فشلت في مهمتها، ويمكن القول أن تاريخ الأحزاب المغربية يخبرنا بأنه حدث في كثير من الحالات وجود تيارات داخل الحزب الواحد، أدت في نهاية المطاف إلى انشقاقه أو إضعافه.. وهذا ما يحاول هذا الملف استعراضه.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

تجربة حزب الاستقلال انتهت بالانشقاق

تتمة المقال تحت الإعلان

إن أول تجربة في المغرب حول حزب كانت فيه تيارات وتوجهات متنافرة، هي تجربة حزب الاستقلال، ومن المهم استعراض تجربة هذا الحزب العريق، الذي كان يعتبر أقوى حزب في المغرب بعد حصول المملكة على الاستقلال، غير أنه كان يضم تيارات متصارعة فكريا وإيديولوجيا: تيار يمثله علال الفاسي وأحمد بلافريج، وآخر يقوده المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم؛ فرغم مشاركة الحزب في الحكومة الأولى، إلا أنه كان يرغب في حكومة يقودها بمفرده ويكون رئيس الحكومة من الحزب، وهو ما تأتى له في سنة 1958، عندما منحه الملك محمد الخامس ما أراد وكلف أحمد بلافريج بتشكيل الحكومة. ومن هنا بدأت مشاكل الحزب تطفو أكثر، خاصة في علاقته بالقصر، عندما عبر تيار داخله عن رغبته في أن يتولى الحزب وزارتي الداخلية والدفاع، فيما رأى تيار آخر أن هذه الرغبة قد تدخله في صدام مع القصر، فانتصر تيار بلافريج الذي نادى بألا يطالب بوزارتي الداخلية والدفاع، ومن تم تأسست حكومة ماي 1958، ورغم الصراع بين تياري الحزب، فقد شارك فيها عبد الرحيم بوعبيد كوزير للاقتصاد.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أنه ومع انطلاق أحداث الريف في أكتوبر من السنة نفسها، دخل الحزب من جديد في صراع بين تياريه؛ فقد أعاد تيار بنبركة وبوعبيد المطالبة بمراقبة الحزب لوزارة الداخلية والدفاع، وهنا تحول الصراع من صراع بين تياري الحزب إلى صراع بين الحزب والقصر، وفي خضم هذا المستجد، بدأ تيارا الحزب يهاجمان بعضهما عبر وسائل الإعلام، كل تيار يحاول أن يحمل الآخر مسؤولية فشل الحكومة، وفي نهاية المطاف، تم حل حكومة أحمد بلافريج التي كانت تهادن القصر، وعين الملك محمد الخامس عبد الله إبراهيم، ممثل التيار الذي كان يسعى إلى الضغط على القصر ومطالبته بمنح الحكومة مزيدا من السلطات. تولت حكومة عبد الله إبراهيم مهامها ودخل تيارا الحزب في صراع علني، إذ أصبح كل واحد يهاجم الآخر، حتى انتهى الأمر بانشقاق الحزب في بداية سنة 1959.

الحركة الشعبية أول حزب إداري تم تسييره بقيادة ثلاثية انتهى بالانشقاق

غير أنه من خلال استحضار تاريخ الأحزاب السياسية بالمغرب منذ الاستقلال إلى الآن، لم نجد حزبا نشبه مساره بحزب الأصالة والمعاصرة سوى حزب الحركة الشعبية، نظرا لوجود أوجه تشابه عدة بينهما، من بينها أن الأول يعد أول حزب إداري أسس في عهد الملك محمد السادس، أما الثاني فهو أول حزب إداري في تاريخ المغرب، وأول حزب أنشئ في عهد الملك الراحل محمد الخامس، كما أن السبب وراء تأسيس الحزبين واحد، وهو مواجهة محاولة الهيمنة على الحياة السياسية، حيث تأسس حزب الحركة الشعبية من أجل الوقوف في طريق حزب الاستقلال، الذي كان يعتبر أقوى حزب سياسي في المغرب بعد الاستقلال، وفي نفس السياق تأسس حزب الأصالة والمعاصرة من أجل التصدي لحزب العدالة والتنمية الذي كان يستعد للهيمنة على الحياة السياسية المغربية، والتي تمت فعلا بعدما قضى عقدا كاملا من الزمن على رأس الحكومة.

وكما هو معلوم، فإن حزب الحركة الشعبية تأسس في بداية الأمر سنة 1957، غير أنه لم يتم الاعتراف به كحزب سياسي رسميا إلا في سنة 1958، ثم مارس معارضة قوية ضد حزب الاستقلال خلال الفترة المتراوحة ما بين 1958 إلى سنة 1961، ومن تم بدأت رحلة الحزب مع التواجد باستمرار في الحكومة كأول حزب إداري تأسس في تاريخ المغرب منذ الاستقلال، وعلى غراره ذهب حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تحول من المعارضة إلى الحكومة.

غير أن أهم نقطة مشتركة بين الحزبين، هي أن حزب الحركة الشعبية كان في بداية أمر تأسيسه يقوده ثلاثة رؤوس وهم بنعبد الله الوكوتي وعبد الكريم الخطيب والمحجوبي أحرضان، رغم أن أحرضان كان الأمين العام للحزب والدكتور الخطيب كان يشغل منصب رئيس المجلس الوطني للحزب، إلا أن ذلك لم يمنع من كون هؤلاء كانوا أقوياء داخل الحزب وجرت تحتهم مياه كثيرة، حيث دخلوا أكثر من مرة في سجالات وصراعات كبيرة أدت في نهاية المطاف إلى انشقاق الحزب.

لقد أثر وجود ثلاثة رؤوس على مسار الحزب؛ فبعدما شارك في حكومة 1961 التي ترأسها الملك الحسن الثاني في يوليوز من نفس السنة، وحصل على حقيبتين وزاريتين، هما وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإفريقية، التي أسندت للدكتور الخطيب، ووزارة الدفاع التي ترأسها المحجوبي أحرضان، دخل زعماء الحزب في صراع خلال سنة 1963، خلال نقاش تأسيس “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (الفديك)، التي كانت بإيعاز من الملك الحسن الثاني، والتي كانت ستضم الحركة الشعبية والحزب الدستوري الديمقراطي والأحرار المستقلين، حيث عارض المحجوبي أحرضان دخول حزبه في الجبهة، لأنه كان ينفر من التحالف مع مجموعات أخرى لكونه كان مبتدئا في السياسة، حيث كان يتضايق من سياسيي المدن البارعين في الجدال، وعلى رأسهم أحمد رضى اجديرة، كما أنه كان يشك في أن الخطيب يسعى إلى عقد صفقة سرية على حساب الحزب مع رضى اجديرة، وتأكدت بعض شكوكه عندما وقع الخطيب مع اجديرة صفقة التحالف خلال وجود أحرضان في زيارة رسمية مع الملك الحسن الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفته وزيرا للدفاع، في حين عبر بنعبد الله الوكوتي عن معارضته المطلقة للتحالف مع باقي الأحزاب ضمن “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية”، مما جعل بعض قادة الحركة الشعبية يفكرون في طرده منه بصفة نهائية.

لم تتوقف خلافات قادة الحزب عند هذه النقطة، بل زادت حدتها خلال نفس السنة، عندما بدأت عملية اختيار المرشحين للانتخابات التشريعية لسنة 1963، وفي فترة الانتخابات نفسها، علما أن الحزب ترشح ضمن تحالف “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” وتعمقت الخلافات بعد انهزام أحرضان في دائرة خنيفرة، بينما فاز الخطيب في دائرة أكنول، وبنعبد الله الوكوتي في دائرة أحفير، وفي المجمل، حصل الحزب على 40 مقعدا برلمانيا، وأصبح عضوا في الحكومة، عندما أصبح أحرضان وزيرا، ورغم ذلك استمر برلمانيو الحزب في انتقاد وزراء الحكومة داخل البرلمان، كما أنهم صوتوا لملتمس الرقابة ضد السياسة الاقتصادية للحكومة، والذي تقدم به حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقد جعل هذا الأمر  القصر يعجل بتعديل وزاري، فاقترح الحزب بعض الأسماء للاستوزار من ضمنهم الوكوتي والشرادي وبوخرطة، غير أن أحرضان استغل وجود الخطيب في الخارج وعوض الأسماء المقترحة بعبد السلام بن عيسى وحدو الشيكر، وعينهما ضمن الحكومة، ما جعل الخطيب والوكوتي يشعران بالخيانة، فكان ذلك إيذانا بهجوم جديد من برلمانيي الحزب على الحكومة، خاصة وأن الوكوتي كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس البرلمان، والخطيب رئيس مجلس البرلمان، وعمل برلمانيو الحزب على التصويت ضد قرارات الحكومة، بإيعاز من الخطيب والوكوتي، كما بدأ أنصار الوكوتي والخطيب يرمون أحرضان بأقدح النعوت، ورد عليهم أنصار أحرضان بتأسيس جريدة جديدة باسم “الحركة” وكانت أسبوعية، لمعارضة جريدة “المغرب العربي” التي كانت بين أيدي الخطيب.

وبعد إعلان حالة الاستثناء، استدعى الملك الحسن الثاني أحرضان والخطيب للمشاركة في الحكومة، غير أن الخطيب رفض بينما أعلن أحرضان قبول المشاركة، ما جعل الخطيب والوكوتي يحتجان على هذا القرار في اجتماع للجنة المركزية للحزب، مما جعل أحرضان يطرد الوكوتي من الحركة الشعبية بينما احتفظ بالخطيب حفاظا على سمعة الحزب، ورغم ذلك، انتقد الخطيب سلوك أحرضان بعنف على أعمدة جريدة “المغرب العربي”، ومن تم دخل الخطيب وأحرضان في خصام طويل دام سنتين، حيث طالب الخطيب بضرورة انعقاد المؤتمر الوطني، بينما ظل فريق أحرضان يعارض ضرورة انعقاده، وشاع أن الخطيب ينوي تأسيس حزب جديد، فيما استغل أحرضان سفر الخطيب إلى المملكة العربية السعودية ليقوم بطلب عقد مؤتمر للحزب أزيح خلاله الخطيب من الكتابة العامة للحركة الشعبية، الأمر الذي جعل هذا الأخير يعلن عن تأسيس حزب الحركة الشعبية الديمقراطية، وهذا المكون السياسي ظل جامدا ودون نشاط يذكر إلى أن اندمج فيه عبد الإله بن كيران وجماعته، وأصبح يسمى حزب العدالة والتنمية.

كما يجب استحضار عنصر مهم، وهو أن سياسة الحسن الثاني تجاه الأحزاب كانت قائمة على إضعافها، ولو كانت موالية له، عن طريق تشجيع الانقسامات داخلها، وقد أشار لذلك عالم السياسة الكبير جون واتربوري ضمن كتابه: “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية”، والحال يختلف كثيرا اليوم في عهد محمد السادس، حيث أن الملكية تدعو بقوة إلى تقوية الأحزاب السياسية وضرورة عودتها إلى مكانتها الطبيعية، وهي تأطير المواطنين والقيام بدور الوساطة بين السلطة والمجتمع.. والسؤال المطروح: فكيف سيدبر حزب الأصالة والمعاصرة هذه الحكومة التي يرأسها؟ وهل ستظهر صراعات بين تياراته، أم أنه سيتخذ مسارا آخر قائم على الحفاظ على وحدة الحزب ومسار الحكومة ؟

سترينا الأيام ما سيحدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى