تحليل إخباري | ثورة الملك محمد السادس على التقاليد المخزنية في تعيين أول رئيسة حكومة
أقوى طريقة لتنزيل دستور 2011

اضطر حاملو مشروع حزب الأصالة والمعاصرة إلى انتظار ما يزيد عن 18 سنة لتحقيق حلم الوصول إلى قيادة الحكومة، ورغم أن أغلب مؤسسي “حركة لكل الديمقراطيين” كانوا رجالا، إلا أن نقطة الهدف سجلت لصالح فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها منسقة القيادة الجماعية لحزب خرج عن التقاليد في اختيار الأمين العام الأوحد(..)، وسيظل يوم الثلاثاء 29 شتنبر راسخا في تاريخ المغرب، باعتباره اليوم الذي أسس فيه الملك محمد السادس لثورة على التقاليد المخزنية العريقة، الموروثة طيلة مسيرة العلويين في الحكم، حيث لم يكن بالإمكان تصور أي امرأة تصل إلى منصب من هذا الحجم، سواء في زمن السلطان محمد الخامس أو الملك الحسن الثاني، أو في الزمن الذي سبقهما، وقد كان على المغاربة انتظار سنة 1997 ليروا امرأة في مجرد منصب كاتب دولة مع حكومة عبد اللطيف الفيلالي، ويتعلق الأمر بالراحلة زليخة نصري، ومعها عزيزة بناني ونوال المتوكل وأمينة بنخضرا.. أما منصب وزارة كاملة، فلم تصل إليه المرأة المغربية إلا في عهد الوزير الأول عباس الفاسي سنة 2007..
إعداد: سعيد الريحاني
زمن الملك محمد السادس بالتأكيد ليس هو زمن الحسن الثاني، حيث لم يكن بالإمكان تصور منح قيادة الحكومة لشخصية نسائية، أكثر من ذلك، لم يكن بالإمكان تصور دستور مثل دستور 2011 كدستور مرجعي للحياة السياسية المغربية، وأصلا لـ”المنهجية الديمقراطية”، التي بدأت مع حكومة الراحل عبد الرحمان اليوسفي وانتهت معه بتعيين وزير أول تكنوقراطي في بداية عهد الملك محمد السادس، الذي يقف اليوم شخصيا على دفع المنهجية الديمقراطية إلى أوجها(..)، وقد لا تسمح الظروف القادمة بالتراجع عن هذه المنهجية مرة أخرى بفعل المتغيرات العالمية الكثيرة، حيث لم يعد بالإمكان الحكم بمعزل عما يجري في العالم (..).
هي ثورة على التقاليد، وانفتاح جديد للمؤسسة الملكية على تجريب وصفات جديدة في الحكومة، وقد كان بإمكان الملك تجنب تعيين امرأة كرئيسة حكومة طالما أن الدستور لا يفرض شيئا من هذا القبيل(..)، ومرجع ذلك في النص 47 من الدستور الذي يقول: ((يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها)).
وقد كان من البديهي، طالما أن الأمر يتعلق بامرأة، أن تتوسع عدة جهات في تخيل رئيس الحكومة المقبل بعيدا عن فاطمة الزهراء المنصوري، رغم أنها منسقة القيادة الجماعية، بل إن التيار المتشدد أشهر ورقة الحديث القائل ((لَنْ يفْلحَ قَوْم وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً)).. وكان ذلك عنوانا لنقاش كبير بين مؤيد ومعارض(..)، ولكن الأهم هو النقاش الدستوري، حيث لم يحتج البعض إلى الحديث لمحاولة تمطيط تفسير الفصل 47 ليجد كل المبررات لمنح رئاسة الحكومة لأي رجل مقابل إبعاد هذه المرأة، وحدهم عقلاء القانون الدستوري قالوا إن تفسير الفصل 47 لا ينبغي أن يتجاوز حدود الواقع.
وقد قال أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط: ((إن مقتضيات الدستور المغربي بشأن تعيين رئيس الحكومة واضحة ولا تحتاج إلى ما وصفه بـ”فصل موازي” لتوسيع هامش التأويل، معتبرا أن الفصل 47 يظل النص الخاص والحصري المنظم لهذه العملية، واعتبر أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري أن الفصل 47 من دستور 2011 لا يدع مجالا للشك، إذ ينص في فقرته الأولى على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.. ويرى بوز أن هذه المقتضيات تشكل “قاعدة قانونية آمرة ومباشرة”، وأنها تمثل الإطار الدستوري لما يعرف بـ”المنهجية الديمقراطية” باعتبارها تربط تشكيل السلطة التنفيذية بنتائج الاقتراع وإرادة الناخبين، وأضاف أن قواعد التفسير القانوني تقر بأن “النص الخاص يقدم على النص العام”، معتبرا أن الفصل 47 يمثل النص الخاص المنظم للحظة تكليف رئيس الحكومة وتشكيلها، وبالتالي، فإن استحضار مقتضيات دستورية عامة لتوسيع مجال التأويل في هذه المرحلة، لا يستقيم، من وجهة نظره، مع بنية الوثيقة الدستورية.. كما أقر بوز بوجود سلطة تقديرية للملك في اختيار الشخصية التي يعينها رئيسا للحكومة من داخل الحزب المتصدر، سواء كان أمينه العام أو أحد قيادييه، معتبرا أن هذا الاختيار يظل محصورا في دائرة الحزب الذي تصدر الانتخابات، غير أنه يرى أن تعيين الأمين العام للحزب المتصدر يظل، من الناحية السياسية والدستورية، “التطبيق الأكثر انسجاما” مع المنهجية الديمقراطية، خصوصا بالنظر إلى المسار الذي ترسخ منذ دستور 2011.. واستحضر في هذا الصدد تجربة انتخابات 2007، حين تم تعيين الأمين العام لحزب الاستقلال، بعد الجدل الذي أعقب تعيين إدريس جطو سنة 2002 على رأس الحكومة رغم تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نتائج الانتخابات آنذاك، وخلص بوز إلى أن احترام الدستور، باعتباره وحدة متكاملة، يقتضي الحفاظ على وضوح “قواعد اللعبة” والنأي عن التأويلات التي قد تفرغ الاستحقاقات الانتخابية من مضمونها الديمقراطي)) (المصدر: مقال الباحث أحمد بوز/ إعداد موقع العمق).

هكذا إذن، رسخ الملك محمد السادس ثورة حقيقية؛ أولا من خلال اختيار امرأة لرئاسة الحكومة، وثانيا من خلال حرصه على احترام المنهجية الديمقراطية، الموءودة في عهد عبد الرحمان اليوسفي، وهو ما أدى بعدها إلى إجهاض تجربة حكومة التناوب حتى إشعار آخر (..).
إن إصرار الملك محمد السادس على فرض المنهجية الديمقراطية بطريقة تقدمية تفوق بعض الأحزاب السياسية(..)، هو في الحقيقة طي لصفحة قديمة موروثة من أيام الوزير الأول الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الذي غادر الوزارة مرفوع الرأس أمام الجميع، ولا زال صدى كلماته يتردد بين العقلاء للعبرة..
وسواء شئنا أم أبينا، فإن الأفضل في وجود حزب مثل حزب الأصالة والمعاصرة، يرجع فيه الفضل إلى مؤسس “حركة لكل الديمقراطيين” فؤاد عالي الهمة، وقد كانت تحمل خصالا حداثية مع الحفاظ على الأصالة(..)، لكن ما يضع “البام” في دائرة الشك، إلى أن يثبت العكس، على أرض الواقع، هو انصراف جل مؤسسيه عنه، بمن فيهم الهمة، الذي قال إن المشروع انحرف عن مساره قبل أن يرحل، فهل يكون تعيين المنصوري، باعتبارها عضوا سابقا في “حركة لكل الديمقراطيين” مقدمة لتصحيح المسار وتأكيده، والعودة إلى تبني أفكار “جلالة الملك”، بدل الاستمرار في معركة الهجوم على إمارة المؤمنين (..).
فـ((عندما كانت هناك “حركة لكل الديمقراطيين”، كانت الأمور واضحة، وكان الناطقون الرسميون، سواء تعلق الأمر بالبشير الزناكي، الذي لم يعد يظهر له أثر، أو الناطق الرسمي سابقا باسم الحزب صلاح الوديع، الذي استقال من مهامه، كان يقال بأن الحزب والحركة ينهلان من “تقرير الخمسينية” الذي كان يتوخى رسم البدائل لمغرب 2025، وتوصيات هيئة “الإنصاف والمصالحة”.. غير أن الحزب اليوم لا يكاد يستعمل هذه المصطلحات، ليطرح السؤال عما إذا كانت “حركة لكل الديمقراطيين” قد تخلت عن مشروعها، أم أن الحزب سرقه منها (..)؟
ولا بد من التذكير أيضا بأن زعيم “حركة لكل الديمقراطيين”، وهو فؤاد عالي الهمة، لم يكن يخجل يوما من الحديث عن مشروع “جلالة الملك”، حيث كان يقول أن “المواطن المغربي صوت لفائدة أحزاب اشتغلت إلى جانب جلالة الملك في مشروع مغربي واضح المعالم..”. إلى هنا يطرح سؤال: ما هو مشروع جلالة الملك الذي جعل الهمة يخرج من وزارة الداخلية ليغامر بنفسه في بحر السياسة(..)؟ والجواب على لسان هذا الأخير: “المغرب دخل الآن في حلقة مفتوحة على محاربة الأمية، ومحاربة الفقر، وعلى العمل.. هذا هو مشروع الملك محمد السادس، هذا هو مشروع مغرب اليوم، أظن أن الرجوع إلى الأصل أصل، واليوم أقول لجميع الطاقات في جميع المناطق المغربية وخارج المغرب، إنه حان الوقت لخدمة وطننا.. أتمنى أن أساهم في فريق آخر، في زاوية أخرى لخدمة وطني وملكي)) (تصريح فؤاد عالي الهمة في برنامج “ضيف خاص” على القناة الثانية، يوم الإثنين 10 شتنبر 2007) (المصدر: أرشيف الأسبوع/ ركن “تحليل اخباري” من إعداد سعيد الريحاني).
إذن، الحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة هو حديث ذو شجون.. ولا يمكن فصله عن اللبنة الأولى لهذا المشروع الذي ارتبط ذات يوم بنداء “حركة لكل الديمقراطيين”، وهي الحركة التي لم يظهر منها اليوم في المشاورات سوى رئيسها السابق أحمد اخشيشن وفاطمة الزهراء المنصوري عن فرع مراكش(..)، بالإضافة إلى الشاب المهدي بنسعيد، مع وجود غريب لعبد اللطيف وهبي (..).
للعبرة، فقد حمل نداء “حركة لكل الديمقراطيين” توقيع كل من أحمد اخشيشن، وزير التربية الوطنية والتعليم العالي، وعزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، والشاعر صلاح الوديع الأسفي، المعتقل اليساري السابق عضو الهيئة العليا للمسموع والمرئي، ومصطفى الباكوري الرئيس، المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير، والحبيب بلكوش، مدير مركز حقوق الإنسان في المغرب التابع للأمم المتحدة، وفؤاد عالي الهمة، نائب في البرلمان والوزير المنتدب السابق في الداخلية، وحسن بن عدي، نقابي ونائب سابق وصحافي، ورشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب التنفيذي لحزب التجمع الوطني للأحرار ووزير الشؤون العامة للحكومة السابق، ومحمد الشيخ بيد الله، وزير الصحة السابق (مستقل)، وخديجة الرويسي، ناشطة حقوقية يسارية، وحكيم بنشماس، أستاذ جامعي وناشط أمازيغي.
وقال النداء: ((تأسيسا على خلاصات مشاوراتهم، وإيمانا منهم بالضرورة القصوى لتحسين وتقوية ما راكمه المغرب من مكتسبات وإنجازات في مجال الديمقراطية والتحديث، وشعورا منهم بتراجع مساهمة النخب الوطنية بمختلف مشاربها ومواقعها إزاء مهمات تأطير المواطنين وتعبئتهم وإشراكهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم، واستشعارا منهم بالتحديات التي تواجهها بلادنا ولجسامة المسؤوليات الملقاة على عاتق الجميع، مجتمعا ودولة، خلص المشاركون في هذا النقاش الصريح إلى تأكيد عزمهم على الانخراط بإرادة ومسؤولية، في مسعى وطني يدعو إلى العمل من أجل وعي ديمقراطي متجدد، تحذوهم في ذلك القناعة الجازمة بضرورة تجاوز واقع السلبية واللامبالاة، وتعزيز الالتزام بالقضايا الكبرى للوطن والمواطنين، مستشعرين بالقوة نفسها ضرورة مبادرة وطنية مفتوحة تعبئ كل الديمقراطيين مهما اختلفت انتماءاتهم ومشاربهم السياسية، هدفها العمل من أجل “حركة لكل الديمقراطيين” تؤمن بالثوابت الوطنية المغربية مرجعا، وتنتصر للقيم الديمقراطية منهجا، وتعتز بمقومات الهوية الوطنية في أصالتها وتنوعها، وتعدد روافدها واعتدالها عقيدة، وتسعى إلى الحداثة أفقا، وتعتمد خطاب الواقعية مسلكا وسياسة القرب من المواطنين أسلوبا)) (المصدر: القدس العربي/ 20 يناير 2008).




