المنبر الحر

المنبر الحر | التعليم الأولي في المدرسة العمومية.. الواقع والتطلعات

بقلم : عثمان محمود

سنوات قليلة مضت عندما وجدت عبارة التعليم الأولي لها مكانا وسط اللوحات الممثلة للوزارة الوصية، والتي تعلو بوابات المديريات الإقليمية في ربوع المغرب، في التفاتة، وإن كانت متأخرة إلى أهمية هذه المرحلة الأساسية في حياة التلميذ الدراسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد ولجت أجيال عديدة من التلاميذ الفصول التعليمية مباشرة بدون ذلك التعليم الأولي؛ فكانت المعاناة مزدوجة: إذ كان الطفل يجد صعوبة واضحة في التأقلم مع أجواء الفصل، فهو غير قادر على الجلوس لمدة بعينها على الكرسي، وهو عاجز عن الإمساك الصحيح بالقلم لمدة قصيرة، لذلك لا يستطيع الكتابة على الخط المستقيم، ولو للحظات محدودة، وربما أضاف إلى ذلك العجز الواضح، البكاء الجارف، والصراخ الحاد، سواء داخل الفصل الدراسي، أو قبل الوصول إليه، وكثيرا ما كان الآباء والأمهات يلازمون أبناءهم في هذه المرحلة الحرجة، والمدرسون من جهتهم لطالما عانوا وهم يحاولون الأخذ بأيدي المجموعة الصفية لتنفيذ فقرات المقرر في الوقت المحدد، عند نهاية العام الدراسي، وكان المحظوظ من أولئك الأطفال من قضى أياما في الكتاب (المسيد)، أو نال شرف ما كان يطلق عليه “تلميذ مستمع”، أي مسموح له بالحضور مدة معينة في معية تلاميذ مستوى التحضيري (المستوى الأول)، ورويدا رويدا بدأت الغمة تنكشف، بعد ظهور رياض الأطفال في دور صغيرة يؤمها الأطفال في سنواتهم الثلاث التي تسبق الالتحاق بالمدرسة، ولما طفا التعليم الخاص على السطح، جعل لهذه المرحلة مكانا قارا، وكلف للقيام بالمهمة مدرسين ومدرسات، وخصص قاعات، فظهرت على إثر ذلك كتب تهم الكتابة والقراءة، والحساب، والتلوين حسب كل مرحلة عمرية، وحضرت الألعاب في حياة الطفل، كما توفر له النقل المدرسي، فشجع كل ذلك على انخراط الطفل في أجواء الدراسة مبكرا..

تتمة المقال تحت الإعلان

واليوم، ها هو التعليم الأولي يلج بوابات المدارس الابتدائية ضمن التعليم العمومي، إلا أنه، وواقع الحال شاهد بألف لسان على أنه لا زال في خطواته الأولى البطيئة والمتعثرة، ولا أدل على ذلك الوقفات الاحتجاجية التي يخوضها أطره مطالبين بالإدماج في سلك التعليم، أضف إلى هذا السرعة البالغة في إعداد فصول دراسية قد تكون مفتقرة للمتطلبات التي تساهم في تحقيق الإعداد الفعلي تربية وتعليما للنواة الأولى للمتمدرسين، الذين سيقطعون درب الإعداد والتحصيل الطويل؛ فالفصول الخاصة بهذه المرحلة الدراسية ينبغي أن تكون واسعة موفرة فضاء رحبا لقيام الأطفال بحركاتهم وأنشطتهم الحيوية، والكراسي والطاولات أيضا يجب أن تكون بمواصفات تضع في الاعتبار مراحل النمو الفسيولوجي التي يمرون بها، وقس على ذلك التهوية والإنارة وما إليها، أما المقررات الدراسية، فلا داعي للإشارة إلى أهمية الحضور الرسمي للقيم النبيلة داخل دروسها التربوية والتعليمية، حتى تتجسد عمليا في سلوك الطفل داخل المدرسة وفي المنزل، وفي الطريق منه وإليه، ولا بد من التواجد الفعلي لعلم النفس المطلع على خبايا الأطفال في هذه المرحلة العمرية الحساسة. هذا حتى لا تطغى الصبغة التجارية على الكتب المقررة، ويكون المقياس حينها هو إقبال الطفل بشغف على التلوين والتخطيط، وإذا انتهى هذا الجزء من الكتاب، فهناك جزء ثان وثالث.. وفي نهاية العام الدراسي، يسمح للطفل بالعبور إلى المستوى التالي، أما كيف تم ذلك، وما الغاية التي سعى المشرفون إلى بلوغها، وفق مؤشرات وضوابط ملموسة، فهذا ما لم يضعه التقويم النهائي للسنوات الثلاث من التعليم الأولي في الحسبان بشكل دقيق قابل للقياس الفعلي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعن المدرسين والمدرسات الذين يقضون شطرا من السنة الدراسية مطالبين بالإدماج، فيجب على الوزارة الوصية أن توفر لهم أجواء الاستقرار الفعلي، والعمل على تكوينهم التكوين الجاد تربويا وتعليميا حتى يكونوا في مستوى المهام المنوطة بهم، بدل التسرع في إسناد هذه المسؤولية الخطيرة لمن وجد نفسه مرغما على القيام بها مهما كانت الظروف والأحوال.

شيء آخر وجب حضوره في التعليم الأولي، الذي نتطلع إلى جني ثماره اليانعة، والحصول على نتائجه السارة، وأعني به هنا الجانب الصحي، البدني منه والنفسي، بحيث يفعل بشكل جدي ما يسمى بالدفتر الصحي للتلميذ والتلميذة، من خلال زيارات دورية أو سنوية لأطباء ذوي الاختصاص، قصد الاطلاع على أحوال الأطفال أثناء جلوسهم وأكلهم، وتعاملهم مع بعضهم البعض، وتجاوبهم مع الأنشطة الدراسية، ولا شك أن مهمة المدرس والمدرسة في هذا الباب كبيرة، حيث يجب تسجيل كل ما وجب تسجيله ليكون رهن إشارة الطبيب البدني والنفسي، بغية معالجة كل ما يستحق العلاج في حينه.

ختاما؛ حتى تكون للصورة التي يسارع المسؤولون التابعون للوزارة الوصية إلى التقاطها مع الأطفال في التعليم الأولي، خلال زيارتهم التفقدية للمدارس الابتدائية العمومية، بهاؤها ورونقها وسحرها الأخاذ، لزم الاهتمام بهذه المرحلة الدراسية التي بات من الضروري على التلميذ المرور بها؛ فليكن ذاك العبور لها، ليس آمنا فقط، بل ناجحا، من أجل مواصلة الدراسة في اطمئنان بدني، ونفسي، وتربوي، وتعليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى