
ونحن نعيش على إيقاع الانتخابات التشريعية 2026 في انتظار ما ستسفر عنه من نتائج.. لا بد من الرجوع إلى تاريخ الانتخابات منذ استقلال المغرب وما رافقها من إرهاصات وتغييرات في أنماط الاقتراع.. فعندما نريد التحدث عن الانتخابات لا بد من الرجوع إلى أول محطة انتخابية في تاريخ المغرب المستقل، والتي أجريت سنة 1963، أي أزيد من ستين سنة عرف المغرب خلالها تنوعا في الدساتير وأنماطا من الاقتراع وتعددا في غرف البرلمان، والهدف واحد، هو الوصول للحكومة ولقبة البرلمان..

ظهرت أول نواة للعمل البرلماني مباشرة بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، من خلال المجلس الوطني الاستشاري الذي تأسس سنة 1956 واستمر إلى 1959، وبعد ذلك كانت أول محطة مهمة في تاريخ البلاد مع دستور 1962، الذي مهد لانتخاب أول برلمان، وقد كانت الانتخابات تجرى في إطار تعددية حزبية كان حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية أبرز مكوناتها آنذاك، بالإضافة إلى تشكيلات سياسية أخرى من بينها جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) التي أعلن عن تأسيسها يوم 20 مارس 1963، من طرف أحمد رضى اجديرة (مدير الديوان الملكي ومستشار الملك الحسن الثاني حينها)، وذلك بهدف خلق توازن سياسي في مواجهة الأحزاب الوطنية التاريخية المعارضة مثل حزب الاستقلال، الذي كان يطالب الملك محمد الخامس بتمكينه من أكبر عدد من الوزارات (وهذا ليس موضوعنا الآن)، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقد ضمت تحالفا من الحزب الدستوري الديمقراطي، والأحرار المستقلين، والحركة الشعبية، إضافة إلى شخصيات سياسية محسوبة على القصر أو مستقلة.. قبل أن يتم حلها سنة 1970.
فقد أجريت إذن، أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب بتاريخ 17 ماي 1963، وانبثق عنها أول برلمان مكون من غرفتين: مجلس النواب بـ 144 عضوا انتخبوا بالاقتراع العام المباشر لمدة أربع سنوات، ثم مجلس المستشارين بـ 120 عضوا، بواسطة الاقتراع غير المباشر.
ففي فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، عرف المغرب إجراء ست عمليات انتخابية: 1963، 1970، 1977، 1984، 1993 و1997، أما في عهد الملك محمد السادس، فقد كانت الانتخابات البرلمانية لسنة 2002 أول محطة، تلتها انتخابات 2007 وانتخابات 2011، التي جاءت قبل أوانها، أي في سياق ما أطلق عليه الربيع العربي، والتي حملت إلى دفة الحكومة ولأول مرة في تاريخ المغرب، حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، والذي ترأس الحكومة في ولايتين: 2012-2016 ثم 2016-2021، ثم انتخابات 2021 التي تسمى حكومة رجال الأعمال والتي ترأسها حزب الأحرار بترسانته الكبيرة من رجال المال والأعمال، والتي لا زالت مثار جدل كبير بالنظر إلى النتائج النكوصية لسياستها على عموم المغاربة.. في انتظار تغيير يأمله المغاربة في من سيترأس الحكومة في الفترة المقبلة..
وبالرجوع سنوات إلى الوراء، لا بد من التذكير ببعض العقبات التي اعترضت سير العمل التشريعي أو التي ساهمت في التعجيل بإجراء انتخابات، وتبقى أبرز محطة تتمثل في إعلان حالة الاستثناء من طرف الحسن الثاني وحل البرلمان بتاريخ 7 يونيو 1965، بموجب المرسوم الملكي رقم 136.65 الصادر في 7 صفر 1385 استنادا إلى الفصل 35 من دستور 1963، ومعلوم أن هذا القرار الملكي جاء بعد أحداث الدار البيضاء 23 مارس 1965، والقصة تعرفونها.. وهو ما كان من نتائجه تعليق العمل بالبرلمان إلى غاية سنة 1970؛ هذه السنة التي عرفت إجراء انتخابات لملء الفراغ التشريعي، غير أن الأحزاب التاريخية، كحزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قاطعا دستور وانتخابات 1970، الذي لقي نفس مصير برلمان 1963، إذ تم حله أيضا سنة 1972 على إثر المحاولتين الانقلابيتين لسنتي 1971 و1972.
ففي سنة 1972، أصدر الملك الحسن الثاني دستورا جديدا، في شهر مارس، بعد أحداث انقلاب الصخيرات سنة 1971، والذي نص على تقليص مدة ولاية مجلس النواب إلى أربع سنوات بدلا من ستة التي كان معمولا بها من قبل، وفي هذه المدة كان المغرب يعمل على تحرير الصحراء من الاستعمار الإسباني وهو ما تأتى من خلال المسيرة الخضراء سنة 1975.. ليبدأ بعد ذلك ما سمي بـ”المسلسل الديمقراطي” كاستراتيجية جديدة أعلن عنها الحسن الثاني، ابتدأت بالانتخابات الجماعية لسنة 1976، وتلتها سنة 1977 الانتخابات البرلمانية، التي حملت الجديد هذه المرة، ويتعلق الأمر بترشح المستقلين أو غير المنتمين، الذين فازوا بأغلبية الأصوات (141 مقعدا / 44.68 % من الأصوات)، وهو ما تبلور فيما بعد وأصبح حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تأسس سنة 1978 بقيادة أحمد عصمان، الذي بقي في منصبه وزيرا أول قبل وبعد هذه الانتخابات..
وبعد هذه الفترة، تغير نمط الاقتراع في انتخابات 1983، حيث جرت الانتخابات الجماعية بتاريخ 10 يونيو 1983، شاركت فيها مختلف الأحزاب السياسية وتم خلالها انتخاب المجالس البلدية والقروية في جميع أنحاء المملكة، ثم بعد ذلك، أي في سنة 1984، جرت الانتخابات التشريعية المرتبطة بتلك المرحلة، وقد تم تمديد الولاية التشريعية لمجلس النواب 1977-1983 لسنتين إضافيتين بناءً على الاستفتاء الدستوري الذي جرى في 23 ماي 1980، والذي تم بموجبه رفع مدة الولاية النيابية من أربع إلى ست سنوات، غير أن السبب الحقيقي وراء ذلك التعديل، فرضه السياق السياسي المرتبط بالتطورات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية في ذلك الوقت، مما استوجب تأجيل إجراء الانتخابات لضمان نوع من الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومن جهة أخرى تعبئة المغاربة جيدا لتلك الاستحقاقات..
ويوم 25 أكتوبر 1993، أجريت الانتخابات البرلمانية بعد أن كانت مقررة في أكتوبر 1990، والتي تأجلت بفعل الاستفتاء على الدستور الجديد، الذي أُجري في 4 شتنبر 1992، بعد أن أعلن الملك الحسن الثاني عن هذه المراجعة في خطابه بتاريخ 20 غشت 1992، مؤكدا أن ((السير نحو المعاصرة يتم ضمن الحفاظ على الهوية وفي إطار الاستقرار…))، وذلك استجابة لعدد من المتطلبات التي أجهر بها المواطنون والتي استدعتها في ذلك الوقت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، ولذلك منح الدستور الجديد دورا أكبر للحكومة والبرلمان، وساهم في خلق توازن أكبر بين السلطات العامة، وتم التنصيص على إحداث المجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وكانت آخر محطة انتخابية في عهد الحسن الثاني، سنة 1997، وكانت أول انتخابات تشريعية بنظام الثنائية البرلمانية، أي مجلس النواب ومجلس المستشارين، بعد تعديل دستور سنة 1996.
وفي عهد الملك محمد السادس، كانت أول استحقاقات انتخابية سنة 2002، إذ تم فيها لأول مرة اختيار رمز معين لكل حزب لتسهيل مهمة التصويت داخل صناديق الاقتراع على الناخبين، والتي لا زالت إلى يومنا هذا، مثل “المصباح” للعدالة والتنمية، و”الحصان” للاتحاد الدستوري و”الميزان” للاستقلال، و”الوردة” للاتحاد الاشتراكي، و”الحمامة” للتجمع الوطني للأحرار، و”السنبلة” للحركة الشعبية… إلخ، وهو ما أعطى هوية جديدة لكل حزب بما أن البرامج الانتخابية تتشابه إلا في بعض الاختلافات البسيطة.. وقد آلت نتائج استحقاقات 2002 إلى حزب الاتحاد الاشتراكي ولأول مرة يحتل حزب العدالة والتنمية مرتبة متقدمة (الرتبة الثالثة)…
وتلت هذه الانتخابات محطة 2007، والتي عرفت تغييرا في عدد الدوائر الانتخابية التي أصبحت 95 دائرة بدل 91 في المحطة السابقة لها، وهذه المرة بمشاركة أزيد من 30 حزبا، غير أن الأحداث التي عرفتها بلادنا في سنة 2011، حتمت إجراء انتخابات تشريعية مبكرة بعد دستور 2011، وبذلك ارتفع عدد أعضاء مجلس النواب إلى 395 عضوا، منهم 305 منتخبين في الدوائر المحلية و90 في الدائرة الوطنية آنذاك، والتي فاز بها حزب العدالة والتنمية ولأول مرة بعد حصوله على 107 مقاعد، ثم استقر عدد النواب في محطة 7 أكتوبر 2016 واستمر مجلس النواب في 395 مقعدا، ونفس الشيء في انتخابات 8 شتنبر 2021، التي حملت إلى رئاسة الحكومة حزب التجمع الوطني للأحرار رفقة حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال..
إلا أن مطالب المواطنين لا زالت هي نفس المطالب، والتفاوتات لا زالت تنخر شرائح مجتمعية كبيرة والتي تمخضت عنها الاحتجاجات والإضرابات التي عرفتها عدة قطاعات، وهو ما يعني فشل السياسات الحكومية رغم تغير الأحزاب على رأس السلطة من الأغلبية إلى المعارضة أو العكس؛ فكل الأحزاب تنادي في حملاتها بالإصلاح وبتحقيق الوعود الكثيرة التي تقدمها في كل المجالات، وبعد كل استحقاقات تظهر فجوات كبيرة بين ما يسوق له كبرامج لفائدة المواطنين وبين ما يتحقق على أرض الواقع، وغير ما مرة تتدخل المؤسسة الملكية لوضع اليد على مكامن الخلل وتوجيه المنتخبين ومنهم الوزراء والنواب البرلمانيون ورؤساء الجماعات، وكل من يتولى تدبير شؤون البلاد والعباد، ولذلك جاء الملك محمد السادس منبها المغاربة إلى حسن اختيار الصالح من المنتخبين عندما قال: ((فإن جعلتم على رؤوسكم فاسدين في مدنكم وقراكم، فلا تقبل منك الشكوى، فأنتم المسؤولون عن تدهور حقوقكم وحق بلدكم عليكم)).
فقد عرفت محطة 2026 سباقا محموما بين كل الأحزاب السياسية للوصول إلى رئاسة الحكومة المقبلة أو تقاسم “كعكة حكومة المونديال” مع ما تعرفه من مشاريع كبرى وبرامج تنموية.. وقد أفرزت النتائج تصدر حزب الأصالة والمعاصرة كما كان متوقعا، واحتلال حزب الأحرار للمرتبة الثانية رغم فشله في تدبير عدة قطاعات مما كان السبب في احتجاجات كثيرة على مدار الخمس سنوات التي خلت، كما أفرزت الاستحقاقات تقدما في موقع حزب العدالة والتنمية.. في انتظار تشكيلة الحكومة والتوافقات التي ستحصل بين الأحزاب المتصدرة للمشهد السياسي.




