متابعات | احتكاك السياسيين مع المواطنين.. شعبوية جديدة أم مصلحة انتخابية ؟

عرفت جولات السياسيين خلال الأيام الماضية تزامنا مع فترة الانتخابات، تنظيم العديد من اللقاءات التواصلية والزيارات الميدانية لمختلف الأقاليم والمدن والقرى البعيدة، قصد التواصل مع المواطنين عن قرب والإنصات إليهم ومعرفة مشاكلهم واحتياجاتهم الاجتماعية والتنموية والاقتصادية.
فقد شكلت محطة الانتخابات التشريعية والحملات الميدانية فرصة للقادة السياسيين وزعماء الأحزاب للاحتكاك مع المواطنين عن قرب، والتحدث إليهم ومناقشة الأمور والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية معهم، في سابقة داخل المشهد السياسي والحزبي بشكل مختلف عن الانتخابات السابقة، إذ برزت العديد من الوجوه السياسية التي حظيت باهتمام كبير من قبل المواطنين، مثل فوزي لقجع وبن كيران وأخنوش ومصطفى لخصم وهشام المهاجري وعبد الهادي خيرات والعيدودي وغيرهم من السياسيين.
إعداد: خالد الغازي
حسب العديد من المحللين، فقد عرفت مرحلة الانتخابات تزايد الظاهرة الشعبوية في مختلف اللقاءات التواصلية التي قام بها مختلف الفرقاء السياسيين في العديد من الأقاليم والمدن، عبر الاحتكاك مع الناس والتحدث إليهم بشكل مباشر، والنزول إلى الأسواق الأسبوعية ودخول الأحياء الشعبية، ومشاركة المواطنين “الكسكس” و”المدهوصة”، والجلوس معهم على الحصير، وإظهار التواضع ومعانقتهم وتقديم الوعود بالعودة إليهم، بحيث يصبح الفقير والمهمش والعاطل والشاب والمرأة والقرية والدوار.. حاضرين بقوة في خطب السياسيين والمرشحين، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه: هل نحن أمام خطاب سياسي صادق لإقناع المواطن، أم أمام خطاب انتخابي شعبوي ؟

في هذا السياق، يرى مراد الغالي، محلل سياسي، أن ظاهرة احتكاك السياسيين بالمواطنين من خلال الإنزال الشعبوي في الأسواق، أو مشاركة تفاصيل الحياة اليومية مع المواطنين وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى تفسير الموضوع يتأرجح بين عدة أشكال من الشعبوية السياسية الحديثة، أو اعتباره مجرد استراتيجية انتخابية قديمة عابرة تفرضها قواعد اللعبة السياسية، يعاد إنتاجها كل ما جاءت الانتخابات الموسمية، ومن هنا يمكن تفسير ذلك من خلال الحديث عن شعبوية جديدة، يصنفها محللو السلوك السياسي في خانة الشعبوية الاتصالية أو الأسلوبية، عبر الوقوف على ما يسمى في بعض الأدبيات الحديثة باستنبات الرمزية الشعبية. من هنا يحاول السياسي أن يظهر أمام الناس بصورة “ولد الشعب” القريب من معاناتهم والمتجاوز للبرج العاجي باعتباره برلمانيا أو وزيرا، فينزل إلى الناس للتفاعل مع مشاكلهم في إطار تشكيل الصورة والقرب من المواطنين، وبالتالي، يتم لا من حيث اعتباره غاية نبيلة فيها أمور خاصة باللعبة السياسية بشكل عام.
وأوضح نفس المتحدث أن هناك ما يسمى بـ”شخصنة السياسة”، حيث يحاول السياسي التركيز على العاطفة ولغة الجسد والانتماء، واللقاءات العفوية المزيفة أحيانا مثل أمين عام لحزب سياسي غاب لفترة طويلة، فينزل للميدان ويشارك الناس همومهم في إطار شخصنة السياسة واعتباره جزء من هذه المشاكل والمعاناة، وأنه حاضر من أجل جعل حلول لهذه المشاكل التي يعاني منها المواطنون، وفي بعض الأحيان، يكون بعض المنتخبين قضوا ولايات متعددة ولم يستطيعوا معالجة هذه المشاكل، لكنهم يعودون للمجال ويتقمصوا نفس الدور الشعبوي، مضيفا أن هناك من يستثمر السخط العام ويتم توظيف مشاعر التهميش وخيبة الأمل لدى الناخبين، عبر تقديم هذا المرشح في صورة المخلص القادم من خارج الانتخابات التقليدية الفاسدة، حيث يحاول أن يسوق لنفسه بأنه قادم من أجل الإصلاح وتحقيق المطالب، وهذا ما نعتبره استثمارا للسخط العام، وبالتالي، هناك ثلاثة أسس لفهم هذا السلوك في إطار ما يسمى بالشعبوية الاتصالية أو الأسلوبية، واستنبات الرمزية الشعبية وشخصنة السياسة.
واعتبر المتحدث ذاته أن البعض يفسر المصلحة السياسية العابرة على أنها سلوك براغماتي، في كل انتخابات لا بد أن نمارس نفس السلوك ذي الطبيعة السياسية، وبالتالي، فهي أداة تواصل انتخابية بعيدا عما يسمى الشعبوية التي هي سلوك يحاول من خلاله هذا السياسي أن يتماهى مع مشاكل المواطنين، وفي المقابل، هناك تصور تقليدي يقول أننا أمام أداة تواصلية انتخابية عادية كانت وستظل قائمة في إطار ثلاثة ركائز مهمة، موسمية التواصل، تعني اختفاء السياسيين بعد الانتخابات ويظهرون أثناءها، وبالتالي، يظهر المعطى الذي يؤكد الطابع المؤقت والمصلحي، وفي هذا التصور فالمصلحة الانتخابية قائمة في حد ذاتها وستظل موجودة في كل فترة انتخابية.
وبخصوص أهمية العنصر الرقمي في تسويق الخطاب الشعبوي، أكد نفس المتحدث أن هناك تحولا فرض على السياسي الدخول في سياق صناعة المحتوى ويظل في واجهة اهتمام الجمهور ويواكب الأمور التي تثير اهتمام المواطنين، وإلا سيتعرض للنسيان السياسي، لذلك هناك بعض السياسيين في حملات دائمة عبر صفحاتهم، حيث يقوم بتلميع صورته السياسية بأنه المدافع عن المشاكل وقضايا المجتمع، ولديه صورة داخل الواقع الافتراضي، مشيرا أيضا إلى التسويق الانتخابي وصناعة الصورة الذهنية، والذي يفرض على السياسي النزول للميدان وكسر الجليد وصناعة الانطباع الأولي لدى الناس بأنه متواجد من أجل معالجة الإشكاليات، وبالتالي فالكثير من الممارسات التي تظهر لنا شعبوية، هي في جوهرها مصلحة انتخابية تفرضها ضغوط المنافسة، حين تتحول هذه الممارسات إلى بديل تام لإيجاد سياسات عمومية حقيقية.
تطرح شعبوية السياسيين خلال الانتخابات الأخيرة مع المواطنين العديد من التساؤلات بخصوص تأثيرها على نتائج الأحزاب وممثليها والمرشحين، ومدى استمراريتها ما بعد الانتخابات في التواصل الجاد مع الناس، وتأكيد حسن النية وتنزيل الالتزامات والمطالب الشعبية، أم أن الظاهرة سوف تختفي لعدة أشهر، إلى حين اقتراب الانتخابات الجماعية المقبلة، والتي بدورها يراهن عليها السياسيون لتسويق الخطاب الشعبوي واستقطاب الأصوات على مستوى الجماعات المحلية والقروية للوصول لرئاسة المجالس.

من جانبه، اعتبر رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث، أن السياسة الديمقراطية تقوم أصلا على القرب والإنصات والتمثيل، لكنه يتحول إلى ممارسة شعبوية حين يُقدَّم المجتمع بوصفه كتلة متجانسة من “الشعب النقي” في مواجهة “نخبة فاسدة”، وحين يستبدل السياسي الوساطة المؤسساتية بعلاقة مباشرة وشخصانية مع الجمهور، مستثمرا اللغة العاطفية والصور اليومية والوعود المبسطة لإظهار نفسه ناطقا حصريا باسم الإرادة الشعبية. بهذا المعنى، لا تُقاس الشعبوية بكثرة الزيارات الميدانية، بل بطريقة بناء صورة الشعب والخصوم والزعامة داخل الخطاب السياسي، وقال: إذا كان هذا الاحتكاك يشتد قبيل الانتخابات ثم ينحسر بعدها، فهو أقرب إلى مصلحة انتخابية عابرة تُعامل المواطن باعتباره صوتا لا شريكا دائما في القرار، والتمييز بين القرب الديمقراطي والتعبئة الشعبوية أو الموسمية يتوقف على الاستمرارية والنتائج، متسائلا: هل توجد قنوات منتظمة للمساءلة والمشاركة؟ هل تتحول المطالب إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟ وهل يقبل السياسي التعدد والوسائط والمؤسسات؟ فعندما يغيب ذلك، يصبح النزول إلى الشارع عرضا انتخابيا لإنتاج القرب الرمزي، لا ممارسة سياسية تعيد توزيع النفوذ أو تمنح المواطنين قدرة فعلية على التأثير..
وأكد المتحدث ذاته، أن استعمال السياسيين للغة العامية قد يكون وسيلة مشروعة لتقريب الخطاب من المواطنين وكسر الحواجز اللغوية والاجتماعية التي تصنعها اللغة الرسمية، غير أن العامية تتحول إلى أداة شعبوية عندما تُستخدم لتمثيل السياسي باعتباره “واحدا من الناس”، مع اختزال القضايا المعقدة في شعارات سهلة، وإقصاء النقاش العقلاني حول البرامج والموارد والنتائج؛ فالمشكلة لا تكمن في لغة الخطاب، بل في الوظيفة التي تؤديها: التواصل والتوضيح، أم صناعة قرب مصطنع وتغطية الفراغ البرنامجي، معتبرا أن الوعود التي تستهدف الخوف أو الغضب أو الأمل، تقوم على تعبئة العواطف بدل بناء الاختيار الانتخابي على معلومات قابلة للفحص، والعاطفة عنصر طبيعي في السياسة، لكنها تصبح وسيلة للتلاعب عندما تُقدَّم وعود كبيرة بلا آجال أو ميزانيات أو صلاحيات واضحة، أو عندما يُصوَّر السياسي بوصفه المنقذ الفرد القادر على حل المشكلات بمجرد الوصول إلى السلطة، لذلك ينبغي تقييم الخطاب بقدرته على تحويل الوعود إلى التزامات محددة يمكن مساءلة أصحابها عنها، لا بمدى بساطة لغته أو قوة تأثيره اللحظي في الجمهور.

بدوره، يؤكد الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي مصطفى المريني، أن بعض الأعيان والمرشحين لا يتذكرون المواطن إلا في موسم الانتخابات.. فجأة يخرجون من مكاتبهم ويتنقلون في الأحياء الشعبية، يصافحون الناس، يمشون في الأسواق ويأكلون الطعام، ويكتشفون الأحياء والأسواق والمقاهي.. وكأن الانتخابات هي الموعد السنوي لاكتشاف المواطن، معتبرا أنها شعبوية انتخابية مقيتة يتحول فيها القرب إلى طقس انتخابي، والتواضع إلى تقنية لاستمالة الأصوات، والمصافحة إلى استثمار قصير الأجل، فطوال الولاية يكون المواطن بعيدا عن دائرة اهتمام المنتخب، وما إن تقترب الانتخابات حتى يستعيد مكانته ويصبح “أخاً” و”عزيزا” فقط لأن صوته أصبح مرغوبا فيه، والمفارقة أن بعضهم لا يكتشف المواطن في موسم الانتخابات، بل يكتشف قيمة صوته، وبعد أن توضع الورقة في الصندوق، يعود المواطن إلى مكانه، ويعود السياسي إلى مكانه، وتعود المسافة بينهما كما كانت؛ فالناخب لا يحتاج إلى سياسي يتواضع معه كل خمس سنوات، بل يحتاج إلى سياسي يحترمه طوال فترة الولاية، وذلك بالدفاع عن مطالبه وحقوقه والعمل على تحقيقها في إطار تعاقد سياسي واضح.
حسب بعض المحللين، فإن النزول عند المواطنين في الشوارع والأحياء الشعبية بالخصوص، هي شعبوية يلجأ إليها السياسيون من أجل تبسيط لغة الخطاب والقضايا المعقدة، وتقسيم المجتمع إلى شعب نظيف في مواجهة “النخبة الفاسدة”، مع التركيز على مخاطبة مشاعر الناس أكثر من تقديم حلول تفصيلية وإرسال رسائل واضحة إلى المواطنين والخصوم، من خلال التواصل المباشر مع الناس في الميدان والتحدث إليهم بلغتهم العادية، وذلك قصد ترك البصمة والكلام الذي يبقى راسخا في عقول العامة بهدف التأثير عليهم وتوجيههم نحو مسار معين يخدم مصلحته السياسية والانتخابية، سواء من خلال استقطاب الأصوات أو خلق حالة من الغضب الاجتماعي على خصومه الآخرين حتى يظهر بصورة السياسي المصلح الذي يريد الخير للمواطنين والقادر على تحقيق آمالهم الاجتماعية والاقتصادية والحياة الكريمة.



