تاريخ | الحياينة.. هل آن الأوان لإنصاف قبيلة صنعت جزءا من تاريخ المغرب ؟

هناك قبائل يكتب التاريخ أخبارها في بطون الكتب، وهناك قبائل تحفظ تاريخها في صدور الرجال.. وإذا اجتمع الكتاب مع الذاكرة، والوثيقة مع الرواية، بدأ الباحث يقترب من الحقيقة. ومن بين القبائل المغربية التي لا تزال في حاجة إلى دراسة علمية منصفة، تبرز قبيلة الحياينة، تلك القبيلة العريقة المجاورة لمدينة فاس، والتي ارتبط اسمها بالفروسية والجهاد والدفاع عن الوطن.
غير أن أسئلة عديدة ما تزال تنتظر الجواب: من هم الحياينة حقًا؟ هل هم قبيلة عربية استقدمتها الدولة السعدية إلى نواحي فاس كما تذكر بعض المصادر؟ وهل اسم “الحياينة” اسم قديم، أم أنه ظهر بعد اتحاد فروع قبلية مختلفة تحت قيادة رجل اسمه حيان أو حيون كما تذهب بعض الروايات؟ وهل أولاد عليان مجرد أحد بطون الحياينة، أم أنهم من الأشراف الأدارسة كما ورد في بعض كتب الأنساب؟ وهل أنصف المؤرخون هذه القبيلة، أم أن جزءً كبيرا من تاريخها ما يزال حبيس الذاكرة الشفوية ؟

هذه الأسئلة المطروحة أعلاه وغيرها هي التي دفعتني إلى إعادة فتح هذا الملف، لا بقصد إصدار أحكام نهائية، وإنما رغبة في تحريك البحث العلمي حول تاريخ قبيلة كان لها حضور بارز في تاريخ المغرب.
أولاد عليان.. من علي ؟
من أعمق ما سمعته في هذا الباب، ما أخبرني به العلامة الدكتور أحمد البوشيخي رحمه الله، حين قال لي باقتضاب: “أولاد عليان من علي”؛ فقد كانت عبارة قصيرة، لكنها حملت في طياتها أسئلة كبيرة، وظلت ترافقني سنوات طويلة، ثم عثرت بعد ذلك على نص من كتاب “السلسلة الوافية والياقوتة الصافية في أنساب أهل البيت المطهر”، يورد ضمن البطون الإدريسية: “.. وأولاد عليان في بلاد الحياينة”، وهذا النص، إن ثبتت مكانة الكتاب واعتمدت روايته عند علماء الأنساب، يفتح بابا مهما للبحث، لأنه يدرج أولاد عليان ضمن الفروع المنتسبة إلى الأدارسة، أي أن نسبهم – وفق هذا المصدر – ينتهي إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن طريق المولى إدريس الأكبر.
غير أن الأمانة العلمية تفرض علينا ألا نجزم بما يحتاج إلى مزيد من التحقيق، بل نكتفي بالقول إن هذه الرواية تستحق الدراسة والمقارنة مع بقية المصادر والمشجرات ووثائق الأنساب.
الحياينة.. قبيلة الجهاد
إذا كان البحث في الأنساب يحتاج إلى الوثيقة، فإن تاريخ المقاومة يحتاج أيضا إلى الذاكرة.
لقد تربيت وأنا أسمع من جدي الحاج بوشتى بن الحسين رحمه الله، الذي عاش قرابة مائة سنة، أخبارا عن رجال الحياينة الذين خرجوا للدفاع عن فاس سنة 1912، وكان جدي يحدثني أنه كان في الثانية عشر من عمره، يسمع والده الحسين بن مسعود وأعمامه يروون تفاصيل تلك الأيام العصيبة بعد عودتهم إلى الدوار.
وكانوا يطلقون على الفرنسيين اسم “فرنسيس”، وهو اللفظ الذي ظل محفوظا في ذاكرته حتى آخر حياته.
علي بن مسعود.. فارس لا يترك أخاه
ومن الروايات التي بقيت محفورة في ذاكرتي، ما رواه أحد كبار الأسرة، الذي لا يزال على قيد الحياة، عن جده الحسين بن مسعود وأخيه علي بن مسعود؛ فقد أصيب علي بن مسعود إصابة بالغة في إحدى معارك سنة 1912 قرب باب الفتوح، وكان ينزف دما، فحمله أخوه الحسين على ظهر الفرس، وربطه حتى لا يسقط، ثم ضرب الفرس لينطلق وحده نحو الدوار عبر الهضاب والمسالك الوعرة، بينما عاد هو ليواصل القتال مع المجاهدين.
إن صحت هذه الرواية، فإنها تقدم صورة رائعة عن الإيثار والشجاعة والثبات، وهي صفحة تستحق أن تحفظ ضمن ذاكرة المقاومة المغربية.
الوزير المقري ورسالة السلطان
ومن أبلغ ما حفظه جدي رحمه الله، تلك الواقعة التي كان يرويها بحروفها. قال إن الوزير المقري خرج إلى فرسان الحياينة، وقال لهم: “قال لكم سيدنا: من غلب يعف، والعفة من الرجال تكون، اطلبوا تُستعطَوا”.
ويظهر من سياق الرواية، أن المقصود بـ”سيدنا” هو السلطان، فكان أول ما طلبه الحياينة هو إطلاق سراح رجالهم المعتقلين.
ويحكي جدي أنهم خرجوا من السجون وقد طالت شعورهم، وامتدت أظافرهم، وبدت عليهم أثار الأسر.
ثم كان الطلب الثاني هو تسليمهم السلاح لمواصلة قتال الفرنسيين دفاعا عن فاس والمغرب.. لكن الأحداث أخذت مسارا آخر، واندلعت مواجهات دامية انتهت بسقوط عدد كبير من الشهداء.
المقابر الجماعية.. ذاكرة تنتظر التحقيق
ومن أكثر ما كان يؤلم جدي وهو يستعيد تلك الأيام، حديثه عن المقابر الجماعية؛ فقد كان يؤكد أن عددا كبيرا من فرسان الحياينة دفنوا في مقبرة جماعية بعين النقبي قرب باب الفتوح، كما تحدث عن مقبرة أخرى عند باب السيفر قرب باب الكيسة.
وكان يذكر أسماء بعض الفرسان الذين استشهدوا هناك، ومن بينهم الفارس الشجاع امحمد الطبل، الذي كان يقود مجموعة من الفرسان.
هذه الشهادات، وإن كانت شفوية، فإنها تكتسب أهمية خاصة، لأنها تتضمن أسماء أشخاص وأماكن محددة، وهو ما يجعلها قابلة للمقارنة مع الوثائق والأرشيف وشهادات الأسر الأخرى.
الحياينة.. تاريخ من الجهاد قبل سنة 1912
ولئن كانت الذاكرة الشعبية لا تزال تحفظ بطولات الحياينة في مقاومة الاحتلال الفرنسي سنة 1912، فإن صفحات الجهاد عند هذه القبيلة تمتد إلى قرون قبل ذلك؛ فقد ارتبط اسم الحياينة، حسب عدد من المصادر التاريخية، بالدولة السعدية منذ القرن السادس عشر، حين استقروا في المنطقة الواقعة شمال شرق فاس، لحماية العاصمة العلمية للمملكة، وسد الثغور الشرقية في وجه التوسع العثماني القادم من الجزائر، ولم يكن وجودهم مجرد استقرار قبلي، بل كان رباطا عسكريا دائما، جعل منهم إحدى قبائل “الكيش” التي اضطلعت بحراسة فاس والدفاع عن استقلال المغرب.
ولذلك لم يكن غريبا أن تذكر المصادر مساهمة الحياينة في معركة وادي اللبن سنة 1558، تلك المعركة الحاسمة التي انتهت بانتصار المغرب السعدي وإفشال محاولة إخضاعه للنفوذ العثماني، وهو انتصار كان له أثر بالغ في تثبيت استقلال الدولة المغربية.
وبعد ذلك بعشرين عاما تقريبا، شارك رجال الحياينة في معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة سنة 1578، حيث اصطفوا ضمن جيش السلطان السعدي، في واحدة من أعظم المعارك في تاريخ المغرب، والتي انتهت بهزيمة الجيش البرتغالي وحفظ سيادة البلاد.
ولم يتوقف عطاؤهم عند ذلك، بل تجددت مشاركتهم في الحرب الإسبانية-المغربية (1859-1860)، وتذكر المصادر أنهم لبوا نداء الجهاد دفاعا عن تطوان، وبرزوا في معركة وادي بوصفيحة، حيث خاضوا قتالا عنيفا ضد القوات الإسبانية، حتى نسبت إليهم بعض الروايات الفضل في إيقاع خسائر كبيرة بصفوف العدو، رغم أن الحرب انتهت لاحقا بظروف لم تكن في صالح المغرب.
وعندما نصل إلى سنة 1912، لا تبدو مقاومة الحياينة للاحتلال الفرنسي حدثا معزولا أو طارئا، وإنما تبدو امتدادا طبيعيا لتاريخ طويل من الدفاع عن الوطن، تناقلته الأجيال، واحتفظت به الذاكرة الجماعية، كما احتفظت بأسماء الفرسان والشهداء، وبقصص البطولة التي لا تزال تتردد في مجالس أبناء القبيلة إلى اليوم.
وهكذا، فإن اجتماع الرواية الشفوية مع ما تذكره المصادر التاريخية، يرسم صورة لقبيلة لم تكن مجرد تجمع سكاني، بل كانت، في محطات عديدة من تاريخ المغرب، سيفا في ميادين الجهاد، وسندا للدولة حين كانت البلاد تواجه أخطارا تهدد استقلالها ووحدتها.
فلماذا لا يُكتب هذا التاريخ؟ أليس من حق الحياينة أن يُعرف تاريخهم كما عُرف تاريخ غيرهم؟ أليس من حق أبناء هذه القبيلة أن يبحثوا في أصولهم ووثائقهم ومقاومتهم دون تعصب أو مبالغة؟ أليس من واجب الجامعات المغربية أن تحقق في الروايات الشفوية قبل أن يرحل آخر من يحملها في صدره؟ كم من اسم سيضيع؟ وكم من شهيد ستبتلعه الذاكرة؟ وكم من مقبرة جماعية ستظل مجهولة؟ وكم من وثيقة ما تزال تنتظر من يكشف عنها ؟
إن هذا المقال ليس حكما تاريخيا، ولا ادعاء بامتلاك الحقيقة، وإنما هو دعوة صادقة إلى فتح باب البحث العلمي حول قبيلة الحياينة، اعتمادا على الجمع بين الرواية الشفوية والوثيقة المكتوبة.
فإن صحت الروايات، فقد نكون أمام صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة المغربية لم تنل نصيبها من الدراسة، وإن ظهر من الوثائق ما يصحح بعض التفاصيل، فإن ذلك لا ينقص من قيمة الذاكرة، بل يزيدها وضوحا.
رحم الله رجال الحياينة الذين حملوا السلاح دفاعا عن وطنهم، ورحم كل من حفظ لنا كلمة صادقة من تاريخهم، وجزى الله خيرا علماء الأنساب والباحثين الذين بذلوا جهدهم في حفظ هذا التراث، ويبقى السؤال مفتوحا أمام المؤرخين والباحثين: هل آن الأوان لإعادة كتابة تاريخ الحياينة كما عاشه رجالها، وكما حفظته الوثائق، لا كما تركه النسيان ؟



