تحليل إخباري | لماذا يتفوق نظام البيعة على نظام الانتخابات ؟
الثقة في الملك أكبر من الثقة في الأحزاب

جميع الأحزاب متشابهة، وكل خلاف بين هذا الحزب أو ذاك هو مجرد صراع من أجل الوصول للسلطة، سواء تعلق الأمر بالأحزاب الإدارية، أو الأحزاب ذات النوايا الخفية(..)، لكن يبقى المهم في التجربة المغربية هو وجود صمام أمام يوحد الجميع حول شخص الملك، بغض النظر عن المشاركة في الانتخابات من عدمها؛ فـ((المغرب يتميز بعبقرية داخلية تساير كل المتطلبات في كل عصر.. وتتجلى في صيرورة تلقي البيعة من الأعيان إلى المنتخبين)) (تصريح سابق للوزير أحمد التوفيق).
وقد كان من الطبيعي أن تحظى المقومات الأساسية للدولة المغربية، وعلى رأسها البيعة، التي تجعل من المغرب “أمة”، بمكانة ملحوظة في خطاب العرش للسنة الجارية، وهو الخطاب الذي يتزامن مع إحياء الذكرى 360 لتأسيس الدولة العلوية، والذكرى 27 لحكم الملك محمد السادس (انظروا لسرعة الزمن وكأنها بالأمس القريب)، حيث قال أمير المؤمنين: ((إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة كدولة-أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها في إطار من الانسجام والتكامل..)).
إعداد: سعيد الريحاني
فقط في “دولة البيعة” أو “الدولة الأمة” يمكن القول: ((إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا)).. هكذا تحدث الملك محمد السادس في خطاب العرش، بعد أن أبرز جانبا من فلسفة الحكم وهو يقول (فقرات تستدعي التأمل): ((لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي، بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.. واليوم، ومن خلال إلقاء نظرة على ما حققناه سويا، يخالجني مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحققة، والتفاؤل بالمستقبل.. إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد إحساس بالرضى عن الذات، وإنما هو شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة، يعطينا القوة والحافز على مواصلة الجهود.. فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل، بكل عزم وروح إيجابية)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس في عيد العرش 2026).
باختصار، يمكن القول إن ((شكل الدولة في المغرب مختلف عن شكل الدولة كما هي معروفة عند الغرب.. فعندما كان الغرب في عصر الظلمات، احنا كانت عندنا الأنوار في مراكش مع يوسف بن تاشفين.. كيف كان شكل المغرب عندما كانت الهمجية تبسط سطوتها على أوروبا؟ أليس المرابطون هم من أنقذوا الأندلس رغم أنه لم تكن عندهم دولة مركزية؟)) (المصدر: تصريح سابق للباحث المتخصص في الشؤون الصحراوية، الدكتور نور الدين بلحداد).
ورغم أن التحضيرات الانتخابية جارية، فإن الحدث الأكبر من الناحية السياسية هو حفل تقديم البيعة لأمير المؤمنين الملك محمد السادس، وهو إجراء عريق، أقدم من اللعبة الديمقراطية نفسها، وقد كشف الزمن عيوب الديمقراطية..
وتؤكد الباحثة المرموقة بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية، وصاحبة كتاب: “البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب”، (تؤكد) أن البيعة في المغرب تتخذ من الخلافة الإسلامية مرجعية شرعية لها باعتبارها الإطار التنظيمي للحكم، وتشير جميع البيعات إلى أهمية هاته المنظومة في تدبير شؤون الأمة، وتضيف بأن البيعة تكرم آل البيت وتجعلهم أهلا للملك والخلافة، ((حيث أجرى الله الأقدار على حسب ما اقتضاه حكمه وعدله، واطلع الملك في فلك الشرف شمسا لائحة الأنوار، وفَرَّعَ من دوحة النبوة فروعا طيبة شامخة القدر والمقدار.. اصطفى من عالم الكون قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، وآتهم الملك والحكمة والله يؤتي ملكه من يشاء)) (مقتطف من بيعة أهل فاس للسلطان مولاي الحسن، عن كتاب “البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب”).
ولا تقف أهمية البيعة عند حدود كونها نصوصا بالغة الأهمية من حيث بلاغتها اللغوية وقيمتها التاريخية، بل يمكن اعتبار نصوص البيعة من بين الوسائل التي تؤكد مغربية الصحراء ((من خلال نصوص بيعتها لقبائل السلاطين والملوك العلويين، ومنها بيعة قبائل أهل الساحل، وأولاد دليم، وبربوش، والمغافرة، وأولاد مطاع، وجرار.. وغيرها، للمولى إسماعيل سنة 1678م، وذلك بواسطة حَرْكَته لناحية سوس وصحرائها، حيث تزوج خناتة بنت بكار المغفرية.
وتندرج في نفس السياق بيعة أهل توات للسلطان مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل سنة 1728 ميلادية، وبيعة الشيخ المختار الكتاني للسلطان مولاي عبد الرحمن، وبيعة ابنة الشيخ أحمد البكاي للسلطان نفسه، وبيعة إمام تندوف الشيخ محمد بن المختار بن لعمش الجنكي، التي يعلن فيها عن بيعة هذا الإقليم للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، إلى غير ذلك من البيعات الصحراوية التي ظلت مسترسلة إلى اليوم)) (المصدر نفسه).
إن ما يميز البيعة في المغرب، فضلا عن ارتباطها بالنسب الشريف، هو كونها تتميز بخلاف باقي الدول الإسلامية، بأنها بيعة مكتوبة، ((ذلك أن المغرب هو الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي لم تكتف بالبيعة الشفوية))، تقول بهيجة، التي تضمن كتابها عددا من الوثائق النفيسة، من بينها وثيقة بيعة الملك محمد السادس (انظر الصورة رفقته) بإشراف الهيئة الوطنية لعدول المغرب، والمؤرخة بتاريخ 23 يوليوز 1999م، والتي جاء فيها: ((.. وإنه لما قضى الله بوفاة أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين وإمام المسلمين في هذا البلد الأمين، جلالة الملك الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن قدس الله روحه وطيب ثراه، وعطر بأريج الرحمة مثواه، ولما كانت بيعته الشرعية في أعناق المغاربة جميعا من طنجة إلى الكويرة، وكانت البيعة من الشرع هي الرابطة المقدسة التي تجمع المؤمنين بأميرهم وتوثق الصلة بين المسلمين وإمامهم، وكان فيها ضمان حقوق الراعي والرعية.. فإن أصحاب السمو والأمراء وعلماء الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار رجالات الدولة وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، الموقعين أسفله.. يقدمون بيعتهم الشرعية لخلفه ووارث سره أمير المؤمنين سيدنا محمد بن الحسن بن يوسف بن الحسن)) (مقتطف من وثيقة البيعة).
يذكر أن وثيقة البيعة كان قد وقعها كل من الأمير مولاي رشيد والأمير مولاي هشام، والأمير مولاي إسماعيل، والوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، ورئيسا مجلس النواب، ومستشارو الملك، ورئيس المجلس الدستوري، والضباط السامون بالقيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، والمدير العام للأمن الوطني، ورؤساء الأحزاب السياسية، والحاجب الملكي.
((إن المسلم لا يمكنه من تلقاء نفسه أن يبيع المشروعية السياسية إلا مقابل ضمانات تتعلق بالمحافظة على الدين كمصدر لمعنى الحياة والأمن والعدل والكرامة.. إن المتتبع الغربي قد لا تراوده كثير من الشكوك عندما نوضح له بأن المغرب قد اندمج حقا في مسلسل دستوري عصري وتعددي، وأنه لم يتوان في إقامة المؤسسات الضرورية للحكامة الجيدة ..ومن جهة أخرى، كان بالإمكان طرح السؤال التالي: ما نسقية التلازم بين البيعة والدستور؟ إنها قائمة، وليست دون جدوى، إذ أن الدين يمنح معنى وهوية، والدستور هو مجرد تأويل للغة التفاوض التي يعمد إليها المنضوون تحت المبادئ الأساسية نفسها للدين.. إنهم يسيرون على منهج الشعار الذي صكه الفقهاء منذ زمن بعيد، حيثما مصلحة الناس فثمة دين الله)).
هكذا سبق أن علق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، على الكتاب الذي صدر تحت عنوان: “إمارة المؤمنين/ المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”، وقام بإعداده الدكتور المؤرخ والباحث عبد الله بوصوف؛ هذا الأخير قال في كتابه: ((إن ملك المغرب ليس مستوى عاديا من مستويات جهاز تنفيذي قائم، شأنه في ذلك شأن المستويات الأخرى، حقوقا وواجبات وصلاحيات، وصحيح أنه بالإمكان اعتباره مستوى من هذه المستويات بحكم الوظيفة المنوطة به كرئيس فعلي للدولة، لكنه في الآن ذاته أمير المؤمنين، وبهذه الصفة الحصرية، فإنه يمتلك كامل الشرعية التي تمكنه من تحريك وتفعيل سلطة التفسير والتأويل التي تعود له دون سواه، كي يحدد انطلاقا من المصادر الثابتة والمجمع حولها (القرآن والسنة) ماهية وطبيعة الإسلام الوسطي الذي ينشد.. أي هذا الإسلام الذي يرفض اللاتسامح، ويلفظ العنف الذي يلجأ له دعاة ما يسمى بالإسلام الصارم النقي والأصلي)) (المصدر: كتاب “إمارة المؤمنين/ المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”).
ويضيف بوصوف في كتابه: ((في الإسلام، كل شيء يحتكم إلى البعد الديني، أما عبارة “ما لله لله، وما لقيصر لقيصر” فإنها غير واردة بالمرة، فما بالك أن تكون مبررة ومقبولة.. هذه الازدواجية التي تنتظم في إطارها العلمانية في صورتها الفرنسية على الأقل، تنحو منحى إقصاء الدين من الفضاء السياسي تماما ونهائيا، بيد أنها ازدواجية لا تجد لها رافدا أو متكئا بالمغرب، لا في فلسفتها ولا في المعطى الإجرائي العام الذي تنشده، بيد أن الذين يدافعون عنها إما يتخذون هذا الموقف جهلا بمرجعيتها، أو يتحركون للدفع بها تحت يافطة الدفاع عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان.. فليس من شك أن الإسلاميين المغاربة، بكل روافدهم وتوجهاتهم (الناعم منها كما الخشن سواء بسواء)، يتطلعون لاستنبات أسس إسلام سياسي من نمط معين، بيد أني بهم وكأنهم لا يدركون، أو يتجاهلون عن قصد، أن الإسلام الذي يرفعون لواءه، يحتوي على عناصر تجعل من طرحهم لمتاهات فكرية وعقدية، لا سبيل للخروج منها أو الإفلات من عقالها.. صحيح أن الإصلاح الذي يتغيى التغيير في الزمان والمكان، هو من صميم الدين الإسلامي، لا بل هو من روح هذا الدين، الذي شاع وانتشر منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.. إلا أن الوسائل والسبل المعتمدة لإدراك ذلك من لدنهم، ليست مشروعة، ولا هي بالأمر المقبول، ما دامت تنهل من المعين السياسي.. والسياسي الصرف فقط..
إن اللجوء إلى العنف والترهيب يشبه إلى حد كبير القوة الخشنة من أجل فرض نموذج “دولة” على شاكلة ما كان سائدا زمن الخلفاء الراشدين، هو سبيل خطأ تماما كما هي خاطئة الغاية المتوخاة منه، إنهما قد أضحيا حقا مثار تهكم واستهزاء في زمن الحداثة والعولمة والشبكات الإلكترونية.. ولهذا السبب، فإن الحقل الديني في المغرب الذي يتبوأ الملك في صلبه وضعية احتكار الشرعية (على مستويات عدة)، هو من هذه الزاوية تحديدا حقل مغلق بإحكام، سواء على مستوى النظرية الأرثوذوكسية أو على مستوى الممارسة السياسية، على كل أشكال التفكير والفعل التي لا تنصهر في إطار قواعد اللعبة السياسية والدينية، أو تلك التي لا تمتثل للنظام القائم أو للدينامية الدستورية الجارية)) (المصدر: كتاب “إمارة المؤمنين/ المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”).
أصل الحكاية في المغرب ليس أصلا انتخابيا، بل هو البيعة نفسها، وفي هذا الصدد يقول بوصوف، الذي تم تكريمه مؤخرا من طرف منتدى أبوظبي للسلم الذي يترأسه العلامة الشيخ عبد الله بن بّيه، وبحضور الدكتور أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وسفير دولة الإمارات العربية المتحدة، يقول: ((نشأت مؤسسة إمارة المؤمنين تيمنا بنموذج بيعة الرضوان (بيعة الولاء) التي قدمها المسلمون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من 14 قرنا من الزمن.. إنها وثيقة مؤسسة تبناها المغرب، وحافظ عليها وصانها، على الرغم من الظروف وتوالي الأسر الحاكمة وانتقال الملك، ثم هي بمثابة مادة أولية أساس لكل محاولة تتغيى فهم دينامية العلاقة بين الدولة والمجال الديني في المغرب.. إن كل الإصلاحات المعتمدة، وطيلة فترات تاريخ المغرب (القديم والحديث المعاصر)، انبنت وما تزال تنبني على الدولة المركزية ذات الطابع الديني الجوهري، وعليه، فإن السياسة حتى وإن خضعت لأشكال تفاوضية معلنة، فإنها غالبا ما كانت تتم بالاحتكام إلى التشريعات الإسلامية (أي الفقه)، وإلى العادات والأعراف والتقاليد المحلية السائدة)).. يقول بوصوف.
((إن الملك محمد السادس هو ملك إصلاحي بامتياز.. يجب أن نؤكد على هذا المعطى الجوهري الهام، ولذلك، فإن جل مبادراته تنبع من هذا الزمن التاريخي البعيد للدولة المغربية. من هذا المعين يستقي شرعيته المتفردة، التي يمكن أن نطلق عليها “الشرعية الملكية”.. إنها الشرعية التي تحدد مساره، تؤطر رؤيته، وتمنح لفعله زخما (كي لا نقول قدرا) من نوع خاص.. ولو كان لنا أن نستشف تفرد الإصلاح الذي باشره الملك محمد السادس في هذا المدى الزمني القصير من عمر حكمه، فيجب أن نبحث عنه في هذا الهاجس المستمر الذي يراهن دائما على ضمان تكيف، كي لا نقول تجذر، الأصيل الثابت مع الحداثي المتموج، بمعنى آخر، يجب أن نلتمسه في ثنايا المقاربة الشمولية التي تروم وضع أسس وهياكل حقل ديني يكون بمقدوره رعاية المحددات الهوياتية للأمة، مع ضمان تلبية الحاجات والانتظارات التي تفرضها متطلبات الحداثة)) (نفس المصدر).




