تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | بين ما جاء في تقرير والي بنك المغرب والميركاتو السياسي..

كما هو الحال في كل صيف، يجد الصحفيون الرياضيون مادة دسمة في أخبار انتقالات اللاعبين، بينما يكون عالم السياسة في عطلة تدوم شهرا كاملا أو أكثر.. غير أن الوضع في المغرب هذه السنة يبدو مختلفا تماما؛ فعوض الانشغال بسوق الانتقالات في البطولة الوطنية وباقي البطولات العالمية، ظهر أن هناك ما هو أهم، فالأمر يتعلق بالميركاتو السياسي، حيث شغلت مؤخرا الوسط الرياضي والسياسي على حد سواء، عندما تم الإعلان عن التحاق فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، بحزب الأصالة والمعاصرة بصفة رسمية، ليرد عزيز أخنوش على هذا المستجد من مدينة الداخلة، ثم جاء هجوم من خصم الأصالة والمعاصرة الأزلي، عبد الإله بن كيران، الذي تهجم على الحزب كعادته، دون ذكر الوافد الجديد بسوء، وقبل ذلك، وفي خضم الانشغال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، قدم والي بنك المغرب تقريرا للملك محمد السادس، يمكن وصفه بـ”الأسود”، أكد من خلاله أن التطور الاقتصادي لا يظهر أثره على السواد الأعظم من الشعب.. فهل هناك نقطة التقاء بين تقرير بنك المغرب والميركاتو السياسي في المغرب، على اعتبار أن الأعيان هم الفئة التي تستفيد من التطور الاقتصادي للبلاد ويحققون أرباحا ويزدادون ثراء، وأثر ذلك على مستقبل البلاد ؟

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

الأعيان صمام أمان الحكم في المغرب عبر التاريخ

تتمة المقال تحت الإعلان

من النظريات السائدة لتحليل التطور التاريخي للعالم، هناك اتجاهين عامين: الأول يقول بأن التاريخ يحركه المهمشون، أي عامة الشعب، الذين يساهمون في التطور التاريخي عن طريق الثورات والاحتجاجات، وهناك اتجاه ثان يقول بأن التاريخ تصنعه النخب والأعيان، على اعتبار أنهم من يقودون التغيير في كل الأمم، وفي المغرب، هناك أمثلة كثيرة حول تقسيم المجتمع إلى عامة وخاصة، ومن ذلك أن السلطان مولاي سليمان العلوي الذي حكم المغرب ما بين سنة 1792 و1822، قسم المغاربة بين العامة والخاصة ووصف العامة بأنهم “في عداد الأموات لا الأحياء”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي حالة المغرب.. لطالما شكل الأعيان ركنا قويا في الدولة منذ القدم، حيث كان السلاطين يعتمدون عليهم بشكل كبير، وعندما جاء الاستعمار الفرنسي للمغرب، قامت طريقة الجنرال ليوطي في الحكم على التعامل مع النخب لا عامة الشعب، إيمانا منه بأن الأعيان هم مفتاح المغرب، حيث قامت سياسته على التقرب منهم بعدة وسائل، منها التعليم وتكوين النخبة؛ ذلك أنه أنشأ مدارس الأعيان، وهي مدارس خاصة بأبناء البورجوازية الكبرى والقياد (مثل مدارس الأبناء والمدارس المولوية) لتعليمهم اللغة الفرنسية وتأهيلهم لخدمة الإدارة الاستعمارية. وفي مجال الإدارة والاحتواء السياسي، عمل ليوطي على التقارب مع الأسر الكبرى، حيث حرص على إبقاء العائلات البورجوازية الكبرى في المدن العتيقة (فاس، الرباط، سلا) في مواقع نفوذهم التقليدية لضمان ولائهم واستقرار الوضع، أما فيما يخص المصالح الاقتصادية، فقد منح بعض التسهيلات التجارية المحدودة لرجال الأعمال والطبقة البورجوازية الحضرية الناشئة، لربط مصالحهم الاقتصادية بوجود الحماية.

كما أن نظام الحماية في المغرب بدأت أركانه تتزعزع عندما مس المقيمون العامون اللاحقون لليوطي، بمصالح البورجوازية المغربية، عندما تم تحويل نظام الحماية من حماية إلى استعمار مباشر، حيث استغل الاستعمار الفرنسي خيرات البلاد كاملة ولم يترك للنخب شيئا.

استمرار الاعتماد على الأعيان في عهد الاستقلال

وعندما جاء عهد الاستقلال، استمر نفس النسق، حيث اعتمد القصر على النخب، والغريب في الأمر، أن بعض النخب رغم ثبوت تورطهم مع نظام الحماية، فإن مصالحهم أو مواقعهم لم يتم المساس بها في عهد الاستقلال، حيث لم يتم طرد كل القياد الذين كانوا خلال مرحلة الحماية رغم مطالبة حزب الاستقلال بذلك، بل إن أغلب المتعاونين مع الحماية اندمجوا في حزب الحركة الشعبية وشكلوا جبهة قوية وقفت في وجه مطامح حزب الاستقلال، ثم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

واستمرت الدولة على نفس الحال خلال مرحلة حكم الملك الحسن الثاني، وهي التحالف مع الأعيان أو النخب من أجل مواجهة كل الأخطار المحدقة به؛ فقد توصل ريمي لوفو في كتابه: “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، لمجموعة من الاستنتاجات، أهمها:

– أولا؛ تحالف الحسن الثاني مع النخب المحلية القروية ساعده على إضعاف ومقاومة قوة البرجوازية الحضرية والطبقة العمالية التي كانت خاضعة لتأثير الحركة الوطنية، وقد كانت الحركة الوطنية تسعى إلى حكم المغرب بعد حصوله على الاستقلال، بتقليص سلطات الملك دستوريا وتحديث الدولة.. لكن هذا التحالف بين الملك والنخب المحلية القروية، حسب نفس الباحث، حتى وإن ساهم في استمرار سلطاته، فإنه في المقابل عزز الأشكال التقليدية للسلطة، وعمق الزبونية، وزاد من سلطة الأعيان، وفرمل عملية التغيير، وهذا ما يجعل من الفلاح المغربي الدعامة الأساس للنزعة التقليدية في النظام السياسي والمدافع عن العرش الملكي وضامن استقرار الملكية في المغرب.

– ثانيا: تدخل الدولة بشكل مباشر في الشؤون القروية كان يهدف إلى تنمية القرية من جهة، ومن جهة أخرى، دفع الأعيان ليتواجدوا على رأس الجماعات القروية كمسلك لبلوغهم البرلمان، وهكذا تمكنت الدولة من إدارة الشؤون القروية بالتدخل في مختلف المسائل الفلاحية والدينية والمنازعاتية، واستخدام آلية التقطيع الانتخابي وفق منهجية تتيح إفراز نخب موالية للدولة، فأصبحت الأرض جزء من سياسة الدولة.

عزيز أخنوش منظر فكرة الميركاتو السياسي

وعندما جاءت مرحلة الملك محمد السادس، حافظت الدولة على نفس النسق السياسي، وهذه المرة عن طريق محاولة استمالة رجال الأعمال الحضريين أيضا، وقد نجحت في البداية في إقناعهم بدخول المعترك السياسي عن طريق الانضمام للأحزاب السياسية، إلى أن جاء الربيع العربي وبدأ تحول كبير في المغرب، حيث التحق عدد كبير من رجال الأعمال بالأحزاب السياسية وترشحوا للانتخابات البرلمانية، حتى أصبح لدينا في سنة 2011 ما يمكن تقسيمه إلى قسمين: أحزاب مناضلة، وأحزاب أعيان.

وقد أصبح حزبا التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة يمثلان نموذجا لأحزاب الأعيان، على اعتبار أنهما لا يتوفران على خطاب إيديولوجي، وكانت آخر مناسبة فاز فيها حزب مناضل في الانتخابات هي سنة 2017، عندما تصدر حزب العدالة والتنمية المشهد وترأس الحكومة من جديد، ثم حدث أن وقع الجديد في استحقاقات 2021، عندما تصدر الانتخابات حزب التجمع الوطني للأحرار، ولكن كيف، هل أقنع المغاربة ببرنامج انتخابي الذي رفع خلاله شعار “تستاهلو ما أحسن” ؟

في الحقيقة، قام الحزب بزعامة عزيز أخنوش بميركاتو سياسي قوي في الدقائق الأخيرة قبل الانتخابات التشريعية، غير أن ذلك لم يَحْظَ باهتمام كبير من قبل وسائل الإعلام، ويمكن القول أن لغة الأرقام تتحدث؛ فمن حيث محاولة تشريح المشهد الانتخابي لسنة 2021، نجد أن عزيز أخنوش قام بأكبر عملية استقطاب للأعيان في 2021، والغريب أنهم كانوا كلهم منتخبين وأعضاء في البرلمان منذ سنة 2016، حيث قام باستقطاب ما مجموعه 16 من الأعيان كانوا أعضاء باسم الأحزاب الأكثر تمثيلية في البرلمان فقط، دون احتساب عدد الأعيان الذين تم استقطابهم من الأحزاب الصغرى.

فقد استقطب من حزب الأصالة والمعاصرة وحده خمسة أعضاء، ويتعلق الأمر بكل من محمد غياث، خالد المنصوري، مصطفى توتو، عبد الله أبركي، وعبد الرزاق الهاشمي، أما من حزب الاستقلال، فقد استقطب ثلاثة أعضاء هم بناصر رفيق، محمدي تحتوح، ومحمد الأمين حرمة الله، في حين اقتنى خلال ميركاتو 2021 دائما، من حزب الحركة الشعبية، أربعة أعضاء، هم محمد السيمو، خليل الصديقي، عبد الرحمان العمري، وإبراهيم خيي، أما العدالة والتنمية، فقد خطف اثنين من برلمانييه، وهم يونس بنسليمان وعبد الرحمان رابح، وهناك أيضا الاتحاد الاشتراكي، الذي استقطب اثنين من برلمانييه، وهما محمد حويط، وحفيظ أوشاك، وبذلك نجح في تصدر الانتخابات.

الأصالة والمعاصرة يستلهم النموذج الأخنوشي

إن ما يحدث اليوم هو نسخة طبق الأصل لما حدث خلال سنة 2021، حيث يقوم حزب الأصالة والمعاصرة بنفس العمل الذي قام به حزب الأحرار.. فهل ينذر الأمر بأن تحولا قادما في العملية الانتخابية، بحيث يصبح كل من يريد الفوز بالانتخابات عليه أن يستقطب الأعيان في آخر لحظة وقضي الأمر ؟

لننتظر ما ستسفر عنه انتخابات 2026.. ففي حال فاز حزب الأصالة والمعاصرة الأكثر استقطابا في هذا الصيف، فستكون هذه هي المرة الثانية التي يفوز فيها حزب في الانتخابات بنفس الطريقة، وعندها علينا تقييم مستقبل الوضع السياسي في المغرب.

ويبدو أن مؤشرات هذا التحول واضحة من الآن، حيث أننا انتظرنا أن تبدأ الأحزاب المشكلة للحكومة حملتها الانتخابية لمحطة 23 شتنبر القادمة، بالدفاع عن حصيلة خمس سنوات من عمل الحكومة، غير أنه لحدود الساعة، لاحظنا أن الثلاثي الحكومي تكلف بدور المعارضة، عندما بدأت عملية الضرب تحت الحزام والطعن من الخلف فيما بينها منذ مدة، مع الإشارة إلى أن حزب الأحرار تلقى ضربات من حليفيه في الحكومة أكثر مما تلقاهما حزبا الاستقلال والأصالة والمعاصرة، ليفرز لنا المشهد السياسي شيئا غريبا، وجديدا عن المألوف في حالة المغرب، حيث أصبحنا نرى أن أحزاب الائتلاف الحكومي الثلاثة ابتلعت المشهد السياسي المغربي كاملا، وأصبحت تلعب دور المعارضة مؤخرا عن طريق طعن “الحمامة” في عدة مناسبات، وهو أمر غير معتاد في الساحة السياسية المغربية، حيث لاحظنا أنه منذ دستور 2011، كان حزب العدالة والتنمية يتشبث بحلفائه كما كانوا هم يتشبثون به.

وهناك أمر آخر، وهو أنه حظر كل شيء في الإعداد للانتخابات القادمة ما عدا أمرا واحدا، وهو الدفاع عن حصيلة الحكومة، التي تكلف والي بنك المغرب بتقييم حصيلتها في حضرة الملك قبل أيام، عندما جلد الحكومة جلدا، ويمكن الانطلاق من نقطة مركزية تضمنها تقريره، عندما أشار إلى أن الناتج الداخلي الإجمالي يشهد ارتفاعا ونموا ملحوظا، لكنه لا ينعكس بشكل كاف وملموس على الواقع المعيشي للأسر وسوق الشغل، وأرجع والي البنك هذا التباين إلى ضعف وتيرة خلق مناصب الشغل واستقرار البطالة، إضافة إلى تمركز النمو في قطاعات لا توفر فرص عمل كافية.

أكيد أن الحكومة قامت بمجهود كبير من أجل الرفع من الناتج الداخلي عن طريق دعم الاقتصاد الوطني، غير أن الدعم – كما شاهدنا جميعا – ذهب إلى جيوب رجال الأعمال وأغلبهم أعضاء في البرلمان، وخير مثال على ذلك، قضية دعم اللحوم، رغم الاستمرار في رفع أسعارها، مقابل استفادة رجال الأعمال من الأموال الممنوحة من الحكومة، تبقى أموال دعم اللحوم مثالا على كيف أن الناتج الداخلي ارتفع دون أن تظهر نتائجه، وما خفي أعظم..

فهل نتجه في اتجاه واحد وهو أن الدولة تفضل التحالف مع الأعيان على الطبقة الوسطى؟ لأنها عبر التاريخ حافظت على استقرارها عن التحالف معهم، أم أن المستقبل غير مضمون، خاصة وأن المنطقة تغلي بقوة ولنا خير مثال في ذلك أن الوضع على وشك الانفجار في تونس؟ فهل الدولة مستعدة لسيناريو جديد ؟

لا شك أن سياسة استقطاب الأعيان إلى المعترك السياسي يتطلب منحهم كافة الامتيازات، وبالتالي فإن استمرار ارتفاع الناتج الداخلي الخام مقابل محدودية أثره على المستوى المعيشي للسواد الأعظم من الشعب، مرشح للذهاب بعيدا. ومن الممكن أن يخلق ذلك مع الوقت طبقة من الأغنياء مقابل طبقة من الفقراء مع اختفاء الطبقة الوسطى.. فهل الدولة مستعدة لهذا السيناريو؟ وهل هي مستعدة لما سيترتب عنه مستقبلا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى