المنبر الحر | المسار المتعثر للانتقال الديمقراطي في المجتمعات العربية


من بين الأسئلة الأنطولوجية والمؤرقة التي لا زالت تطرح بحدة في مختلف الأوساط الاجتماعية العربية، وحتى الإسلامية، والتي يبدو أن الأجيال ستتوارثها، مع بعض الاستثناءات، القليلة طبعا، هو بدون منازع سؤال التأسيس للدولة الوطنية الحديثة وما يقتضيه ذلك من آليات ومداميك حقيقية يتم الاستناد إليها في ذلك، ولعل أولاها هي الديمقراطية، ودمقرطة الأنظمة السياسية فيها، وثانيا، ترسيخ مبادئ دولة الحق والقانون والحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية. يطرح هذا السؤال ويتم استحضار حقيقة العديد من المحاولات الإصلاحية التي عرفتها هذه المجتمعات في هذا الباب، والتي تتراوح في مجملها بين الجريئة نوعا ما والمحتشمة والباهتة في أغلب الأحيان، والتي استمرت زهاء قرنين من الزمن، لكن يبدو في النهاية أنها لم تأت بما كان منتظرا منها بالشكل الكافي واللازم.
لقد انطلقت أولى المحاولات الإصلاحية في هذا الخصوص، إبان مرحلة الاستعمار، الذي كان يعتبر ذلك من صميم “مهمته الحضارية”، وبلغت أوجها وذُراها مع الهزيع الأخير من القرن المنصرم، خاصة مع ظهور وانبثاق الحركات الوطنية العربية التي مزجت بين القومية والدين رغم توجهها العلماني كما فعل منظرو أحزاب البعث مثلا، لأنها اعتبرت أن الدين أو الإسلام خاصية ثقافية للشعوب العربية، بينما تطورت في اتجاه آخر النخبة والطبقات المتوسطة، بإحداث وانتشار الأحزاب والنقابات، وتوسيع أنظمة التعليم العلمانية المستمدة من النظام الأوروبي، ففي هذه الظروف، وفي هذا السياق، تطلّب التفرد السياسي والهوياتي صياغة هذه التوجهات في إطار “أسلمة الحداثة”، ومع التطورات الاجتماعية بدأت تظهر في هذه المجتمعات معارضة داخلية تدعو إلى إصلاحات جذرية على المستويين الاجتماعي والسياسي بشكل خاص، ونتيجة لكل هذه العوامل وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره، لم يبق أمام أغلب الأنظمة الاستبدادية أي خيار غير تغيير المشهد السياسي إلى عملية انتقال سياسي جديدة، وفي هذا الإطار، نعتبر أن المغرب مرّ من مراحل مهمة جدا في مسار عملية الدمقرطة التي انطلقت من النقاش العام مرورا بالحريات الفردية وانتهاء بمرحلة جبر ضرر ضحايا سنوات الرصاص، و”الإنصاف والمصالحة”، وصولا إلى دستور 2011 الذي كرّس المنهجية الديمقراطية، مقارنة بباقي الدول الأخرى التي تتقدم بخطوات محتشمة في هذا الاتجاه. كل هذا أرسى في المغرب العديد من المقومات والركائز الأساسية لاستكمال مسار البناء الديمقراطي الحقيقي. التجربة العربية الأخرى التي يمكن الاستشهاد بها أيضا في هذا السياق إلى جانب التجربة المغربية، وإن كانت هي الأخرى لم تصل بعد إلى النضج الكافي نتيجة العديد من العراقيل والأزمات الداخلية والخارجية، هي تجربة لبنان، حيث شهدت المطالبة بالديمقراطية في هذا البلد منعطفا مهما، بحكم دعمها من طرف الوسط الاجتماعي على اختلاف مشاربه: البورجوازية، بعض الطبقات المتوسطة، نخبة سياسية نشيطة، جمعيات مدنية.. وما إلى ذلك. من هنا يتضح أن العالم العربي بدأ بالتحرك نحو الديمقراطية نتيجة ضغوطات داخلية بالأساس، يمارسها الرأي العام، لكن هذا لا يمكن أن ينسينا بعض التدخلات الخارجية في هذا المجال؛ هذه الضغوطات أو التدخلات كانت تأتي إما من الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوربي، وكانت الأمور ترتبط بالدعم المادي بالخصوص الذي يقدمانه لمختلف الدول العربية مقابل استنبات بذور الديمقراطية فيها، وهذا الشكل من التدخل والدعم كان مع بداية ثمانينات القرن الماضي، ولا زال مستمرا إلى يومنا هذا، لكن دون ملاحظة أي استجابة حقيقية لطلب هذه القوى المانحة أو الداعمة من طرف هذه الدول، فقد تُلمس بعد التغييرات وبعض الإصلاحات السياسية، لكنها تبقى في حدها الأدنى شكلية وصورية ولا تمس الجوهر والعمق، غير أنه مع أحداث الحادي عشر شتنبر الشهيرة، تغيرت لهجة هذه القوى الغربية، وبالضبط الولايات المتحدة الأمريكية، تجاه العالم العربي، حيث أصبحت الدعوة إلى الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية شرطا أساسيا لأمنها واستقرارها، وبالتالي، زادت من حجم الدعم لهذه الدول لتحقيق هذه الغاية، ليبقى السؤال المطروح بناء على هذه المعطيات، هو إلى أي حد تبدو هذه القوى الغربية صادقة في دعوتها إلى دمقرطة المجتمعات العربية؟ ألا تبدو مصالحها مضمونة ومحفوظة مع هذه القيادات الحاكمة الحالية؟ ألا يمكن لأي إصلاح ديمقراطي حقيقي في المجتمعات العربية أن يعصف بالعديد من الامتيازات الضخمة في جميع الأصعدة التي تستفيد منها مع هذه الأنظمة اليوم ؟
لقد سبق لأحد الباحثين الأمريكيين أن طرح سؤالا ذات يوم، حول ما إذا كان تعزيز الديمقراطية لدى الشعوب العربية يصب في مصلحة السياسة التقليدية الأمريكية؟ ألا يمكن لهذه العملية أن تزعزع استقرار أصدقاء الأمريكيين؟ ألا يمكن أن تؤدي هذه العملية إلى صعود حكومات غير ديمقراطية ومعادية للأجانب؟ فسواء ضغطت الولايات المتحدة أو غيرها على بلدان العالم العربي لتبني الديمقراطية فيها، وسواء كانت جدية في ذلك أم غير جدية؟ وسواء أيضا خدمت هذه الديمقراطية مصالح وحسابات هذه القوى أم لا، فإن المنطق يقول أن البناء الديمقراطي شأن داخلي يجب أن يتبلور داخل الأوطان وليس خارجها، فإن الشعوب هي التي لها الحق في تقرير مصيرها ومستقبلها ومؤسساتها، فالدول الديمقراطية الحقيقية الآن والتي تمارس هذا النظام، كيف وصلت إلى ذلك؟ هل نتيجة بواعث وتحولات داخلية عميقة، أم عن طريق إملاءات خارجية ؟
لا يمكن البتة انتظار تدخل أو ضغط من أي جهة، وحينذاك تبدأ هذه الدول في التحرك، فالديمقراطية ثقافة وقناعة لا تزهر إلا وفق شروط تاريخية موضوعية، ونية حقيقية للتغيير والإصلاح تتقاطع فيها مصالح كل القوى الاجتماعية والسياسية السائدة في كل مجتمع.
نستطيع القول أن بعض المجتمعات العربية تسير بخطى حثيثة نحو ترسيخ الديمقراطية فيها، واستفادت بشكل أو بآخر من الإصلاحات التي تُقدم عليها، فتجربة المغرب في هذا المجال مقارنة مع باقي الشعوب العربية، تبقى تجربة محترمة، من الممكن أن تعطيه دفعة حقيقية على سلم الديمقراطية، ومتقدم جدا على مستوى الحريات، خاصة حريتي الرأي والتعبير، هذا علاوة على وجود تعددية حقيقية ومعارضة تمارس أدوارها وحكومة منتخبة وما إلى ذلك، في انتظار دائما ظهور بوادر إصلاحية أخرى قد تأتي في أي لحظة، لترميم الثغرات وسد الثقوب؛ فالمغرب له تاريخ مع التطور والإصلاح، وراكم تجارب مهمة في المضمار، من دون شك لا يخيفه ذلك، هذا في الوقت الذي لا زالت فيه بعض البلدان تعيش حروبا طاحنة يصعب فيها الحديث عن شيء اسمه الديمقراطية، أو فتح ولو كوة صغيرة في هذا الاتجاه، بل هناك دول أخرى لا تتيح أي إمكانية لتأسيس الأحزاب فيها، فما بالك الحديث عن الديمقراطية. كل هذا وغيره يعطينا الدليل على أن الديمقراطية في هذه الأوطان ستبقى حلما مؤجلا.



