تحقيقات أسبوعية

متابعات | مقترحات الأحزاب تحيي الجدل بين الحداثيين والأصوليين في قضية مدونة الأسرة

شرعت اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بتعديل مدونة الأسرة، في جمع مقترحات الأحزاب السياسية ورؤيتها في مشروع تعديل مدونة الأسرة الذي أضحى مشروعا ملكيا، بعدما حددت الرسالة الملكية أعضاء اللجنة والهيئات الاستشارية فيها، وذلك من أجل فتح باب النقاش والحوار مع جميع الهيئات الوطنية السياسية والثقافية والفكرية والمجتمع المدني، والهيئات التي تعنى بشؤون المرأة والطفل والأسرة.

إعداد: خالد الغازي

    توجه الكثير من الانتقادات للأحزاب السياسية، بسبب مسؤوليتها في فشل مدونة الأسرة السابقة، والتي ترافعت بأطيافها الحداثية والمحافظة لتطويرها لأجل الحفاظ على تماسك

تتمة المقال بعد الإعلان

الأسرة والمجتمع، من خلال المقترحات والتعديلات التي تقدمت بها، إلا أنه بعد مرور سنوات طويلة، تأكد فشل المدونة وعدم نجاحها في الحفاظ على الأسرة والحد من قضايا الطلاق، وارتفاع ظاهرة زواج القاصرات ومشاكل اجتماعية أخرى متعددة، لتخرج الأحزاب اليسارية عن صمتها مطالبة بإجراء تعديل شامل للمدونة يعطي للمرأة امتيازات، مثل الولاية ومراجعة التعصيب، غير أن هناك أحزابا أخرى تفضل الصمت بخصوص المواضيع المثيرة للجدل، مثل الإرث والمساواة بين الزوجين لتفادي حدوث خلافات داخلية، خاصة وأن داخل هذه الأحزاب الليبرالية، هناك برلمانيون ومنتخبون محافظون يرفضون المس بحقوق الرجال التي تؤطرها نصوص دينية في بعض الحالات.

وبالرغم من تشكيل اللجنة الملكية التي تضم مؤسسات القضاء ووزارة العدل ومجلس حقوق الإنسان والمجلس العلمي الأعلى، إلا أن هناك مخاوف كثيرة من تغليب كفة الأحزاب الحداثية على الأحزاب اليمينية المحافظة، خاصة وأن وزير العدل، أحد أقطاب اللجنة الملكية، يميل للفكر الحداثي بحكم انتمائه اليساري السابق، لأنه يقود حزبا سياسيا ليبراليا حداثيا، وسبق أن توعد بالذهاب بعيدا في تعديلات المدونة معتبرا أن تطور المجتمع لا يجب أن يظل مرتبطا بالجانب الشرعي، مما خلف غضبا كبيرا في صفوف المحافظين.

في هذا الإطار، يرى المحلل السياسي رشيد لزرق، أن مشروع مدونة الأسرة يمكن أن يوضح الفرز القيمي داخل المشهد السياسي، لكن الأحزاب في تكتيكاتها لم تستطع أن تترجم على مستوى الفعل والتخندق السياسي، على اعتبار أن انتخابات 8 شتنبر لأول مرة في المغرب تعطينا تجانسا قيميا، من خلال تشكيل حكومة ذات توجه ليبرالي، وبروز معارضة يسارية، غير أنه نتيجة للتكتيكات السياسية لم يتمم بالشكل الواضح في المشهد السياسي، موضحا أن الأحزاب المشكلة للحكومة هي أحزاب ليبرالية في توجهاتها، غير أن الليبرالية المحافظة التي يمثلها حزب الاستقلال والتي تجعله حزبا محافظا، عكس الليبرالية التي يمثلها حزبا الأصالة والمعاصرة والأحرار، اللذين يتبنيان مواقف ومقترحات حداثية.

تتمة المقال بعد الإعلان

واعتبر نفس المتحدث، أن مشروع مدونة الأسرة والقانون الجنائي يجعلان الأحزاب تصطف وفق تصوراتها الإيديولوجية، وبالتالي، فإن هذا ما أظهر بوادر التنسيق بين الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية استعدادا لتبني نفس الموقف في طرح مدونة الأسرة والقانون الجنائي، ومن خلال استقبال اللجنة للأحزاب السياسية وأطروحات هذه الأحزاب، توضح أن المرحلة القادمة ستكون وفق الاصطفاف على الأساس الإيديولوجي، مبرزا أن حزب الاتحاد الاشتراكي هو الذي عمل على خلط الأوراق على مستوى الإيديولوجية، بينما منذ تشكيل الحكومة، كان يعتبر زعيما للمعارضة التي رفضها مفضلا الدخول للحكومة، لكنه لم يكن في الموعد.

وأوضح لزرق أن اصطفاف الاتحاد في المعارضة أسفر عن ميلاد قطب اشتراكي، من خلال تنسيقه مع حزب التقدم والاشتراكية وبقية ممثلي اليسار في البرلمان، حيث كان من شأن هذا التنسيق في الأول أن يبرز المشهد السياسي، وكان يمكن استثماره في ممارسة المعارضة، التي تعطلت في الفترة الأخيرة بفعل تكتيكات كل حزب سياسي بعينه، وظل هناك تخبط، خاصة داخل مكوناتها، لاسيما على مستوى الأحزاب اليسارية الممثلة في البرلمان، والمتمثلة في الاتحاد الاشتراكي وحزب “الكتاب” واليسار الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار، وباقي الأقطاب اليسارية خارج المؤسسة التشريعية، وبالتالي، كان من المفروض أن تتقدم بمقترحات واحدة للجنة من خلال التنسيق فيما بينها، الشيء الذي لم يتم، بينما صنف حزب الحركة الشعبية، المتواجد أيضا في المعارضة، ضمن الأحزاب الليبرالية المحافظة، على غرار  حزب الاستقلال والعدالة والتنمية، غير أن الأمين العام الجديد محمد أوزين، لديه ميل إلى الأحزاب الحداثية الليبرالية.

الاتحاد الاشتراكي يؤكد على المساواة بين الجنسين

تتمة المقال بعد الإعلان

    حملت مذكرة مقترحات حزب الاتحاد الاشتراكي بخصوص مراجعة مدونة الأسرة، والتي قدمها للجنة، العديد من المعطيات والملاحظات قصد معالجة الاختلالات والإشكاليات المتعلقة بالأسرة والمرأة والأطفال التي تعرفها المدونة السابقة، مؤكدا على ضرورة إعادة تنظيم الزواج وبناء الأسرة، عبر منع تزويج الأطفال، خصوصا القاصرات اللواتي لا يتجاوز عمرهن 18 سنة، لضمان حقوقهن وسلامتهم الجسدية والنفسية، مع فرض عقوبات صارمة على كل من يتسبب في تزويج الأطفال، سواء كان الولي الأب أو الأم، مشددة على توفير الدعم الاجتماعي لضحايا زواج القاصرين، ومنع التعدد لضمان تكافؤ الحقوق بين الزوجين وتجنب الممارسات التي قد تؤدي إلى التمييز، وثبوت الزواج بالنسبة للراشدين فوق 18 سنة، وتوسيع نطاق توثيق عقد الزواج ليشمل ضباط الحالة المدنية والسلطة الإدارية، ثم تجريم عمليات الطرد من بيت الزوجية لضمان استقرار الأسرة وتعزيز دور المجتمع في مراقبة ومنع هذه الممارسات. ومن أبرز المقترحات التي تقدم بها حزب الاتحاد الاشتراكي: تحقيق الاستقرار الأسري والمجتمعي، إنشاء محاكم أسرة مستقلة، توحيد القوانين، تعزيز دور النيابة العامة، وضع إجراءات مسطرية لقضايا الأسرة، منع زواج الأطفال والقاصرات، منع التعدد، حصر أنواع الطلاق، هيكلة الوساطة الأسرية، الاعتراف بالبنوة، الولاية القانونية، والحضانة، ثم تحسين نظام الإرث.

وتضمنت مقترحات الحزب الاحتفاظ بأنواع الطلاق، كالشقاق والاتفاقي، مع إضافة تحسينات في النصوص القانونية لتوضيح الشروط والإجراءات المتبعة في كل نوع مع حذف الأنواع الأخرى للطلاق، والتي أصبحت متجاوزة، مع تنظيم وهيكلة الوساطة المؤسساتية في حل النزاعات الأسرية، وتحقيق فصل بين جهات الحكم والجهات المكلفة بالوساطة من خلال تعزيز دور الوساطة غير القضائية وتشجيع استخدامها لحل النزاعات الأسرية مع توفير التدريب والتأهيل للوسطاء المتخصصين، كما طالب بضرورة تعديل مفهوم الولاية ليأخذ الطفل حقوقه في الرعاية والحماية، عبر إلغاء أي مقتضيات قانونية تمييزية تحرم المرأة من حقها في الولاية على أبنائها مثل الأب، إلى جانب جعل النفقة مسؤولية مشتركة للزوجين بناء على الدخل، وتعزيز الحضانة للمرأة وتوفير الدعم القانوني والاجتماعي لها، ثم مراجعة مقتضيات نظام الإرث (التعصيب) لضمان توافقها مع مقاصد الاجتهاد الديني، واعتبار بيت الزوجية حقا للأبناء والزوجة أو الزوج وحذفه من قائمة الميراث للحفاظ على الأسرة ولتعزيز المساواة في توزيع الأموال والممتلكات.

أحزاب الأحرار والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية في اجتماعاتها مع اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة

حزب الأحرار يواكب الحداثيين

تتمة المقال بعد الإعلان

    من جهته، قدم حزب التجمع الوطني للأحرار مقترحاته وتصوراته إلى اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، التي اشتغلت عليها الفيدرالية الوطنية للمرأة التجمعية قصد تجويد النصوص القانونية المتعلقة بالأسرة، وتطوير الترسانة القانونية المتعلقة بالمرأة في المدونة، وتحقيق المناصفة وتعزيز حقوق المرأة، وذلك وفق ما نص عليه الدستور والمفاهيم الدينية وتطور المجتمع، مشددا على ضرورة مراجعة ظاهرة تزويج القاصرات، والوصاية القانونية على الأطفال والحريات العامة، وتحيين الآليات والتشريعات المتعلقة بوضعية النساء.

وأكد الحزب – خلال لقائه مع اللجنة المكلفة – على ضرورة تمكين الفتيات من الدراسة في العالم القروي ودعم آلية التربية والتكوين، وإدماج ثقافة المساواة في المقررات المدرسية، ومحاربة الأمية والھدر المدرسي، وتعزیز الحمایة الاجتماعیة للنساء والتغطیة الصحیة، والتمكين الاقتصادي والسیاسي للمرأة، وعدم التجاوز في أشكال العنف ضد المرأة، وبلورة سیاسات عمومية تأخذ بعین الاعتبار مقارنة النوع والنھوض بقیم المساواة والمناصفة، ومحاربة الصور النمطیة التي تكرس التمییز بین الجنسین على المستوى الإعلامي والعمل على تعزیز المساواة بین الرجل والمرأة.

أما بالنسبة لأبرز المقترحات التي تقدم بها حزب الحكومة، فقد كانت تساير جل مطالب الأحزاب التقدمية والحداثية بالرغم من كون الحزب ليبرالي، إلا أنه تبنى المواقف التي طرحتها أحزاب في المعارضة، مثل المنع الكامل لإمكانية الزواج قبل بلوغ سن 18 سنة، وتحصين حق الأم في حضانة أبنائها، وتكافؤ الحق بين الزوجين في الولاية الشرعية على الأبناء، ومعالجة اختلالات إثبات الزواج، وإقرار العدل في تدبير الأموال الناشئة أثناء الزواج، وإقرار المساواة والعدل في مساطر الطلاق والتطليق، ثم تسوية إشكاليات النفقة على الأبناء، والتقييد الأشد لتعديد الزوجات.

تتمة المقال بعد الإعلان

كما ركز حزب الأحرار في مقترحاته على “هاجس إيجاد التوازن الدقيق بين الحرص على تماسك الأسرة وانسجامها، وضمان حقوق المرأة والمصلحة الفضلى للطفل وحقوق الرجل، باعتبار الإصلاح يهدف لتمكين بلادنا من مدونة عصرية تراعي كل حقوق الأطراف”، مؤكدا على ضرورة اعتماد الخبرة الجينية في إثبات النسب، وإصلاح مؤسسة الصلح، والتخلي عن التعصيب وتوسيع وتحصين مكانة الوصية في الإرث.

الاستقلال يتمسك بالمذهب المالكي

    أما بالنسبة لحزب الاستقلال، فهو يعتبر من الأحزاب المحافظة على الصعيد الوطني ويتقاطع مع حزب الإسلاميين في العديد من النقاط والأمور التي تتعلق بمدونة الأسرة، خاصة المستمدة شرعيتها من المذهب المالكي والشريعة الإسلامية، لاسيما وأن مؤسسي الحزب كانوا من الفقهاء، لهذا كانت مقترحات الحزب وملاحظاته متوافقة مع المرجعية الدينية والقيم والتقاليد المغربية، مما جعله يطالب أمام اللجنة المكلفة بتعديل المدونة، بالحفاظ على المادة 400 من مدونة الأسرة، التي تحيل على المذهب المالكي في حالة عدم وجود نص قانوني لمعالجة قضية ما، والتي يتم اللجوء إليها خاصة في قضايا ثبوت الزوجية.

وأوصى الحزب ضمن مقترحاته، بإعادة النظر في الولاية وحضانة المرأة، بالإضافة إلى تجويد شروط تعدد الزوجات ورفع سقف سن زواج القاصرات، وضرورة احترام الخصوصية المغربية، وتعزيز تماسك الأسرة في ظل ارتفاع معدلات الطلاق، وضرورة إرساء آلية الصلح للأسرة وتعزيز حقوق المرأة والطفل ضمان وحماية المصالح الفضلى للأطفال.

في هذا الإطار، أكدت خديجة الزومي، رئيسة المنظمة النسوية الاستقلالية، على ضرورة إبقاء الفصل 400 من مدونة الأسرة، لأن المملكة المغربية تقوم على الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي، وإعادة تجويد شروط الحضانة الخاصة بالمرأة مع إعطائها حق الولاية والحضانة معا، مضيفة أن مقترحات الحزب تتضمن مطالب تهم مواضيع “تزويج القاصرات، وتدبير النفقة، والذمة المالية، ورعاية الأطفال، وإثبات النسب، والولاية، والحضانة”، مشيرة إلى أن زواج القاصرات يجب أن يحدد في سن السادسة عشر، حيث لا يمكن تصور زواج طفلة تحت هذا العمر وحرمانها من التمدرس، فيما اعتبرت موضوع تعدد الزوجات يجب تحسينه وتعزيز شروطه والأحكام المتعلقة به لتجنب الطلاق وتحسين جودة المعيشة بين الزوجين، وبالنسبة لموضوع الإرث المثير للجدل، قالت أن هذا الموضوع يتطلب دخول الاجتهاد الفقهي الإسلامي باعتباره صاحب الاختصاص.

الحركة الشعبية يفضل الوسطية

    بدوره، يعتبر حزب الحركة الشعبية من الأحزاب الليبرالية المحافظة فهو متمسك بالهوية المغربية مثل حزب الاستقلال، حيث أن مقترحاته التي يتبناها بخصوص مدونة الأسرة، تراعي التوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات الحداثة، ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي وضرورة المساواة بين الجنسين، خاصة في ظل مشاركة المرأة في العديد من المجالات، مؤكدا على تعديل الاختلالات التي تعرفها المدونة وفق ما يمليه الدين الإسلامي ومصلحة الأسرة والنساء والأطفال، ويكرس المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، من أجل بناء أسرة متوازنة قائمة على مبادئ المساواة والعدل والإنصاف والمسؤولية المشتركة بين الزوجين.

وحسب مصادر مطلعة، فإن حزب الحركة الشعبية تعتمد على المرجعية الفكرية والسياسية للحزب، المرتكزة على الليبرالية الاجتماعية والديمقراطية، في إطار الحفاظ على الخصوصية المغربية والقيم الأصيلة، والثوابت الجامعة للأمة بغية بناء أسرة متمسكة بقيم التضامن والتآزر والتكافل الاجتماعي، وقد تضمنت ملاحظات ومقترحات الحزب، ظاهرة زواج القاصرات وضرورة معالجة الظاهرة والحد منها، خاصة في البوادي، ثم مسألة الولاية والحضانة، ومعالجة ارتفاع ظاهرة الطلاق، والمساواة بين المرأة والرجل داخل مؤسسة الزواج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى