روبورتاج

ربورتاج | هجرة الممرضين تهدد مشروع الحماية الاجتماعية

أبرز تقرير للنقابة المستقلة للممرضين حول “هجرة الممرضين وتقنيي الصحة بالمغرب”، قدمته للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن ظاهرة هجرة الأطر الصحية أصبحت الأكثر طلبا والأكثر استقطابا عبر العالم مع ظهور وباء “كوفيد 19″، وعلى رأس هذه الأطر هناك فئة الممرضين وتقنيي الصحة، بحيث أصبحت مهنة التمريض تمثل أكثر المهن طلبا في سوق العمل والكفاءات الدولي، خاصة في الدول المتقدمة، بفعل تزايد الطلب على الخدمات الصحية وازدياد أمد الحياة ونسبة الشيخوخة والأمراض المزمنة.

إعداد: خالد الغازي

    حسب النقابة المستقلة للممرضين، فإن التحفيزات والأجور المغرية، والتأطير القانوني للمهن وظروف العمل المناسبة والاستقرار الوظيفي.. كل هذه الأمور أصبحت من أهم عوامل استقرار الأطر التمريضية، بينما غياب هذه العوامل هو المسبب الأساسي لهجرة الأطر التمريضية وتقنيي الصحة لدول توفر هذه ظروف اشتغال أحسن، مما يعني زيادة نزيف الأطر في البلدان الأصلية التي تعاني أساسا من شح الممرضين، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الخدمات المقدمة للمواطن ويزيد من ضغط العمل على الأطر المرابطة، والتي فضلت البقاء في بلدها على أمل تغيير الظروف وتحقيق بعض المطالب الضرورية، فالمغرب بدوره يعاني من نقص كبير في الأطر التمريضية وتقنيي الصحة، بل إنه لم يصل إلى تحقيق الحد الأدنى من المعايير الدولية في مجال الوفرة، فما بالك عندما يتعلق الأمر بالكيف والجودة وتفاقم هجرة الأطر التمريضية؟

وكشف تقرير النقابة، أن عدد الممرضين وتقنيي الصحة بالمغرب لا يتجاوز 34 ألفا، منهم عدد لا يتجاوز 29 ألفا في القطاع العام، وهو ما يعني أن المغرب من أقل الدول كثافة مهنية، حسب تصريح وزير الصحة خالد أيت الطالب، ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، فالمغرب يحتاج إلى 65 ألف ممرض وتقني حتى يتمكن من الوصول إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية، وهو اعتراف بوجود خصاص كبير في القطاع.

في هذا الصدد، أوضح مصطفى جعا، رئيس النقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة، أن ظاهرة هجرة الأطر التمريضية مستمرة خلال السنة الجارية، وذلك بسبب ظروف العمل والاستياء الذي يعم الأطر التمريضية نتيجة عدم استجابة الوزارة الوصية للمطالب التي تنتظرها الشغيلة، سواء المتعلقة بالزيادة في الأجور وتسوية وضعية الأطر، بالإضافة إلى إخراج القوانين المرتبطة بالمهنة وبتأسيس هيئة الممرضين، مضيفا أن الوزارة تتكتم عن الأرقام المتعلقة بهجرة الأطر التمريضية، غير أن الإحصائيات التي توصلت بها النقابة عبر الأجهزة والفروع، تفيد بأن نسبة الهجرة بلغت حوالي ألف شخص من الممرضين والممرضات الذين هاجروا البلاد إلى الخارج، مما أسفر عن خصاص كبير في العديد من المرافق العمومية، بحيث حتى المباريات التي تعلن عنها الوزارة الوصية لا يتم الإقبال عليها من قبل فئة الممرضين الذين يفضلون الهجرة إلى الخارج.

وأضاف نفس المتحدث، أن من أسباب الهجرة، عدم تحقيق المطالب التي تتقدم بها الأطر التمريضية عبر النقابات، منها الزيادة في الأجور، وظروف العمل غير المناسبة، وغياب التأطير القانوني للمهنة، بحيث أن الممرض الحامل للإجازة يشتغل في المستعجلات تحت الضغط ويقوم بعدة مهام وبعمل ثلاثة ممرضين آخرين مقابل 6 آلاف درهم، بينما ممرض في الضفة الأوروبية يتقاضى 3 آلاف يورو، مما يجعل غالبية الأطر يفكرون في الهجرة نحو أوروبا بسبب التحفيزات المالية وظروف العمل الملائمة، قائلا أننا بعيدين عن المعيار الدولي، وأن هناك خصاصا كبيرا يصل إلى 90 ألف مهني في القطاع، حسب تصريحات الحكومة، مما يؤكد على أن الممرضين يقومون بعمل كبير بسبب النقص الحاصل في بعض التخصصات، مثل الطب النفسي، وقسم التوليد، وقسم التخدير والإنعاش، الذي يشتغل فيه 2500 ممرض فقط، إذ يشرف ممرض واحد على 20 مريضا كما حصل في فترة جائحة “كورونا”.

وتابع المصدر ذاته موضحا: “هناك تحمل وضغط كبير، ولا توجد عدالة أجرية، وبالتالي، فهذه من أسباب الهجرة، حيث يوجد حاليا أطر لهم تجربة 15 سنة و20 سنة يفكرون في الهجرة، لأنه في الخارج، يتم توفير ظروف ملائمة للشغل، خاصة بالنسبة للأجور، لهذا نطالب الوزارة بالقيام بمجهود أكبر للحفاظ على الأطر التي لديها وللحد من الهجرة، خاصة وأن المطالب بسيطة وليست كبيرة إذا كنا فعلا نريد إنجاح ورش الحماية الاجتماعية المرتبط بمدى توفير الموارد البشرية، مع العلم أن هناك إغراءات من دول مثل كندا وألمانيا التي لديها ارتفاعا في نسب الشيخوخة والطب النفسي، وتقدم تحفيزات للممرضين، الشيء الذي يجعل الأطر التمريضية تفضل الهجرة نظرا للأجر المرتفع وظروف العمل الجيدة، لهذا لابد من التجاوب مع المطالب على الأقل للحفاظ على فئة من الممرضين ذوي الكفاءة والتجربة والتي فضلت البقاء في البلاد رغم أنه لديها مطالب بسيطة، لكنها لن تكلف ميزانية كبيرة”.

وأكد رئيس نقابة الممرضين، أن هناك العديد من الملفات العالقة، منها ملف الزيادة في أجور الممرضين، حسب البرنامج الحكومي الذي تحدث عن رفع أجرة الأطباء إلى 12 ألف درهم والممرضين إلى 8 آلاف درهم، إلى جانب ملفات أخرى لازال النقاش دائرا حولها، من أبرزها ملف الهيئة الوطنية للممرضين، لإنهاء العشوائية والفوضى في القطاع، والقطع مع المتطفلين على المهنة، إلى جانب الهيئات الوطنية الخاصة بالقابلات، والمروضين، إلا أن هناك توجها نحو تكوين هيئة واحدة تجمع جميع هذه الفئات لتنظيم المهنة في القطاعين العام والخاص، مشيرا إلى ضرورة معالجة ملف الترقي الخاص بالممرضين وتقنيي الصحة بعدما صدر القانون رقم 09.22 المتعلق بالوظيفة الصحية، والذي يقتضي تعديل نظام الترقيات على غرار الأنظمة الخاصة بمؤسسات عمومية أخرى، مثل إدارة السجون والأمن الوطني والقضاة وكتاب الضبط، حتى يكون هناك تحفيز للموارد البشرية في قطاع الصحة لإنجاح ورش الحماية الاجتماعية، في ظل تزايد ظاهرة الهجرة نحو الخارج.

وأشار مصطفى جعا إلى أن هناك إشكالية أخرى تتعلق بالتقاعد، مرتبطة بالمراكز الاستشفائية الجامعية، حيث هناك اختلافا وتمييزا للأطر التمريضية التي تشتغل في هذه المؤسسات، مثلا في الرباط، تنتمي الأطر التمريضية للصندوق المغربي للتقاعد، بينما الأطر في المستشفيات الجامعية بمراكش، ينتمون لصندوق “إركار”، المسمى النظام المغربي لمنح رواتب التقاعد، والذي يخصص فقط 6 آلاف درهم كأعلى راتب معاش حتى لو كان الإطار الصحي قضى 40 سنة في الخدمة وينتمي لخارج السلم، مضيفا أيضا أن هناك غموضا وضبابية تتعلق بالمنظومة الصحية (قانون الوظيفة الصحية رقم 09.22، قانون المجموعة الصحية الترابية 08.22)، إلى جانب المراسيم التطبيقية، التي تظل مرتبطة بورش الحماية الاجتماعية وتتطلب العناية بالموارد البشرية والأطر الصحية لتفادي فشل هذا المشروع، خاصة وأن تكلفة المشاكل المادية والقانونية لن تكلف 700 مليون درهم من الميزانية العامة المرصودة لورش الحماية الاجتماعية التي تصل لـ 50 مليار درهم.

وحسب تقرير نقابة الممرضين، فإن مغادرة الأطر التمريضية المؤهلة يكلف بلدانهم الكثير من الخسائر المادية، حيث لو استثمرت هذه الأموال الضائعة في أسباب الهجرة لساهمت في استقرار هذه الأطر في أوطانها، ففي تقرير لمنظمة الصحة العالمية، تقدر التكلفة المتوسطة للحصول على شهادة الإجازة في التمريض، بحوالي 50 ألف دولار، وقد تصل إلى 100 ألف دولار في أمريكا الشمالية، بينما في دول شبيهة بالمغرب مثل غانا، فتصل لـ 19 ألف دولار، وهو ما يعني خسائر بملايين الدولارات لهذه البلدان، الشيء الذي يدل على سوء التدبير في التعامل مع ملفات هذه الفئة التي أصبحت العملة الأكثر طلبا في مجال الهجرة.

وأفاد التقرير أن هجرة 10 آلاف ممرض على مدار عشر سنوات بمعدل ألف ممرض سنويا، يعني فقدان أكثر من 500 مليون درهم، وهو رقم يتجاوز بكثير تكلفة حل الملفات العالقة للممرضين لو كانت هناك إرادة سياسية حقيقية، لكن هذا لا ينعكس على الظروف المادية للممرضين، ولا يقابله أي اعتراف من السلطات الوصية، بل حتى المطالب الأساسية والتي عمرت طويلا، لم تتحقق بعد في ظل وجود سوق شغل أكثر تحفيزا وجاذبية، معتبرا أن أسباب ظاهرة هجرة الأطر التمريضية وتقنيي الصحة بالمغرب، هي نفس الأسباب المشتركة في العديد من الأنظمة، لكن مع بعض الخصوصية المتعلقة بالمهنة داخل المغرب، والتي يمكن إجمالها في ضعف الأجور، وظروف العمل وضغط العمل، وضعف التأطير القانوني للمهنة، وانسداد المسار المهني والتطور الوظيفي، وتعثر المسار الأكاديمي، وجاذبية المهنة بالخارج والتحفيزات والتسهيلات، مشيرا إلى أن الممرض الحاصل على الإجازة يتقاضى نفس الأجر (6200 درهم) رغم قضائه 30 سنة من العمل مقارنة بجسامة المهام وظروف العمل الصعبة.

وكشف التقرير، أن العوامل الأساسية لنزيف الهجرة لدى الفئات الشابة، تتمثل في ضعف التأطير القانوني للمهنة وعدم الحسم في تداخل الاختصاص الطبي مع الاختصاص التمريضي، حتى أصبحت الوزارة تغطي على الخصاص في بعض التخصصات الطبية، عن طريق الفرض القسري لبعض المهام على الممرضين بدعوى عدم القيام بالواجب الوظيفي دون الاعتراف الرسمي لهم بهذه الأعمال المهنية على غرار باقي الدول التي تملك منظومات صحية محترمة، فمثلا جل ممرضي التخدير يقومون بعملية التخدير والإنعاش لأغلب العمليات الجراحية، والقابلات يقمن بالإشراف على 80 في المائة من الولادات بالمغرب، والممرضون في المستعجلات يقومون بكل أعمال التقطيب والتجبيس بدون أي اعتراف من الوزارة، وهو ما يمكن اعتباره استغلالا لكفاءاتهم وتنكرا صريحا لكل ما يقدمونه للقطاع.

كما أن من بين الأسباب في هجرة الأطر التمريضية، هو غياب آفاق مهنية واضحة، وانسداد المسار المهني والأكاديمي، بحيث أنه رغم المطالبات العديدة بفتح أسلاك الماستر والدكتوراه، وتعهد السلطات الوصية بحل المشكل، إلا أن التسويف وتضييع الزمن المهني للممرضين، هو سيد الموقف، فأسلاك الماستر لا تتعدى أصابح اليد في مقابل آلاف الطلبات، وسلك الدكتوراه لم ير النور لحد الآن، ما يعني انسداد المسار المهني والترقي العلمي والوظيفي، والذي يضطر معه العديد من الممرضين إلى المغادرة صوب الخارج لأجل آفاق جديدة أكثر تحفيزا.

وخلص التقرير إلى ضرورة الإسراع بتحقيق المطالب المادية المشروعة لفئة الممرضين وتقنيي الصحة، والرفع الفوري من الأجور، والقطع مع كل أشكال التمييز الوظيفي، خاصة التعويض عن الأخطار المهنية من خلال إنصاف في التعويض، وتحقيق التكافؤ بين مقدمي العلاجات واعتماد نظام ترقية عادل وموحد بين مهنيي الصحة.

وأوصى التقرير بأهمية تحديث الترسانة القانونية المرتبطة بمهنة التمريض، وتحديد الأعمال المهنية والحد من تداخل الاختصاص بين العمل الطبي والتمريضي، وإخراج مصنف الأعمال، إلى جانب التسريع بإخراج الهيئة الوطنية للممرضين وتقني الصحة في أقرب وقت حماية للممارسة الجيدة للمهنة وحماية لصحة المواطن، والقضاء على كل أشكال التهميش والظلم لفئة الممرضين على مستوى المراكز الاستشفائية الجامعية.

ووفق تقرير برلماني للجنة الموضوعاتية حول المنظومة الصحية بالمغرب، فإن ضعف الموارد البشرية بالقطاع الصحي من بين أبرز معيقات تطور المنظومة الصحية ببلادنا، إذ يحتاج المغرب إلى 64 ألفا و774 ممرضا، و32 ألفا و387 طبيبا، بحيث يزداد هذا الواقع سوء مع ارتفاع وتيرة إحالة الأطر على التقاعد، وبزوغ ظاهرة هجرة الكفاءات التمريضية خارج المنظومة الصحية، في ظل ارتفاع عدد طلبات الاستقالة والترك القسري للوظيفة وضعف الإقبال على المناصب المالية المفتوحة، فمثلا مجموع المناصب المالية الخاصة بالفئة والتي تم فتحها نهاية السنة، لم يتجاوز 1800 منصب رغم أن عدد المتخرجين تجاوز 2500 منصب، وهو أمر سيتفاقم مع قوة الاستقطاب نحو الخارج، وضعف تفاعل وزارة الصحة مع مطالب الفئة التي قد تساهم في استقرار هذه الأطر، فالخصاص العالمي في ارتفاع وقدرته منظمة الصحة العالمية في 6 ملايين.

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى