تحقيقات أسبوعية

متابعات | الأطفال المنسيون في المغرب.. ضحايا ضعف القانون والإهمال الأسري

عندما يحل الشارع بدل الأسرة

الأطفال المنسيون أو أطفال الشوارع عددهم في تزايد مستمر داخل الأحياء والأزقة والدواوير والمداشر وفي الخلاء، وبجانب الطرقات هنا وهناك، تصادفهم ليلا ونهارا.. مدمنون على مواد وسوائل مخدرة مدمرة للجسد والجهاز العصبي والعقل، أنوفهم لا تفارق فوهات أكياس بلاستيكية بداخلها مادة “السيلسيون”، وأفواههم تمتص غازات مخدرة (البوفا) عن طريق مصاصات محشوة بإحكام داخل قنينات بلاستيكية مغلقة على شكل “شيشات صغيرة”، مملوءة بمواد وسموم مجهولة المصدر، يستمدون منها نشوتهم المؤقتة، تارة يسامرون المارة بأعينهم، وتارة يطلقون صرخات الآلام والأوجاع التي لا تفارقهم، وتارة أخرى يعنفونهم ويسرقون حاجياتهم..

بقلم: بوشعيب حمراوي

انتبهوا: أطفالنا بعقول وأفكار البالغين

    بات من الواجب تغيير نمط التعامل الأسري اليومي مع الأطفال، والانتباه إلى أن فئة كبيرة من الأطفال تختزن أفكار ومؤهلات الكبار، ولم يعد للتربية الأسرية وحتى المدرسية أدنى تأثير على سلوكاتها وممارساتها.. أطفال بعقول وأفكار البالغين وبثقافة تتعارض مع هوياتهم وإرثهم الأخلاقي والديني، لا يؤمنون بنصائح وتوجيهات آبائهم وأمهاتهم التي أصبحت متجاوزة في نظرهم، يجارون الكبار في فرض أبوتهم وأمومتهم للحظات، ويسمحون لهم بالانتشاء بها من أجل إرضائهم، واستخلاص ما يرغبون فيه منهم، من أموال وخدمات تافهة للترفيه والتسلية، ويعودون بعدها إلى عوالمهم الممزوجة بين الحقيقة والخيال، لينسجوها على هواهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا ما أنتجته التربية الحديثة، هذا ما حصلنا عليه، بسبب انشغالنا عنهم، وبسبب ما وفرناه لهم كبديل، من أساليب وتقنيات جديدة في الحياة، وأجهزة إلكترونية تفوق قدراتنا وقدراتهم العقلية، ووسائل علمية لم نشارك في إبداعها وصناعتها ولا حتى في برمجتها وترشيد توظيفها، فقبلنا بجعلها رهن إشارة عقول لم يكتمل بعد نموها الجسماني والعقلي، وقبلنا بتعبئة وشحن عقولهم بثقافات وطقوس أجنبية لا تمت بصلة لثقافة البلاد وطقوسها، وترسيخ مفاهيم متضاربة لديهم ومتناقضة مع كونهم أطفالا مغاربة ينتمون لبلد هو في حاجة إلى وطنيتهم وحبهم وتفانيهم وحمايتهم.

أطفال منسيون بالأطلس.. يمتهنون التسول

     وأنت تمتطي سيارتك متوجها إلى منطقة زيان، من أجل التجوال والترفيه والاستمتاع بعيون أم الربيع وبحيرة ويوان، واكتشاف طريق أجعبو، ومنطقة عين اللوح.. تسير وفي نيتك قضاء يوم ممتع رفقة الأهل والأحباب والأصدقاء، فتثير انتباهك طوابير أطفال الأطلس منتصبين في الجبال أو على جنبات الطريق الوطنية رقم 8، وخصوصا في النقطة الكلمترية الرابطة بين قيادة عين اللوح وبحيرة ويوان وعيون أم الربيع التابعة لإقليم خنيفرة.. “كائنات حية” في صورة أطفال مشردين تتراوح أعمارهم ما بين السنتين و14 سنة، لا يعرفون معنى المتعة والتجوال، يقضون النهار وأقساطا من الليل يتسولون،

تتمة المقال تحت الإعلان

ينتظرون بلهفة رؤية سيارة أو حافلة قادمة في اتجاههم على طول الطريق الوطنية المتدهورة، ليبدأوا في تقديم عروض التسول.. إشارات باليدين بعضها مفهوم كتقديم التحية والابتسامة الرقيقة، وبعضها يبقى لغزا محيرا لدى السائقين الذين في معظمهم زوار وسائحين، يعترضون السيارات وهم يقدمون رقصات أحيدوس بما لديهم من عتاد فني (بندير، تعريجة…)، أو بالاعتماد على الأيادي وهزات الأكتاف والأرجل، يطاردون السيارات ويرغمون أصحابها على التوقف من أجل منحهم دراهم قليلة أو أشياء عينية.. أطفال من ذوي الخبرة في التسول ومعهم آخرون لم يتقنوا بعد المشي والجري، ولا يدركون مخاطر الاعتراض المفاجئ للسيارات، يكتفون بترديد عبارات “اعطيني عشرين.. اعطيني جوج دريال…)، يفرحون عند توقف السيارات ونزول الراكبين لمحادثتهم، ويزدادون فرحا كلما طلب منهم تقديم خدمات كجلب الماء من الآبار المتواجدة على طول الطريق، حيث يهرعون كلهم إلى الآبار لجلب الماء من قاع البئر عبر الدلو المشدود بحبل، أو دفع سيارة بها عطب، أو الرد على استفسارات الركاب والتعريف قدر المستطاع بمنطقتهم.

الفقر المدقع والإهمال وغياب موارد مالية لدى العديد من الأسر بتلك المناطق وبمنطقة زيان على الخصوص، دفع ببعض الأطفال وبعض أرباب الأسر، إلى سلك طرق غير مشروعة للاسترزاق.. طفلان يحملان “بالتين” ويوهمان السائقين بأنهما يقومان بتنقية الطريق المتدهورة والمملوءة بالأتربة والحصى، وينتظران من وراء عملهما تلقي الدعم المالي من السائقين، نفس الفكرة نهجها بعض الكبار الذين كانوا يوقفون السائقين ويطلبون منهم دعمهم ماديا لترميم الطريق.

تتمة المقال تحت الإعلان

أطفال ضمنوا مراقد داخل مراكز حماية الطفولة وآخرون ينتظرون

     بقراءة سريعة في ماضي مجموعة من الأطفال المودعين بأحكام قضائية داخل مراكز حماية الطفولة بالمغرب، وأسباب تواجدهم داخلها، نستنتج كيف أن هذه المراكز تضم داخلها أحداثا جانحين ارتكبوا جنايات أو جنح إلى جانب أطفال أبرياء منهم من لازال في حاجة إلى حاضنة، أطفال وجدوا في وضعية صعبة  شاء القدر أن يبعدهم عن أسرهم بسبب الفقر أو الطلاق أو سجن الوالدين أو اليتم أو لأسباب أقل ما يمكن القول عنها أنها تافهة، كحالة بعض الأطفال الذين خرجوا للتجوال واللعب فتاهوا عن منازلهم ليجدوا أنفسهم يتنقلون من مركز لآخر، مما زاد من ضياعهم وإبعادهم عن أسرهم.. هؤلاء وأولئك معتقلون بتهمة التشرد أو لارتكابهم جنحة دون وعي منهم، أو بسبب إهمال الأسرة أو تفككها، منهم من أسعفه القدر وساق معه بعض أفراد أسرته أو أقاربه، فظلوا يترددون على زيارته، ومنهم من جرى إهمالهم ونسيانهم من طرف أم فقيرة أو مريضة، أو أب منحرف، أو بسبب طلاق الأبوين، ومنهم من وعدته الأم بالزيارة الدائمة بعد أن أوصته بالتنكر لها لضمان بقائه داخل المركز، لكن انتظاره طال، وشوقه لأمه زاد حرارة، دون أن يعرف لها مصيرا أو مكانا.

مثل هؤلاء الأطفال كثيرون، فئة منهم ضمنت مقعدا مريحا داخل مراكز حماية الطفولة بعدة مدن، ومنهم من لازالوا عرضة لقوى التشرد والإهمال تتقاذفهم الأيام والليالي بين الأزقة والشوارع.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد ذكرت مصادر مطلعة، وجود بعض الثغرات في القانون الجديد، تهم الأطفال الموجودين في حالة صعبة، حيث أن القانون الجنائي والمسطرة عرفت الأحداث أو الأطفال الموجودين في وضعية صعبة، على أساس أنهم لم يرتكبوا أي جناية أو جنحة، أو قد يكونوا ضحايا جنحة أو جناية أو إهمال أسري.. وتساءلت مصادرنا عن سبب إدراج هذه الفئة في قانون المسطرة الجنائية، وعن سبب عدم إيداعهم مؤسسات خيرية ودور الطالب، لتفادي الاختلاط من جهة، واحترام حقوقهم لعدم ارتكابهم لجنحة أو جناية، كما انتقدت الوسائل البدائية التي تعمل بها معظم هذه المراكز، ونقص في الموارد البشرية المتخصصة في التأطير التربوي والاجتماعي والنفسي والطبي، كما يجب إعادة النظر في اختصاصات هذه المؤسسات، خاصة بعد تعديل المسطرة الجنائية، فالمؤسسات أصبحت تستقبل أحداثا سنهم 18 سنة، وأحداثا في سن الرضاعة، مما يخلق ارتباكا داخل المؤسسات (من ناحية العمل التربوي والنفسي)، ويحد من عطاء المشرفين على تربية وتكوين الأحداث.. فكيف يعقل أن تتم إحالة أطفال في سن الرابعة أو الخامسة على مؤسسات ذات تخصص تكويني أو تعليمي؟ وما ذنب هذه الفئة من الأطفال التي وبسبب تعذر البقاء عليها في كنف والديها (نتيجة فقر أو تشرد أو طلاق أو سجن الوالدين أو أحدهما)، تم زجها في وسط غير آمن وبأمر قضائي لا وجود لأي سند قانوني له؟

وشددت ذات المصادر، على ضرورة معاقبة الأسر التي تهمل أطفالها، وإعطاء مجال واسع وسلطة وحماية أوسع للباحثات الاجتماعيات لمتابعة الحدث الجاني في المدرسة والأسرة والمؤسسة، وكذا الطفل المتخلى عنه أو المشرد، والتمييز بين الفئتين وتفادي الاختلاط بينها، كما نبهت إلى الخصاص الكبير في المتابعة النفسية للأطفال، بسبب غياب أطباء نفسانيين متعاقدين وملتزمين مع مراكز حماية الطفولة، فالطفل يحتاج داخل المؤسسة بالإضافة إلى التعليم والتكوين المهني، إلى المعالجة النفسية، والمربي ليس مؤهلا للقيام بدور الطبيب النفسي أو الخبير في علم النفس، فالمؤسسة في حاجة إلى زيارات مبرمجة للطب النفسي وطب الأطفال، كما يجب أن يتوفر الحدث على دفتر صحي، ومسح تلك الصورة القدحية التي يتلقاها من غالبية مكونات المجتمع، والتي تبقى لاصقة به حتى بعد خروجه من المؤسسة، كما أشارت المصادر نفسها، إلى غياب المشاركة الأسرية لآباء وأمهات الأحداث، وندرة الزيارات التي تقوم بها هذه الفئة، التي تصل عند البعض إلى حد القطيعة النهائية.

تتمة المقال تحت الإعلان

 في حاجة إلى الأمن التعليمي الوقائي

    يعتبر المفهوم الحقيقي للأمن التعليمي، وإن كان جزء من الأمن العام المتفرع، والمفروض ترسيخه في كل القطاعات وكل مناحي الحياة، (يعتبر) المنطلق الحقيقي والضامن لحياة باقي متفرعات الأمن العام الأخرى، فالأمن التعليمي يعني الشعب المغربي بكل فئاته، والكل يعرف أنه يعرف قصورا وارتباكا بسبب غياب دعم ومساندة كل الأطراف المعنية، فالمواطن المغربي لا بد أن يكون طرفا في المنظومة التربوية، فهو إما موظفا بالقطاع التربوي أو تلميذا أو طالبا أو ولي أمر أحدهما أو مسؤولا بقطاعات عمومية أو خاصة مؤثرة ومتأثرة بالقطاع التربوي، وهو ما يجعل من الأمن التعليمي مسلكا وجسرا لتحقيق الأمن العام الذي يدخل ضمن لائحة الواجبات والحقوق الخاصة بالفرد والجماعات، ويتطلب تظافر جهود الكل من أجل تحقيقه.

فالدولة هي الجهاز الوصي والحامي للأمن العام، لكن يبقى عملها في حاجة إلى أجهزة وأيادي وطنية بيضاء داعمة تواكب وتقترح وتشارك من أجل إرساء أسوار الأمن العام وتمتين بنيانه.

تتمة المقال تحت الإعلان

لا بديل عن رعاية الطفولة وتحصينها

    لن نحصل على مسار تنمية صحيح ومجدي ما دمنا نحصر “قيم المواطنة” في الخضوع والخنوع والامتثال للنخب، ونحصر الوطن في البلد، ونقيس درجة المواطنة بمستوى الولاءات للحكام.. فلن نتقدم شبرا واحدا عن رفقائنا داخل عدة دول، العالقين منذ سنوات في وحل ما يسمى “الانتقال الديمقراطي”، والمصنفين منذ عقود ضمن ما يعرف بـ”دول العالم الثالث” أو “الدول السائرة في طريق النمو”.. ما دمنا لا نغذي أطفالنا وشبابنا بقيم المواطنة الحقة، التي تفرضها الإنسانية والطبيعة بكل تجلياتها، فنحن لن نرقى بتعليمنا وثقافتنا في ظل ما يعرفه القطاعان من قصور وتجاوزات وثغرات، وما دامت المبادرات والمخططات والمشاريع والرؤى الحكومية دخيلة ومستوردة، يسكنها الهاجس الأمني والرغبة في الهيمنة والاستمرار تحت وصاية “العم سام” و”الخالة فرنسا” ومن يدور في فلكهما حيث وهم الأمان وزيف التنمية.

إن المواطنة الحقة تقتضي أن يحظى أطفالنا وشبابنا بالتربية اللازمة في كل المجالات السلوكية والتعليمية والثقافية والصحية والرياضية، وأن يكون هناك في قمة الهرم شرفاء يؤمنون بقدرة الأجيال على تسريع عمليات الانتقال بدون حاجة إلى دعم ملغم همّ أصحابه ثرواتنا الطبيعية وتدمير طاقاتنا البشرية وإعادة الاحتلال.. هي إذن، دعوة إلى الإيمان والتحلي بروح إصلاح مفاهيم التربية قبل الانكباب على تنفيذ إصلاحات في معظمها غير جادة، لا تزيد الشعب إلا إحباطا ويأسا وانحطاطا.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى