روبورتاج

ربورتاج | إهدار حقوق الصناع التقليديين بين الوزيرة عمور ودار الصانع

لا زال قطاع الصناعة التقليدية يتخبط في أزمة مستمرة منذ جائحة “كورونا”، بسبب ضعف الرواج والتسويق التجاري للمنتجات التقليدية، ومعاناة الصناع التقليديين والحرفيين في غياب أي مبادرة من قبل الجهات المختصة لدعم هذا المجال الحيوي والهام، والمرتبط بقطاع السياحة والإنتاج الوطني.

إعداد: خالد الغازي

    بالرغم من الشعارات والمعارض واستغلال الصناعة التقليدية في الترويج للسياحة المغربية على الصعيد العالمي، إلا أن الصناع التقليديين يرون أنهم مظلومين بسبب السياسة التي تنهجها الحكومة معهم، وخاصة وزارة السياحة والصناعة التقليدية التي تولي اهتمامها فقط للقطاع الأول وتهمل الصناع والحرفيين، حيث لم تقدم الوزيرة فاطمة الزهراء عمور، منذ توليها هذه الحقيبة، أي إضافة ملموسة للحرفيين وللصناع على مستوى القاعدة، حيث ظل اهتمام الوزارة منصبا فقط على أصحاب “الشكارة” والمنتخبين المتحكمين في الغرف الصناعية.

وضعية الصناعة التقليدية تضع الوزيرة عمور، أمام مسؤولية كبيرة، بسبب إغلاقها لباب الوزارة في وجه الهيئات والنقابات الممثلة للصناع التقليديين والجمعيات المهنية والحرفية، التي لم تجد أي تفاعل أو حوار من أجل مناقشة أوضاع الصناع والظروف الصعبة التي يشتغلون فيها، بالإضافة إلى ارتفاع ثمن المواد الأولية، ومشكل التغطية الصحية الذي يهدد مستقبل المهنيين الذين لا يتوفرون على الإمكانيات المادية لتسديد واجبات الضمان الاجتماعي.

تتمة المقال بعد الإعلان

المنافسة ومعاناة الصناع

رضوان العروسي

    في هذا السياق، يقول رضوان العروسي، رئيس الجمعية المغربية “الإشعاع للنحاسيات”، والمنسق الوطني للتنسيقية الوطنية لإنقاذ الصانع التقليدي، أن  “وضعية الصانع التقليدي لا تحتاج لمزيد من الشرح، بل يكفي أن نزور المدينة العتيقة بفاس أو مراكش، بحكم أن قطاع النحاسيات ينتشر في المدينتين بشكل كبير، فالمشاكل الكثيرة جدا ساهمت في الوضعية المزرية وهي لا تختلف في الجوهر عن واقع الصناعة التقليدية بشكل عام، وضعية حرجة للحرفي، لا سيما بعدما راكم مجموعة من الديون وواجبات الكراء منذ وباء كورونا وما رافقها من إغلاق وتوقف السياحة بشكل كبير، فقطاع النحاسيات يعيش مجموعة من المشاكل، أبزرها إقحام آلة الليزر المستعملة في القطاع والتي يمكن اعتبارها جريمة في حق الصناع التقليديين النحايسية، بحيث أن هذه الآلة لها انعكاسات على واقع القطاع، تسرح اليد العاملة وتضرب ما تبقى من فرص الشغل وتشكك وتسيء لمكانة الصناعة التقليدية عالميا، فهذه الآلة تم جلبها من الصين ولا يوجد قانون منظم يؤطر طريقة الاشتغال بها، حيث صرح أحد المشغلين في إحدى الخرجات الإعلامية، أن الساعة تعادل 30 يد صانع تقليدي، وهذا رقم خطير جدا يعطي صورة عن طريقة تسريح اليد العاملة”.

وأوضح نفس المتحدث، أن هناك مشكلا كبيرا، يتعلق بغلاء المواد الأولية بشكل كبير في ظل الزيادات التي يعرفها سعر ورق النحاس، الذي يعتمد عليه الحرفيون والصناع، والذي كان ثمنه قبل “كورونا” ما بين 80 و85 درهما، واليوم وصل لـ 175 درهما للكيلوغرام، بزيادة صاروخية انعكست على واقع الإنتاج وواقع التسويق، فالمنتوجات الأولية ارتفعت واليد العاملة تقلصت بسبب المنافسة من قبل المقاولات والشركات التي تعتمد على آلات “الليزر” الحديثة المستوردة من الصين، مشيرا إلى أن التسويق والإنتاج الذي يعاني منه الصانع، بالإضافة إلى مشكل آخر يعاني منه صناع فاس، يتمثل في الترحيل من المدينة العتيقة ونقلهم إلى الحي الحرفي رغم غياب وسائل النقل.

واعتبر العروسي أن إشراك الصناع التقليديين في التغطية الصحية الإجبارية خلق مشكلة كبيرة لهم، بسبب تراكم واجبات الانخراط التي وصلت لألفي درهم و1500 درهم، وهو مبلغ فوق طاقة الصناع والحرفيين الذين يعملون بشكل حر ولا يتلقون أي دعم مادي، محملا المسؤولية لرئيس الحكومة ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، التي ليست لديها أي مقاربة لإخراج الصناع التقليديين من عنق الزجاجة والأزمة، لغياب رؤية واضحة وحلول علمية، في ظل تدهور القطاع وتراجع عدد الصناع، إلى جانب رؤساء الغرف الذين يصرحون بأن مؤسساتهم مجرد هيئات استشارية.

تتمة المقال بعد الإعلان

الوزارة تهمش الصناعة التقليدية

    وقال رضوان العروسي، أن القانون الذي جاءت به حكومة العثماني، يتم تنزيله بشكل عشوائي واعتباطي، ولا يرقى لمستوى تطلعات الصناع، الشيء الذي دفع بسبع هيئات مهنية للقيام بمبادرة يوم 27 مارس الماضي ومراسلة الوزيرة قصد معالجة مشاكل القطاع الحقيقية، والتفاعل وفتح الباب أمام الجسم الجمعوي والمدني الذي يقود القطاع، حيث لم يتم الرد على المراسلات والطلبات التذكيرية، لفتح حوار واتصال مع الحرفيين قصد تحقيق التنمية لقطاع الصناعة التقليدية، إذ أن الوزارة تنهج فقط مقاربة فردية في اتخاذ القرارات وتقود القطاع إلى الهلاك، مضيفا أن الوزارة الوصية تركز اهتمامها فقط على السياحة، التي سجلت في السنة الماضية نسبة 120 في المائة من استعادة نشاطها، بينما الصناعة التقليدية لم تحقق أي عودة لنشاطها الطبيعي الذي كان قبل جائحة “كورونا”، بل ازدادت الأوضاع سوء في ظل استفادة لوبيات من التصدير وتحقيق الملايين وهي لا علاقة لها بالقطاع، في الوقت الذي يعيش فيه الحرفيون والمهنيون البؤس والفقر والتشرد.

فاطمة زايدة

بدورها قالت فاطمة زايدة، عضوة المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين والصناع التقليديين، أن “التعاونيات والصناع المهيكلين هم المستفيدون من رؤية 2030، بينما الحرفيون الذين لا يتوفرون على محلات أو وثائق إدارية أو رخص وغير مهيكلين، فهم الضحية”، متسائلة: كيف سيستفيدون في ظل الوضعية الصعبة التي يعيشونها؟ وهل لازالوا محسوبين على الصناع التقليديين، أم أصبحوا خارج دائرة الاهتمام ووضعهم يختلف من مدينة إلى أخرى وما مصيرهم؟ مضيفة أن الوضعية تفاقمت بالنسبة للصناع التقليديين بسبب الأزمة الصحية المرتبطة بجائحة “كورونا” والحرب الدائرة في أوكرانيا، الشيء الذي نتج عنه تدهور القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع الإقبال على منتجات الصناعة التقليدية.

وأوضحت ذات المتحدثة، أنه في قطاع الصناعة التقليدية، هناك شق إنتاجي وفني وآخر خدماتي، لكن الإشكال الحاصل يكمن في ندرة المواد الأولية بسبب الحرب الحاصلة في أوكرانيا وأزمة “كوفيد”، وذلك بسبب تراجع توريد المواد المستعملة في صناعة المنتجات التقليدية والتي تحتاج إلى مواد تكميلية أخرى خلال مراحل الإنتاج، والتي غير موجودة في السوق الوطنية، حيث يلجأ الصناع والحرفيون إلى الاشتغال بالمخزون الذي يرتفع سعره عند الموزعين بسبب ارتفاع الطلب وقلة العرض، مما زاد من تفاقم وضعية الصناع والحرفيين بسبب عدم قدرتهم على تحمل الغلاء الذي تعرفه المواد الأولية، منتقدة تركيز واهتمام الوزارة الوصية على قطاع السياحة بينما يتم استثناء قطاع الصناعة التقليدية من الدعم لأنه قطاع غير مهيكل، وقالت: “التسجيل في السجل الوطني للصناعة التقليدية مهم، وذلك حسب قانون 17-50 الذي يفرض التسجيل، بالإضافة إلى ورش التغطية الصحية، لكن الناس التي لا تستطيع الاستمرار في العمل بسبب صعوبة العمل والإكراهات، تعذر عليها تسديد الواجب الشهري والاشتراك بـ 140 درهما في صندوق الضمان الاجتماعي، والإشكالية المطروحة حاليا في الغرف الصناعية، هي التشطيب على الصناع من لوائح التسجيل بسبب عدم التزامهم بتأدية واجب انخراط الضمان الاجتماعي، مما سيجعل عدد الصناع يتراجع بشكل كبير”، معتبرة أن هذه الفترة مهمة وانتقالية تصب في هيكلة القطاع وتتطلب تسهيلات لإدماج الصناع التقليديين، خاصة وأن هناك فئة تنتمي للطبقة الفقيرة  تتصارع مع لقمة العيش ولا تستطيع تحمل تكاليف التغطية الصحية.

وشددت زايدة على ضرورة انخراط الصناع التقليديين والحرفيين في التنظيمات والهيئات المهنية الوطنية، ونقابة المهنيين، لأن الانخراط فقط في الجمعية لا يعطي مردودية بحكم نشاطها المحلي، بينما النقابات لديها قوة ترافعية قوية أكثر من الجمعية عكس الجمعية التي تظل محدودة على الصعيد المحلي، ولا تعطي المردودية، لأنها تشتغل على خصوصيات كل منطقة أو مدينة أو جماعة قروية، مشيرة إلى أن قطاع الصناعة التقليدية يشغل 22 في المائة (2.4 مليون من السكان) ويساهم بـ 7 في المائة في الناتج الإجمالي، لهذا، فالمطلوب من الصناع التقليديين الانخراط في هذه الدينامية لكي يستفيدوا أكثر من الفرص التي توفرها الدولة.

غياب التواصل من طرف الوزارة  

مريم إدحساين

    مريم إدحساين، رئيسة الرابطة المغربية لحرفيي الصناعة التقليدية، تقول أن الصناعة التقليدية تعيش وضعية صعبة بسبب غياب الحوار والتواصل مع الوزارة الوصية على القطاع، رغم وجود تكتلات مهنية وحرفية تمثل الصناع التقليديين منذ سنة 2016 من أجل التنظيم والتأطير، مضيفة أنه منذ سنوات لم يتم عقد إلا لقاءين فقط مع كاتبة الدولة السابقة، جميلة المصلي، بينما الوزيرة الحالية عمور، ولا الوزيرات السابقات، لم يعقدن أي لقاءات مع الهيئات والجمعيات لمناقشة واقع الصناعة التقليدية والمشاكل والتحديات، رغم توصلهن بعدة مراسلات وطلبات من أجل الحوار، وأضافت: “يفرضون علينا قوانين بدون مناقشة مع المهنيين والصناع، أو عقد نقاش كافي مع الحرفيين والصانع التقليدي، الذي يوجد خارج دائرة الاهتمام رغم أنه يساهم في بناء الوطن ويعتبر الاقتصاد الثاني وراء القطاع الفلاحي، من خلال حضور الصناع التقليديين بكثافة في المدن والقرى، فالمشكل المطروح، أن هذه الفئة غير موجودة ضمن مخططات وأجندة المسؤولين، نحن فقط يتم استغلالنا في المهرجانات والتظاهرات، أو في إصلاح بيوتهم وتزيينها”.

وأوضحت نفس المتحدثة، أنه عقب جائحة “كورونا”، يعيش الصناع التقليديون ظروفا اجتماعية صعبة، بسبب الديون وتراجع النشاط الاقتصادي والإقبال على المنتجات التقليدية، بالإضافة إلى إشكالية التغطية الصحية الإجبارية التي وضعت الصناع والحرفيين في مأزق كبير، بسبب عدم قدرتهم على تسديد واجبات الانخراط في صندوق الضمان الاجتماعي الذي فرض عليهم بدون إشعارهم، ورغم أن العديد من الصناع يحملون بطائق “راميد”، مشيرة إلى أن الغرف والمؤسسات قامت بنقل لوائح الصناع التقليديين الأحياء والموتى ومن اعتزل القطاع، إلى صندوق الضمان الاجتماعي دون معايير.

وتابعت إدحساين موضحة أن “هناك الآلاف الذين لم يعودوا يمارسون مهنة الصناعة التقليدية وتم تسجيلهم في نظام التغطية الصحية، وكاين اللي غير مهني وتم تسجيله، اليوم كاين السجل الوطني للصناعة التقليدية مزيان، لتحديد الصانع التقليدي والمعلم والمتعلم، ولكن قبل السجل، يجب تهييئ الهيئات التي تخدم، واللي خاصها تنطلق من القاعدة ومن الإطارات الجمعوية، والتي لم تطبق على أرض الواقع، مما خلق مشكلا كبيرا وخللا في تنفيذ وتنزيل القانون، خاص يكون تواصل مع الهيئات والجمعيات وفتح نقاش وانتقاء ممثلين لمناقشة واقع الصناعة التقليدية”، وأكدت على الغياب التام للمعلومة بخصوص البرامج والدعم المتعلق بقطاع الصناعة التقليدية، حيث يظل العضو المنتخب في الغرفة يعطي الأولوية للمقربين منه، للاستفادة من الدعم أو البرامج المواكبة، في حين أن الاستفادة من البرامج والدورات يجب أن يستفيد منها الجميع، مشيرة إلى أن هناك إشكالية أخرى تتعلق بغرف الصناعة في إطار الجهوية الموسعة، حيث أصبحت الملحقات الإقليمية فارغة لم يعد فيها برامج أو أي شيء، بالإضافة إلى غياب الموظفين والخدمات وعدم الالتزام.

طارق صديق

دار الصانع لأصحاب “الشكارة”

    انتقد العديد من الصناع التقليديين مؤسسة دار الصانع، التي يوجد على رأسها طارق صديق، والتي لا تولي أي اهتمام للصناع والحرفيين الصغار، بل تعطي الاهتمام فقط للصناع الكبار أو “أصحاب الشكارة”، أو المقاولات التي تشتغل في مجال التصدير أو تنظيم المعارض الخارجية، معتبرين أن هذه المؤسسة لا تقدم أي إضافة أو خدمة للحرفيين والصناع التقليديين الذين يجدون صعوبات وعراقيل كبيرة أمامهم من أجل تأسيس تعاونيات أو المشاركة في المعارض الوطنية والدولية.

ويقول رضوان العروسي، أن هذه المؤسسة لا أثر لها على واقع الحرفة، فهي تمثل “وجهة نظر فرنكفونية بقطاع الصناعة التقليدية”، حيث أن اللغة المعتمدة لا في البيانات الرسمية ولا في المعارض الدولية، ولا في البرامج ولا في كل ما يتعلق بدار الصانع، هي اللغة الفرنسية، وهذه إساءة واحتقار للصانع التقليدي العربي الأمازيغي الذي يمثل الهوية الثقافية للبلاد في منتجات الصناعة التقليدية، وبالتالي، ما علاقتنا باللغة الفرنسية حتى يتم اعتمادها في التواصل مع الصناع التقليديين؟”، يتساءل نفس المصدر، الذي انتقد طريقة تدبير دار الصانع لقطاع الصناعة التقليدية، التي تفتح المجال فقط لأصحاب الرأسمال والباطرونا، لاقتحام القطاع على حساب الصناع التقليديين، معتبرا أن هذه المؤسسة فتحت الباب لأصحاب الرأسمال والأجانب لاقتحام المجال وللاستفادة من تصدير منتجات الصناعة التقليدية المغربية دون أن ينعكس ذلك على الصناع والحرفيين.

بدورها، ترى مريم إدحساين، أن دار الصانع هي التي تشرف على تنظيم المعارض وتتحكم في الصناع التقليديين، فهي خاضعة للانتماءات الحزبية، وتولي الاهتمام فقط لأصحاب “الشكارة” رغم أنها تتلقى ميزانية مهمة من قبل الوزارة الوصية والحكومة لتنظيم المعارض الوطنية والخارجية، مضيفة أنها مؤسسة تشتغل مع لوبي خاص وتدبر بمنطق الانتماءات الحزبية.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى