للنقاش

للنقاش | عندما كانت الحرية زندقة وإسقاطا لحقوق الله

نحن وحقوق الإنسان

إذا كان المغرب اليوم مهتما بترسيخ ثقافة حقوق الإنسان أكثر من أي وقت مضى، في سياق الاختيار الديمقراطي والنهج الحداثي للبلاد، كما يشير إلى ذلك الدستور الأخير، فإن علاقة المغاربة بحقوق الإنسان أو البعض منها على الأقل (كالحرية)، لم تكن على ما يرام، حيث مرت عبر العديد من المنعرجات قبل أن نتطبع معها اليوم، ونرفع رهان الحريات الفردية، ولكي نفهم هذا الجدل المطروح اليوم بشأن الحرية، نعرض للسؤال التالي: كيف تطورت علاقتنا بـ”حقوق الإنسان”؟

بقلم: ذ. محمد جباري
أستاذ باحث في التاريخ وكاتب

الحرية.. زندقة!

    يعد أحمد الناصري – كمؤرخ وفقيه وموظف ومستشار للسلطان الحسن الأول – من أشهر المثقفين المغاربة الذين انتقدوا الحرية (الفرنجية) متهما إياها بالزندقة ((لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسا، أما إسقاطها لحقوق الله، فإن الله تعالى أوجب على تارك الصلاة والصوم وعلى شارب الخمر وعلى الزاني طائعا، حدودا معلومة، والحرية تقتضي إسقاط ذلك كما لا يخفى، وأما إسقاطها لحقوق الوالدين، فلأنهم خذلهم الله يقولون: إن الولد الحدث إذا وصل حد البلوغ والبنت البكر إذا بلغت سن العشرين مثلا يفعلان بأنفسهما ما شاءا ولا كلام للوالدين، وأما إسقاطها لحقوق الإنسانية، فإن الله تعالى لما خلق الإنسان، كرمه وشرفه بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل ويبعثه على الاتصاف بالفضائل، وبذلك تميز عما سواه من الحيوان، وضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور، بل يبيح للإنسان أن يتعاطى مع ما ينفر عنه الطبع وتأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش والزنا، لأنه ملك أمر نفسه فلا يلزم أن يتقيد بقيد ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة.. واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وحررها الفقهاء رضي الله عنهم في باب الحجر من كتبهم)).

والظاهر هنا أن نظرة الناصري للحرية نابعة من مرجعيته الدينية، التي يعتبرها محتوية على أجوبة لعصره، كما أن التصاق الحرية بالآخر، الذي يمثل تهديدا مباشرا للبلاد بالاحتلال، جعلته يتوجس منها، لأنها ((رمز لإرادة السيطرة والتوسع والغزو ينبغي مقاومته ومواجهته بالعودة إلى الأصول، والدفاع عن الهوية الثقافية في مواجهة الفكر الليبرالي وثقافة الآخر الأوروبي وحداثته…)). الواقع، أن موقف الناصري من الحرية، يتجلى في قوله: ((إنما النصارى أجربوا سائر البلاد، فأرادوا أن يجربوا هذا القطر السعيد الذي طهره الله من دنسهم)).

تتمة المقال بعد الإعلان

أما محمد بن جعفر الكتاني، فقد كتب نصا حول “حرية النصارى” شبيها بالناصري قائلا: ((الحرية عندهم عبارة عن أن كل واحد يدين بما شاء من الأديان، ويتمذهب بما أحب من المذاهب، ويفعل في نفسه ما شاء من غير تحجير عليه من أحد، ذكرا أم أنثى، بحيث لا عليه في الانتقال من دين الإسلام إلى دين النصرانية مثلا، ولا عليه في التمذهب بمذهب المعتزلة أو القدرية مثلا، ولا عليه في ترك الصلاة والصوم أو غيرهما مما يثبت في الدين المحمدي، ولا عليه في فعل الزنى أو اللواط، أو التعامل بالربى، أو غير ذلك مما نهي عنه فيه، ولا يخفى ما في هذا النسخ للشريعة المحمدية، ومن جملتها: التسوية بين المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي وغيرهم في جميع الأحكام، بحيث يقتل المسلم بالكافر ولو حربيا، ولا يتملك المسلم كافرا مسبيا…)).

لقد كان الرجلان ينظران إلى الحرية من باب ثنائية “دار الكفر” و”دار الإسلام” التي أطرت تفكيريهما، وهكذا تصبح المعادلة – حسب التصورين – أن التحرر يساوي الشر، وأنها (أي الحرية) بمثابة السم في الدسم!

علال الفاسي وحقوق الإنسان

    يرى علال الفاسي أن انتشار التفكير بين أفراد المجتمع كعادة يومية، رهين بمدى قبول حرية التفكير، ويؤكد في هذا الصدد، أنه لا أحد يقدر على تقييد الفكر الإنساني، ذلك أن الله عز وجل لم يجعل على أحد قيدا أو حجرا، فكل القيم التي نتمتع بها والأفكار التي نبدعها، لا قيمة ولا معنى لها إذا لم يفسح لها المجال للظهور، عبر منح الإنسان حق التعبير عما يعنُّ له من أفكار وآراء، فعندما تصادر حرية التعبير هذه، يؤدي ذلك إلى خنق الأفكار والعقول وتوقفها عن التفكير والإبداع، وبالتالي، تعرض الفكر الإنساني للركود والتصحر والموت. ويدافع علال الفاسي عن قوة وقيمة حرية التفكير، فيقول أن ((ثمة من الناس من هو على استعداد للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل التعبير عن رأيه)).

تتمة المقال بعد الإعلان

إن حرية التفكير تحتاج إلى جهد وصبر وتضحية، فهي عملية بناء وهدم في الوقت ذاته، لهذا نجد أن الغالبية من الناس تتخوف من الأفكار الجديدة، وتعتبرها خطرا على هويتها وتهديدا لـ”المنطقة الآمنة” التي تعيش فيها، وهذا الأمر يؤدي حتما إلى ضيق الأفق والانغلاق، الذي يرى في كل محاولة للتغيير، أو النقد، انقلابا وتهديدا للحياة.. إنها عقدة الخوف!

ويستشهد علال الفاسي بالفيلسوف اليوناني سقراط، الذي دافع عن حرية التفكير وأقر قيمتها الاجتماعية، حينما قال: ((إن الحياة لا تستحق الاعتبار إذا لم تقم بأنواع الحوار)) كما جعل الإسلام بدوره، النظر والتأمل شرطا لبناء المعرفة وبلوغ الحقيقة، وهذا معناه أن الإسلام لم يحرم على الفكر مس ومساءلة ومناقشة أي منطقة في الأرض كما السماء.

إن غياب حرية الفكر والتفكير يعني فقدان حاسة النقد والإنكار والاعتراض، فالذي لا يؤمن بقيمة حرية الفكر تجده يستصعب ويتوجس وينكر وجودها عند البعض الآخر، يقول علال الفاسي: ((إن التقزز الذي نحس به عندما يوجّه إلينا أحد نقدا ما، أو الامتعاض الذي نشعر به عندما نقرأ أفكارا متباينة لأفكارنا، إن ذلك كله دليل على الاضطهاد العظيم الذي وجدته الحرية))، وفي المقابل، يدعو علال الفاسي إلى التحرر من أثار الاضطهاد والنفاق الذي يسكننا، ونسمح لغيرنا بإبداء آرائهم حرة طليقة، حتى ولو كانت ضدنا، فالأفكار التي قد نعارضها يمكن أن تكون فرصة لتصحيح أغلاطنا.

ولقد تنبه علال الفاسي إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أنه ينبغي للذين يدافعون وينشرون المبادئ والقيم بين الناس، أن يكونوا قدوة لهم، بمعنى ينبغي أن تتطابق أقولهم مع أفعالهم وسلوكياتهم، ويقول أيضا ((إن كلمة الاستهزاء التي نلقيها جزافا، حينما نقرأ فكرة، أو مجابهة الفرد الذي يعرض علينا رأيه بها كثيرا ما تكون من أشد أنواع الاضطهاد الفكري))، ويعلل الفاسي سبب ما تلقاه الحرية من معارضات وحروب مضادة، أن الحرية شأنها شأن باقي الأشياء الجميلة، دائما تكون محاطة بكثير من المكاره.

كما يرى الفاسي أن الخجل يعد العائق الرئيسي الذي يحول بين الأفراد والتعبير عن آرائهم، ولهذا ((يجب أن نساعدهم على التحرر من قيودهم، ويجب أن لا نشترط كثيرا من البلاغة ولا من البيان، لأن مهمتنا قبل كل شيء، أن نكوّن الفكر الذي يمكن أن يقول، ومتى تكوّن، فإنه سيعبر عن نفسه بأي لسان)).

المرأة في ظل الإسلام

    يؤكد علال الفاسي، أن الذي يجهل حال المرأة في عهود الجاهلية، لا يمكنه أن يقدر قيمة الإصلاح والامتياز الذي جاء به الإسلام للمرأة، قصد تحسين وضعيتها وتمتيعها بحقوقها كاملة غير منقوصة.. ((والواقع أن الحقوق المدنية للمرأة المسلمة تفوق حقوق كل امرأة في مختلف القوانين والحضارات القديمة والمحدثة)).

لقد أنكر وآخذ الإسلام على الأمم الأخرى سوء معاملتها للمرأة، فالشريعة الإسلامية تخاطب المرأة كالرجل، كما وزع الإسلام المهام والمسؤوليات بين الرجل والمرأة كل حسب قدراته والواجبات المنوطة به، لكنه في الآن ذاته، لم يمنع المرأة من حرية اختيار أي عمل ترتاده لنفسها ما لم يتنافى وقواعد الشريعة. علاوة على ذلك، فقد صان الإسلام للمرأة شخصيتها، إذ حفظ اسمها من التغيير إلى اسم زوجها بعد الزواج كما هو الحال لدى الأمم الأخرى حيث تحمل الزوجة لقب وكنية زوجها.

ويكشف علال الفاسي، أنه ((رغم الانحطاط الذي طال البلاد العربية، وانعكس سلبا على المرأة، إلا أن الإسلام ظل حريصا على ضمان وصيانة حقوقها، ومن أجل تمتيع المرأة بحقوقها، ومنحها المكانة التي تستحقها واختارها لها الإسلام، يدعو الفاسي إلى أن يفسح لها المجال، وتعد للقدرة على أداء ما يطلب منها، ولكن قبل ذلك، يجب أن يتحرر الرجال أنفسهم من روح الجمود العتيق الذي جعلهم يفضلون التقاليد على الدين نفسه، ويعتبرون المرأة مجرد قنية للذة والاستمتاع ليس إلا…))، ذلك أن المرأة قادرة على ولوج العمل في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل إنها قد تصنع أعمالا جليلة وصنائع عظيمة.

 

محمد الحجوي وتعليم المرأة

    ألقى محمد الحجوي محاضرة في الرباط عام 1341هـ، أكد فيها على ضرورة تعليم المرأة تعليما عربيا إسلاميا، ينهل من السلف الصالح ونساءهم، محذرا من أن يؤدي ذلك إلى السفور وترك الحجاب، لأنه مثار الشهوة ومضاد للحياة والحشمة.

ويدافع الحجوي عن أطروحته في تعليم المرأة ويعرض لحجج من الشريعة الإسلامية، إذ لم يقف لا في الكتاب ولا في السنة، على أي دليل يمنع المرأة من التعلم، بل إن الأصوليين أكدوا أن المرأة يجوز لها أن تصل إلى رتبة الاجتهاد في علوم القرآن والسنة، وغيرها من العلوم الموصلة إليها، وهو ما قد يجعل المرأة تصل لرتبة مالك والشافعي، كما يتساءل الحجوي أنه إذا كان الإسلام كدين وكثقافة وعلم وأخلاق، فكيف يتصور أنه قد يمنع المرأة من التعلم؟ ويضرب أمثلة في ذلك قائلا: ((وفي الصحيح ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله تعالى وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فله أجران))، فإذا كان الإسلام يندبنا إلى تعليم الإماء حفظا لمجتمعنا من مفسدة جهلهن فما ظنك بتعليم الحرائر؟ كما يستشهد بالحديث الشريف: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم))، ويرى أن هذا الحديث شأنه شأن كل الأحكام التي تخاطب المسلم أو المؤمن باللفظ، لكن المسلمات والمؤمنات داخلات فيها من منطلق أن النساء شقائق الرجال في الأحكام، إضافة إلى أن الله لا يعبد إلا بالعلم والمرأة هنا داخلة في ذلك بلا شك، ولهذا يحث الحجوي أهل الفتاة أو زوجها على تعليمها، ويستشهد هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخصص يوما لتعليم النساء، ولم ينكر على نساء النصار مجيئهن إليه للسؤال عن الدين، وهو في جمع بين الصحابة.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى