متابعات

متابعات | ارتفاع معدل الجرائم الخطيرة يسائل قيم المغاربة

اهتز الرأي العام مؤخرا على وقع عدة جرائم هزت مدن طنجة وأكادير والجديدة، وخلقت نقاشا في مواقع التواصل الاجتماعي، طرحت مشكلة تراجع دور الأسرة في المجتمع والمنظومة التعليمية وتوتر العلاقة بين الأزواج، مما يدق ناقوس الخطر بسبب مستوى العنف الذي أصبح يعرفه المجتمع المغربي بالرغم من المجهودات التي تقوم بها الإدارة العامة للأمن الوطني من أجل التصدي للجريمة، ومحاربة تجارة المخدرات والأقراص المهلوسة، إلا أن تنامي منسوب الجريمة يكشف تراجع القيم والمبادئ الأخلاقية والوازع الديني لدى المغاربة، والتي توصي بضرورة حماية الأنفس وتقديس الحياة، وعدم المس بالسلامة الجسدية للآخرين مهما كانت الخلافات.

الرباط. الأسبوع

    الجريمة في تعريف علماء الاجتماع هي رد فعل يخالف الشعور العام للجماعة، وأنها أي فعل فردي أو جماعي يشكل خرقا لقواعد الضبط الاجتماعي التي أقرها المجتمع، والذي يمكن التعبير عنه بمجموعة من القيم والتقاليد والأعراف السائدة في المجتمع، فالجريمة عند إميل دوركايم (أحد مؤسسي علم الاجتماع) هي كل فعل أو امتناع يتعارض مع القيم والأفكار التي استقرت في وجدان الجماعة.

فقد أصبح المجتمع المغربي يعيش أزمة حقيقية في غياب آلية اجتماعية لمعالجة الجريمة بشتى أنواعها، حيث أن الجرائم البشعة التي حصلت مؤخرا (مقتل الشاب أنور على يد صديقته في طنجة، وجريمة حرق الشاب أمين ابن أكادير على يد صديقه، وجريمة مقتل زوج على يد زوجته في مدينة الجديدة) توحي بأن مشكل الجريمة يهدد الأمن العام للمغاربة.

تتمة المقال بعد الإعلان
محمد أكضيض

وبهذا الخصوص، يقول الخبير الأمني محمد أكضيض، أن الجريمة مرتبطة بالتحولات الاجتماعية والكثافة السكانية في المدن، إلى جانب إشكاليتي التعليم والبطالة في المجتمع، والتي تحاول الحكومة الحد منها، إلا أن الجريمة هي انفعالية وليست جريمة منظمة أو جريمة إرهابية، وتبقى معزولة، مشيدا بالعمل الذي يقوم به المغرب في التصدي للجريمة الإرهابية من خلال نهجه لسياسة استباقية واستراتيجية وطنية لمكافحة الجرائم في المدن من خلال الحملات التي تقوم بها مديرية الشرطة القضائية.

وأضاف أكضيض، أن جرائم القتل والسرقة بالعنف باستعمال الأسلحة البيضاء، تثير الرعب في صفوف المواطنين وبعدم الإحساس بالأمان، وهي راجعة لعدة أسباب أخرى وتراكمات سيكولوجية واجتماعية (الأسرة، ضعف التعليم، الهدر المدرسي، التفكك الأسري، وغيرها من الأسباب)، إضافة إلى عدم الوعي لدى الشباب بخطورة تعاطي والإدمان على المخدرات والأقراص المهلوسة، القادمة من خارج الحدود، وهي بمثابة حرب شرسة على المغرب، والتي يمكن اعتبارها مواد خطيرة مساهمة في ارتكاب عدد كبير من الجرائم، موضحا أن الأمن يقوم بدوره في مكافحة تجارة هذه الممنوعات والتصدي للجريمة في وسط الأحياء بمختلف المدن والمناطق، من خلال العمل بشكل مستمر 24/24، ويقوم بدور التقصي والبحث والتحري في الجريمة وفك لغزها من أجل الوصول إلى الجناة وتقديمهم إلى العدالة.

وحسب الخبير الأمني أكضيض، فإن جريمتي حرق شاب في أكادير ومقتل شاب في مدينة طنجة على يد صديقته، بالإضافة إلى جرائم أخرى هزت الرأي العام الوطني، تتطلب فتح نقاش حول ظاهرة العنف الذي يحصل في المجتمع ويؤدي إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم، واعتماد مقاربة اجتماعية مبنية على برامج هادفة للحد من تفشي الجريمة داخل الأحياء والمناطق الهامشية، والتي تحصل فيها خلافات بسيطة تتحول إلى صراعات تتطور إلى نزاعات بالسلاح الأبيض الذي يجرمه القانون، مشيرا إلى أن مفهوم الجريمة هو الإحساس بعدم الطمأنينة رغم أنها قد تحصل في مناطق متفرقة، إلا أنها تعطي شعورا لدى المواطن في الرباط أو مدينة أخرى بانعدام الأمان، حيث أن جريمة واحدة تهزم الرأي العام بسبب سرعة انتشارها في مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر وسائل الإعلام التي تزيد من نشر الخوف والرعب بتركيزها على هذه الجرائم.

وأكد ذات الخبير الأمني، أن الحصيلة التي كشفت عنها المديرية العامة للأمن الوطني لا تدعو للقلق بخصوص مستوى الجريمة في المجتمع، لأنها تظل في تراجع بفضل الاستراتيجية الجيدة التي تعمل بها مديرية الشرطة القضائية التي تتنقل عبر المدن معززة بالدعم، للقيام بحملات حول المبحوث عنهم ومكافحة الجريمة والأنشطة الممنوعة، وأيضا بهدف سد الخصاص الذي تعرفه الموارد البشرية والأطر الأمنية في بعض المناطق، والتي تتطلب المزيد من التوظيفات في ظل تزايد الكثافة السكانية في المدن، مضيفا أن المديرية العامة للأمن الوطني تتوفر حاليا على مختبرات علمية متخصصة في مسرح الجريمة وفك لغز الجرائم كيفما كانت تعقيداتها، وذلك بفضل ما تحتوي عليه من تكنولوجيا في التدقيق حول أثار مسرح الجريمة وكفاءات ودكاترة في مجال البيولوجيا والتحليل الجنائي داخل المختبرات، حيث تمكنت من فك لغز جريمة مقهى “لاكريم” بمراكش، والجريمة الإرهابية بمقهى أركانة، وجريمة السطو المسلح على وكالة بنكية بطنجة.

تتمة المقال بعد الإعلان
علي الشعباني

من جهته، يرى علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، أن هذا النوع من الجرائم هو قديم في المغرب، أي منذ عقدين من الزمن، فمنذ سنة 2000 ونحن نلاحظ وقوع مثل هذه الجرائم كما حصل في مكناس (جريمة مقتل المحامي)، وأيضا جرائم ضد الأصول وضد الفروع، وهي جرائم فظيعة جدا، معتبرا أن جريمتي أكادير وطنجة ليستا جديدتين ولا غريبتين عن مجتمعنا، وهذا مشكل كبير في المغرب، لأنه لم يكن يعرف مثل هذه الجرائم بحيث هناك نوع من الاحترام للأصول والفروع وبين الأزواج، وتقدير الحياة بصفة عامة، ولا يمكن أن يصل الإنسان لجرائم القتل إلا في حالات قليلة ومعزولة، أي عندما يكون هناك نوع من الاختلالات التي تدفع إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم.

وأضاف نفس المتحدث، أننا اليوم نعيش مع جرائم أصبحت بالنسبة للبعض عادية جدا، للأسف الشديد، وهذا شيء خطير يهدد الأمن والاستقرار في المجتمع المغربي، حيث أن حدوث هذه الجرائم يكشف أن هناك منظومتين أساسيتين تم التخلي عنهما بالكامل، ويتعلق الأمر بالقيم الأخلاقية، وبمنظومة التربية والتنشئة السليمة والتربية الاجتماعية، مبرزا أن منظومة القيم التي كانت تنفع الإنسان ذاتيا، يعني أنها تكون لديه الوازع الأخلاقي والقناعة ومجموعة من الالتزامات التي يعيش بها داخل المجتمع، لأننا نعيش في مجتمع متعدد الأطراف، ومصالحه متضاربة، غير أن ما يضمن هذه الحقوق للأفراد، هي تلك المنظومة الأساسية للقيم التي كانت ستكون بالنسبة للإنسان حصانة لعدم الوقوع في مثل هذه الانحرافات وهذه السلوكات الخطيرة، أما المنظومة التربوية، فقد تم تفريغها تماما من الأمور التي تجعل الإنسان يحب وطنه ويحب الآخر، وقبل كل شيء يحب ذاته فلا يسمح لها بأذية الناس وإيذاء نفسه، حيث أصبحنا نكره بعضنا البعض، لأنه ليس هناك في المناهج التربوية ما يمكن أن يقربنا إلى بعضنا البعض، فلا نجد فيها إلا ما يفرقنا، وما يقوي نزعة الحقد والكراهية في ما بين المواطنين.

وقال علي الشعباني: “إن المنظومة التربوية كانت لها مسؤولية كبيرة جدا وتم تخريبها والتخلي عن مبادئها، والروح التي كانت تتميز بها تلك المناهج والبرامج التي كانت تقوي روح المواطنة عند الإنسان، وتقوي ارتباطه بالبلد واحترامه للآخر، ثم إن الأسر كادت أن تقدم استقالتها من الوظائف التي كانت تقوم بها فيما يتعلق بالتربية والتنشئة الاجتماعية لأبنائها وشبابها، فالملاحظ حاليا أن العديد من الأسر لم تعد قادرة إطلاقا على القيام بهذه الوظائف التي كانت تقوم بها من قبل، وهناك بعض القوانين الغربية التي كبحت جماح الأسر، حيث أصبح ضرب الأبناء كوسيلة من وسائل الردع لدى معظم الأسر حرام، وفي المدرسة حرام، يعني الضرب على الوسائل التقويمية ولا أقصد الضرب من أجل العنف والاعتداء، وإنما التقويم التربوي من أجل التنشئة الاجتماعية السليمة والقويمة، فهناك مجموعة من العرائض التي تحول دون القيام بالواجبات التربوية الأساسية تجاه الأطفال، لا من طرف الآباء داخل الأسرة ولا من طرف المربين والمعلمين في المؤسسات التعليمية والتربوية”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى