روبورتاج

ربورتاج | فقراء الإدارات العمومية الذين لا تعترف بهم الدولة

عمال الإنعاش الوطني

يعيش عمال الإنعاش الوطني وضعية جد مزرية في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها جميع فئات المجتمع المغربي في ظل غلاء الأسعار وصعوبة توفير الأسر لحاجيات ومتطلبات الأبناء، الشيء الذي يجعل عمال وعاملات الإنعاش الوطني يعانون مشاكل متعددة أكثر من أجراء القطاع الخاص، رغم أنهم يشتغلون في إدارات عمومية إلى جانب موظفين عموميين، ويقومون بأدوار ومهام مثل الموظف العمومي.

إعداد: خالد الغازي

    إن الكثير من عمال الإنعاش الوطني يشتغلون في الجماعات المحلية والمقاطعات والمصالح الإدارية، ويقدمون خدمات عمومية للمواطنين والمرتفقين بشكل يومي، لكنهم يعتبرون موظفين خارج النظام الوظيفي ولا يحصلون على أي تقدير أو اعتراف من قبل مسؤوليهم، أو إشادة رغم الأدوار التي يقومون بها، سواء في قضاء شؤون المواطنين، أو تسوية الملفات العالقة وحل مشاكل متعددة مرتبطة بالشأن العام أو بمصالح الجماعة أو مؤسسات أخرى.

العديد من الأسئلة طرحت في البرلمان قصد النظر إلى وضعية هذه الفئة، التي يتم اعتبارها ضمن فئة الفلاحين، رغم أنهم يزاولون مهاما في الإدارات والمؤسسات العمومية، لكن الملاحظ هو تأجيل منح الحد الأدنى للأجور لهذه الفئة المظلومة، وتأخير انخراطها في الضمان الاجتماعي، مما يحول دون إدماجها في المشروع الملكي للحماية الاجتماعية الشاملة.

تتمة المقال بعد الإعلان

في هذا السياق، يرى محمد النحيلي، الكاتب العام الوطني للمنظمة الديمقراطية للجماعات المحلية، أن وضعية عمال وعاملات الإنعاش الوطني هي وضعية شاذة في بلادنا، في ظل وجود موظفين يشتغلون في مرافق عمومية ويقومون بأعمال ومهام لصالح الدولة ولا يتقاضون الحد الأدنى للأجر، وبينما تلزم أرباب المؤسسات والمقاولات باحترام الحد الأدنى للأجور، فإن العمال والموظفين الذين يشتغلون لديها لا يستفيدون من الحد الأدنى للأجر، معتبرا أن جميع المبررات وراء استمرار هذه الوضعية هي مبررات واهية، خاصة وأننا في زمن الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية للجميع، والتي تستوجب ألا يظل هؤلاء الموظفون خارج النظام، ولا بد من جرأة سياسية وشجاعة أدبية لتسوية هذا الملف بمسؤولية كاملة.

وقال النحيلي: “لا يمكن لمواطنين يقضون شبابهم في العمل داخل إدارات الدولة ويظلون خارج السياق، ويخرجون في الأخير بدون تقاعد وبدون تغطية صحية،  ويتم اعتبارهم من أصحاب نظام الراميد وليس في إطار التأمين الإجباري عن المرض، هؤلاء الناس ليست لهم لا تعاضدية ولا تغطية رغم أنهم يشتغلون كموظفين في مرافق عمومية، وهذا حيف كبير تجاههم، حيث تجد بنفس المرفق والإدارة موظفين يتقاضون الحد الأدنى للأجر وهناك من لا يتقاضاه، وهناك من هو مرتب في السلالم الإدارية للدولة، وهؤلاء الناس منهم ضمنيا حاملو الشهادات والدبلومات، وأبعد من ذلك، يعتبرون ركيزة أساسية في سيرورة العمل الإداري داخل المؤسسة التي يشتغلون فيها، ومن بينهم عمال داخل المرافق الإدارية وهناك أناس آخرين يقومون بأعمال وأشغال يدوية، ومهام جسيمة، لكنهم يظلون في خانة النسيان من طرف الحكومة، التي يجب عليها أن تتحمل هذا الملف بشجاعة أدبية ومسؤولية اجتماعية”.

وأكد نفس المتحدث أن جميع المواثيق الدولية ومواثيق منظمات العمل الدولية، لا تسمح باستغلال العمال الذين اعتبرهم “عبيد القرن الحالي”، نظرا للأجرة الهزيلة التي يتقاضونها والتي لا تتجاوز 1500 درهم، ولا تتضمن أي حقوق موازية من تغطية صحية وتأمين وتعويض عن العمل في العطل وغيرها، في ظل حديث الحكومة عن الحد الأدنى للأجر في حدود 3 آلاف درهم، مشددا على ضرورة تسوية وضعية هذه الفئة من العمال والعاملات والموظفين عبر البحث عن حلول لتسوية وضعيتهم، وإنهاء “ريع بطائق الإنعاش”، التي تحولت إلى “مأذونيات” في إطار الريع، خاصة في الأقاليم الجنوبية، الشيء الذي جعل هذا الملف يعرف شيئا من اللبس، في ظل وضع هؤلاء الموظفين والعمال رهن إشارة عدد من الإدارات العمومية، تحت رقابة ومواكبة من قبل المديرية العامة للإنعاش الوطني بوزارة الداخلية والتي تتعامل مع عمال الإنعاش في إطار عسكري وليس مدني”.

وانتقد النحيلي صمت العديد من المركزيات النقابية التي أصبحت تستغل وضعيتهم لتأطيرهم، لكن دون أن تطرح قضيتهم في الحوار الاجتماعي مع الحكومة ولا تطالب بتسوية ملفهم ليظلوا مستغلين من قبل الحكومة والدولة، حيث فرض على بعض النقابات أن تضم في جسدها التنظيمي هذه الفئة من العمال دون الإشارة والانتباه إلى حقوقهم والضغط من أجل تسوية وضعيتهم، مشيرا إلى أن  المنظمة الديمقراطية للشغل كانت أول من قامت بتأطير هذه الفئة، ونظمتهم بعدما كانوا في طي النسيان، وقدمت العديد من المبادرات من خلال تقديم ملفات مطلبية ومذكرات وتنظيم مسيرات احتجاجية ومراسلات حتى لمنظمة العمل الدولية، قائلا: “هذا الملف يتطلب مرافعة نقابية وبرنامجا نضاليا تلتف حوله كافة المركزيات، لإزالة ملامح استغلال واستعباد هذه الفئة التي يجب مكافأتها على كل المجهودات التي تقوم بها لصالح البلد”.

تتمة المقال بعد الإعلان

عمال الإنعاش لا علاقة لهم بالأوراش الفلاحية

    من جهتها، قالت سميرة نفيلي، مقررة المكتب الوطني لنقابة عمال وعاملات الإنعاش الوطني المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، أن وضعية عمال الإنعاش الوطني مزرية ومبهمة، تخضع في تسييرها للمديرية العامة للإنعاش الوطني التابعة لوزارة الداخلية، والميزانية المرصودة للقطاع تقدر بـ 800 مليون درهم، رغم أن هذه الفئة ساهمت عبر تاريخ المغرب، ماضيا وحاضرا، في إنجاز مهام وطنية كبرى، من قبيل مشروع “طريق الوحدة” في ستينات القرن الماضي، والذي أعاد ربط شمال المغرب بجنوبه، مضيفة أن هذه الفئة تشتغل في العديد من الإدارات العمومية المغربية والجماعات الترابية، ويتكلف بعضهم بمهام أساسية، يوجد ضمنهم حاملون لشواهد عليا ومتوسطة (باكالوريا، دبلوم الدراسات الجامعية العامة، إجازة، تقني…) ونظرا لطول سنوات العمل، يراكم أغلبهم خبرات كبيرة في مجال اشتغالهم، ومع ذلك فهم لا يحظون بالأجر اللائق بعملهم.

وأضافت ذات المتحدثة، أن عمال الإنعاش الوطني لا ينظمهم أي قانون من القوانين المعمول بها بخصوص الأجراء المغاربة، سواء في القطاع الخاص أو العام (عطل، أجور، تعويضات، معاش…) ونظرا لحرمانهم من الحق في التقاعد، فإنهم يشتغلون بين سن 18 سنة إلى ما فوق السبعين سنة، ويتقاضون أجرتهم دون احتساب أيام السبت والأحد رغم اشتغالهم طيلة أيام الأسبوع في غالب الأحيان، وحتى خارج أوقات العمل، وتتراوح بين 18 يوما و22 أو 24 يوما، حسب تقدير المسؤول المباشر دون الخضوع إلى ضوابط واضحة، كما لا تتغير الأوضاع المادية للعاملين بالإنعاش الوطني، نظرا لانعدام أي ترقية أو زيادة في الأجور أو حوافز أو تعويضات.

وكشفت سميرة نفيلي أن هذه الطبقة لم تجد لها مكانا ولم تستحق أي درجة في السلم الاجتماعي، رغم الحديث عن نموذج تنموي والعدالة الاجتماعية، بحيث لازالت تعاني من “انتهاكات في مغرب الحداثة والعولمة وحقوق الإنسان، فهذه الفئة العريضة والمهمة في المجتمع المغربي، سميت بعبيد القرن 21، لأنها تشتغل داخل وخارج الإدارات المغربية في جل الوزارات (وزارة الداخلية، وزارة الصحة، وزارة العدل، وزارة المالية، وزارة التعليم، وغيرها، لمدة تتراوح ما بين 10 و40 سنة دائمة دون انقطاع بأجر قدره 1500 درهم فقط، أو أقل، ولا يتوفرون سوى على واجب الشغل لساعات غير محدودة وغير مقننة، بدون تغطية صحية ولا تقاعد ولا أي حق يُذكر”.

وتابعت ذات النقابية موضحة، أن “قطاع الإنعاش الوطني هو القطاع الوحيد في المغرب الذي لم يعد عماله يعرفون إلى أي مشغل ينتمون ومن هو المسؤول عليه، قطاع تسوده الفوضى والتلاعب، قطاع تقدر ميزانيته بالملايير كما جاءت بذلك الإحصائيات، لكن للأسف، شغيلته من أضعف العمال فيما يخص الأجرة الشهرية والحقوق، ورغم الأشكال النضالية المستمرة التي خاضتها شغيلة القطاع، إلا أنها لم تجد بعد من يرأف بحالها ووزير الداخلية في كل ظهور له يخرج بتصريح مفاده أنهم عمال موسميون يشتغلون بأوراش فلاحية موسمية، الأمر الذي لا يمت للواقع بصلة، مما جعل الإنعاشيين يضعون حل مشكلتهم بين يدي الملك محمد السادس، ويأملون تدخله شخصيا بإعطاء أوامره السديدة من أجل رفع الظلم والحيف عن هذه الشريحة العريضة من أبناء شعبه الوفي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك بتسوية وضعيتهم المالية والإدارية”.

الخروقات القانونية والاجتماعية

    يحمل تقرير نقابي مسؤولية وضعية عمال وشغيلة الإنعاش الوطني، للحكومة ولوزارة الداخلية، التي تنهج أسلوب الصمت والبرلمان وكل المتدخلين في تسيير القطاع أمام الوضعية الإدارية والاجتماعية المزرية التي تعيشها هذه الفئة، وكذا إقصاءها من كل برامج الإصلاح والتنمية البشرية ومن الحوار الاجتماعي بشكل مثير للشك، في ظل غياب نظام أساسي أو قانون شغل يهيكل وينظم القطاع ويضمن حقوق الشغيلة كما هو الشأن في الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص، ما يجعل هذه الفئة “تعاني من عدة خروقات تقترف في حقها، والتي لا تمت للديمقراطية ولا للإنسانية بصلة”، حسب التقرير.

ومن بين المشاكل التي تعيق تحسين الوضعية الاجتماعية لهذه الفئة في المجتمع، وبين موظفي الإدارات العمومية، عدم تسوية الوضعية الإدارية للعمال ممن قضوا أكثر من سبع سنوات من الخدمة في القطاع الذي أعيروا إليه، بل منهم من تجاوز 30 و40 سنة من العمل ولم يتم إدماجه أو تأطير وتقنين وضعية الإعارة كما هو الشأن في الوظيفة العمومية حتى يضمن العامل كل حقوقه في إطار هذه الإعارة ومنها حق الإدماج في القطاع الذي يشغله، ويبقى العامل في إطار الاستغلال دون أدنى امتياز يمنحه له هذا القطاع المستغل كمنح أو تعويضات، حيث أن نظام الإعارة يعني وضع عامل الإنعاش الوطني تحت تصرف القطاع المستغل بصفة شمولية تسودها الضبابية التامة في انعدام التواصل وانعدام سبل للرقي بالذات.

من جهة أخرى، يعاني عمال الإنعاش الوطني من هضم حقوقهم القانونية المتمثلة في الزيادة في الأجرة أسوة بالزيادات التي تهم كل القطاعات المهيكلة للدولة، والحصول على بيان أو شهادة الأجرة، شهادة العمل، التعويض عن الأقدمية، التعويضات العائلية، منحة الولادة للمرأة والتي المفروض عليها العمل ثاني يوم بعد الولادة، غياب التأمين الصحي، انعدام التأمين على التقاعد، فالعامل يظل يزاول عمله إلى أن يعجز عن العمل إما بسبب المرض أو الشيخوخة أو حادثة شغل أو الوفاة، حيث أنه بمجرد ما يتوقف عن العمل بأحد الأسباب المذكورة، تقطع الإدارة كل صلة لها به دون تعويض أو صرف أجرة للمعاش، بالإضافة إلى عدم الاستفادة من الإجازة السنوية وإجازة المرض والأمومة، لأنه حتى ولو استفاد هذا العامل منها يتم اقتطاع تلك الأيام من مبلغ الأجرة الشهرية ما عدا لو منحت له من قبل المسؤول عنه كصدقة.

فالعديد من العمال يتعرضون لحوادث شغل خلال ممارسة مهامهم، لكنهم لا يتوفرون على الحماية من حوادث الشغل بتوفير اللوازم والأدوات الكفيلة بالحماية من مخاطر العمل، ولا يحصلون على أي تعويض عن حوادث الشغل حسب ما يخوله القانون بهذا الصدد، فهناك العديد من العمال أصيبوا أثناء مزاولتهم لعملهم بعاهات مستديمة ومنهم من وافته المنية ببعض الأقاليم دون أن تستفيد أسرهم من شيء، ولا يستفيدون من القروض، خاصة قروض السكن، نظرا لعدم توفرهم على رقم التأجير أو ضمان من الجهة المشغلة.

مهام متعددة وحقوق مهضومة

    يشتغل العديد من عمال الإنعاش الوطني كخدم لدى المسؤولين ورجال السلطة والمنتخبين، ويقدمون مهام متعددة مثل التنظيف والسياقة والتسوق رعاية الأطفال وساعي البريد، وقضاء الأغراض الخاصة للموظفين والمسؤولين، ويمكن تقسيم العاملين بقطاع الإنعاش الوطني إلى صنفين: فئة المياومين العرضيين الذين يشتغلون في الأوراش التي تقيمها العمالات والمندوبيات الإقليمية للإنعاش الوطني، منهم البناؤون والنجارون والسائقون، وفي الحدائق العمومية وحدائق الإدارات والمؤسسات العمومية، ومنازل بعض المسؤولين، وورشات الصيانة التابعة للعمالات والبلديات، كما أنهم يشتغلون سائقين خصوصيين لبعض المسؤولين، وحراس لبيوت بعض المسؤولين ولبعض الإدارات، وسعاة بين الإدارات، ويعملون في الظروف الاستثنائية، حيث تتم الاستعانة بهم في الفيضانات والحرائق وحملات التنظيف في بعض المناسبات.

وهناك فئة المياومين الدائمين المحسوبين على قطاع الإنعاش الوطني، وهم موظفين ببعض الإدارات (الجماعات الترابية، العمالات، الأقاليم، الصحة، المالية، التعاون الوطني، الأمن الوطني…)، بحيث يتم توزيع أجرة عمال الإنعاش الوطني على الشكل التالي: عامل غير متخصص يتقاضى 63.39 درهما عن كل يوم، وعامل متخصص يتقاضى 70.79 درهما عن كل يوم عمل، وعامل مؤهل يتقاضى 75.79 درهما عن كل يوم، كما يحصل عمال الإنعاش على أجرتهم دون احتساب أيام السبت والأحد رغم اشتغالهم طيلة أيام الأسبوع في غالب الأحيان وحتى خارج أوقات العمل، وتتراوح بين 18 و24 يوما حسب تقدير المسؤول الإقليمي دون الخضوع إلى ضوابط واضحة، كما لا تتغير الأوضاع المادية لهؤلاء العمال، نظرا لانعدام أي ترقية أو زيادة في الأجور أو حوافز أو تعويضات.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى