متابعات

متابعات | سياسيون يطالبون بتعديل مدونة الأسرة

لازالت قضية مدونة الأسرة تطرح نقاشا مجتمعيا وسياسيا داخل الأحزاب وفعاليات المجتمع المدني، لتحديد الاختلالات والثغرات التي تعرفها قوانين المدونة في ظل المشاكل الاجتماعية التي تعيشها العديد من الأسر، وارتفاع نسب الطلاق وظاهرة زواج القاصرات وغياب التوازن بين الرجل والمرأة في مسألة الحضانة والنفقة وتقاسم المسؤولية.

إعداد: خالد الغازي

    قال الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش المجيد:ك ((إذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية، لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها، ومن بينها عدم تطبيقها الصحيح، لأسباب سوسيولوجية متعددة، لاسيما وأن فئة من الموظفين ورجال العدالة ما زالوا يعتقدون أن هذه المدونة خاصة بالنساء، والواقع أن مدونة الأسرة ليست مدونة للرجل، كما أنها ليست خاصة بالمرأة، وإنما هي مدونة للأسرة كلها.. فالمدونة تقوم على التوازن، لأنها تعطي للمرأة حقوقها، وتعطي للرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال)).

وأضاف الملك ((كما يتعين تجاوز الاختلالات والسلبيات التي أبانت عنها التجربة، ومراجعة بعض البنود التي تم الانحراف بها عن أهدافها، إذا اقتضى الحال ذلك، وبصفتي أمير المؤمنين، وكما قلت في خطاب تقديم المدونة أمام البرلمان، فإنني لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله، لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية)) وشدد على ((ضرورة اعتماد منهجية تعددية وتشاورية في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح ، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية)).

تتمة المقال بعد الإعلان

فقد مرت أربعة أشهر تقريبا على الخطاب الملكي حول المدونة، لكن في غياب تام للحكومة من أجل فتح نقاش سياسي ومجتمعي مع جميع الهيئات والفعاليات السياسية والدينية والمدنية، قصد جمع مقترحات أو توصيات للأخذ بها خلال معالجة الاختلالات والنواقص التي تعرفها المدونة.

في هذا الإطار، قال الوزير السابق محمد الأعرج، خلال ندوة فكرية نظمها حزب الحركة الشعبية بعنوان: “مدونة الأسرة.. الحصيلة وضرورة الإصلاح”، أن “هذا الموضوع يطرح مقاربات وتساؤلات متعددة، التساؤل الأول، أنه بعد مرور أكثر من 3 أشهر من الدعوة الملكية لإعادة النظر في مدونة الأسرة، لا وجود لأي نقاش رسمي من طرف الحكومة حول تقديم مجموعة من مشاريع قوانين، أو فتح نقاش مع الهيئات السياسية لمناقشة هذا الموضوع، الذي جاء في الخطاب الملكي لعيد العرش منذ أزيد من ثلاثة أشهر، باستثناء النقاش الحاصل ما بين الأطياف السياسية والأحزاب حول هذا الموضوع، وداخل فضاءات الأحزاب، وبالتالي، يمكن تسجيل غياب الحكومة فيما يتعلق بفتح نقاش من طرفها مع الفعاليات المدنية والمجتمع المدني والهيئات السياسية”.

وأضاف الأعرج، أن “الدعوى الملكية كانت صريحة فيما يتعلق بمدونة الأسرة وحددت منهجية محكمة ودقيقة حول الآفاق المستقبلية لهذه المدونة، وأظن أن هناك هدفين أساسيين فيما يتعلق بتعديل المدونة: أولا، الآفاق ومشاركة المرأة المغربية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك تقييم حصيلة حوالي 20 سنة من تنزيل مدونة الأسرة بالمغرب، الإيجابيات والسلبيات وإمكانية تجاوز بعض الثغرات الموجودة فيها، وهنا لابد أن نستحضر الدعوة الملكية لإعادة النظر في مدونة الأسرة التي حددت طريقة الاشتغال فيما يتعلق باحترام الثوابت المؤطرة للنصوص القطعية، ثوابت الأمة المغربية التي تكمن في الدين الإسلامي ومقاصد الشريعة وخصوصية المجتمع المغربي، مع ضرورة الاحتكام واعتماد اعتدال واجتهاد منفتح فيما يتعلق بهذه المقتضيات المتعلقة بمدونة الأسرة”.

التشريعات الوطنية والدولية

تتمة المقال بعد الإعلان

    اعتبر الوزير السابق أن “مسألة ملاءمة التشريعات الوطنية مع التشريعات الدولية، تطرح نقاشا حادا بين أطياف المجتمع السياسي المغربي، خصوصا مع دستور المملكة، الذي أعطى سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية، لكن ذلك مشروط بالمصادقة والنشر في الجريدة الرسمية”، مضيفا أن “المغرب صادق على مجموعة من الاتفاقيات الدولية لمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وخصوصا اتفاقية سيداو، وسحب تحفظه على المادة 16 من الاتفاقية، الشيء الذي يعني ملاءمة التشريعات الوطنية وأن لا تكون هناك تحفظات في التشريع الوطني بما فيها تشريعات مقتضيات مدونة الأسرة، حيث أن المغرب ذهب بعيدا في قانون الجنسية، قانون التكفل وقانون الشغل، وأعطى للمرأة مكانة متميزة في ملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية”.

وأوضح أن مدونة الأسرة تطرح نقاشا قويا بين أطياف المجتمع المدني والأطياف السياسية في المغرب، خصوصا وأن هناك اتجاهين في المغرب: اتجاه يؤكد على ضرورة سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية كما جاء في دستور المغرب، خصوصا الفقرة ما قبل الأخيرة من دستور 2011، ولكن بالمقابل هناك المادة 175 منه التي تنص على ثوابت المملكة الدين الإسلامي، وأحكام الشريعة، مشيرا إلى أن الاتجاه الذي يطالب بضرورة سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية في ظل سحب المغرب مجموعة من التحفظات، سوف يصطدم بالاتجاه الآخر المحافظ رغم أن هناك مجموعة من القوانين التي لم يحصل حولها خلاف، مثل قانون الجنسية أو القانون الجنائي وغيره.

وأكد نفس المتحدث على ضرورة تقييم حصيلة تطبيق مدونة الأسرة خلال السنوات الماضية، وفي نفس الوقت استحضار الدعوة الملكية التي حددت منهجية الاشتغال على مستوى الأسرة، وهي الاحتكام إلى الثوابت والاجتهاد والاعتدال والانفتاح ربما على مجموعة من الاتفاقيات والمقتضيات القانونية، مبرزا أن الموضوع يطرح نقاشا يتعلق ما بين الخصوصية الوطنية والمقاربة الكونية، متسائلا: هل نأخذ بالمقاربة الكونية فيما يتعلق بضرورة التشريعات الوطنية بما فيها مدونة الأسرة، أم تسحب تحفظات المغرب من مجموعة من المقتضيات الواردة في الاتفاقية الدولية لمناهضة أشكال التمييز، أم لا بد من الاحتكام إلى ثوابت المملكة والدستور الذي يفضي إلى أن الدين الإسلامي هو دين الدولة؟”

القاضي وزواج القاصر

    يرى محمد الجهوري، قاضي سابق في المحكمة الدستورية، أن مدونة الأسرة أسندت لقاضي الأسرة سلطة تقديرية لمنح الإذن بالزواج للفتاة القاصر أو الفتى دون سن الأهلية، حيث يساعده في هذا القرار والدي القاصر أو نائبهما الشرعي مع وجوب الاستعانة بالخبرة الطبية، أو بحث اجتماعي، حيث تكون للقاضي سلطة واسعة وقراراته لا تسير في اتجاه معين، بل تختلف حسب الظروف الاجتماعية والمكانية والزمانية، لا سيما وأن المشرع لم يحدد الحد الأدنى للسن الذي تنطلق منه سلطة القاضي التي تتوقف عند سن 18 سنة، لذلك أوجب المشرع في المدونة تعديل قرار القاضي بالطعن بالاستئناف طبقا للقواعد العاملة.

وأضاف ذات المصدر، أن المشرع أسند رعاية القاصرين إلى شخصين: النائب الشرعي وقاضي الأسرة، هذا الأخير لا يحضر عند إبرام عقد زواج القاصر بعد أن يمنح الإذن بذلك، لكن في حالة امتنع النائب ولي الأمر عن الموافقة، يمكن الرجوع إلى القاضي في الواقعة، وفي كل الحالات التي تعرف إشكاليات مترتبة عن تنوع النواب الشرعيين مثل الأب والأم والوصي من طرف الأم، مشيرا إلى أن هناك أبوابا في مدونة الأسرة يجب أن تكون موضوع اهتمام ومراجعة، وليست مراجعة الأسس التي حددها الخالق وحددها الملك، فقط الإشكاليات المترتبة عن الزواج، وقال: “وصلت نسبة الطلاق إلى 45 في المائة من عقود الزواج، حيث كانت سابقا 28 ألف حالة طلاق، واليوم أصبحت 100 ألف حالة طلاق”.

واعتبر القاضي الجوهري، أن الإشكال الذي لا يتحدث عنه أي أحد، يكمن في عقد الزواج الذي يعد كجميع العقود رغم أنه عقد نكاح، لكن يمكن أن يتضمن أي شرط يصون حقوق المرأة، ويمكنها أن تشترط شروطا أخرى كمبالغ مالية أو شروطا مقبولة، مشددا على ضرورة تقوية مضامين عقد الزواج بتشاور مع الجهات المسؤولة، سواء المجلس العلمي الأعلى أو مجلس الإفتاء، والجهات المؤهلة.

بدورها، تحدثت غيثة الحاتمي، عن ظاهرة زواج القاصرات، في ظل وجود اتفاقيات وقوانين تؤكد على حماية الطفولة، والمشرع المغربي يؤكد بدوره هذا المبدأ، إلا أن الفصل 19 من المدونة ترك الباب مفتوحا للسماح بتزويج القاصرات، مشددة على أهمية تعديل المدونة وإعادة النظر في الفصول التي تحدد سن الزواج، وخاصة المواد 20 و21 و22 التي تسمح بتزويج القاصرات.

 

تعديل وفق ثوابت المملكة

    أكدت جميلة المصلي، الوزيرة السابقة رئيسة منظمة نساء العدالة والتنمية، على أهمية التجربة المغربية في مجال تعديل قوانين الأحوال الشخصية، حيث تم تعزيز مدونة الأحوال بمدونة الأسرة سنة 2004، التي أعطت نموذجا مغربيا يتعلق بقانون الأسرة الذي هو في نفس الوقت يمسك بالثوابت المرجعية الإسلامية وينفتح على المشترك الإنساني دون المس بهذه الثوابت، مضيفة أن قانون الأسرة أو الأحوال الشخصية خضع لعدة تعديلات سنوات 1961 و1965 و1979 إلى غاية سنة 1992، حيث تم وضع نص قانوني مرتبط بالأسرة، إلى أن جاءت مدونة الأسرة.

وأوضحت ذات المتحدثة، أنه بعد مرور عشرين سنة على قانون الأسرة، هناك أمور تحتاج إلى تعديل وأخرى إلى حسن تطبيق، ولكن مع ضرورة الانتباه إلى الرجوع إلى الأطر المرجعية والمحددات المنهجية، التي تكمن في الثوابت الدينية باعتبار أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للأمة المغربية والاختيارات الدينية المحسومة في إطار إمارة المؤمنين، والعقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، مع ضرورة الوضوح والتوازن والوسطية والاعتدال، وقالت: “إن الدستور المغربي أكد على أن مرجعية الأمة هي المرجعية الإسلامية، وأن المغرب قطع أشواطا مهمة جدا وحقق مكتسبات في مجال التشريع، مثل قانون الجنسية، والقانون الجنائي، والمسطرة الجنائية، رغم أنها تخضع لتعديلات، وقوانين مرتبطة بالتكافل، وقانون مناهضة العنف ضد النساء، والتي تؤكد أهمية الترسانة القانونية التي تحمي حقوق المرأة”، مؤكدة على “ضرورة التفاعل مع الأعراف والثقافة المغربية الأصيلة والتي جعلت مجموعة من المبادئ تأخذ بعين الاعتبار في الاجتهاد والسعاية والجراية، وغيرها من فتاوى العلماء المغاربة.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى