للنقاش

للنقاش | الاستبداد في صياغة قانون مهنة المحاماة

تعتبر نقابة المحامين من أقدم النقابات التي تأسست في العالم العربي منذ سنة 1912، وهي تلعب دورا حيويا في إعلاء معايير المهنة وحماية أعضائها من الملاحقة القضائية والتعسفات والانتهاكات والقيود التي لا موجب لها، وتسعى إلى توفير الخدمات القانونية لكل من يحتاج إليها، والتعاون مع المؤسسات العمومية وغيرها، من أجل تعزيز أهداف العدالة وخدمة المصلحة العامة للبلاد، لهذا يجب على الحكومات – في إطار تشريعاتها – أن تحترم المبادئ الأساسية لدور المحامين، كما يجب عليها فسح المجال لهيآت المحامين لكي تساهم في صياغة قانون مهنة المحاماة، لأن نقابة المحامين فريدة من نوعها من حيث قوانينها التي تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة في المجتمع.

بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة

    إن إشراك المحامين في وضع قانون مهنة المحاماة، يفجر طاقاتهم المهنية ويتيح لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم وتطلعاتهم وطموحاتهم بكل حرية، ويشعرهم بالاطمئنان والرضى على ممارسة المهنة في ظل دولة الحق والقانون، ورغم النقاش الواسع الذي تثيره مسألة النظام التسلطي الذي يعرقل مسيرة النضال من أجل تحقيق نظام ديمقراطي في الوطن العربي بصفة عامة منذ عدة عقود، فإن مشاركة المحامين في النقاشات العامة المتعلقة بوضع القوانين وتحقيق العدالة والمساواة تكاد تكون منعدمة، على اعتبار أن الحكومات العربية تنظر إلى مهنة المحاماة كخصم سياسي، بسبب الأفكار التحررية التي تحملها هذه المهنة، ومن أهم مميزات الدولة الديمقراطية، فتح باب الحوار والتشاور والتشارك بين جميع مكونات المجتمع للتخفيف من حدة النزاعات والاضطرابات، والتشجيع على التفكير وإبداء الآراء ووجهات النظر، لكن عندما يتم إقصاء المحامين من المشاركة في صياغة مسودة قانون مهنة المحاماة دون طرح هذا المشروع للنقاش أمام نقابات المحامين وجمعيات المحامين الشباب من أجل إبراز النقائص والثغرات والمشاكل التي تعرفها المهنة، فهذا يعبر عن التمزقات السياسية في الدولة والنزعة التسلطية الاستبدادية التي تؤدي إلى حرمان نقابات المحامين من المشاركة في وضع القوانين التي تنظم مهنتهم، ومضايقتهم وإعاقة الدور الذي يقومون به، وتخويفهم وتكبيل إرادتهم ومحاولة شل قدراتهم النضالية والدفاعية والفكرية في أداء وظائفهم، فهذه السياسة لا تخدم المصلحة العامة للبلاد، ولهذا انتبهت الدساتير في الدول الديمقراطية لسمو ونبل رسالة المحاماة وبالغ أهميتها لتحقيق العدالة وضمان سيرها، فرسخوا مفاهيم الحماية لهذه المهنة النبيلة وللمدافعين عن حقوق المواطنين، خوفا من بطش وتعسف السلطة الحاكمة، والتاريخ شاهد على أن عظماء المحامين كانوا من أبرز رجال السياسة الذين ساهموا في صياغة دساتير بلدانهم ووضعوا قوانين مهنة المحاماة بأنفسهم دون تدخل السلطات الحاكمة التي تسعى دائما إلى تلجيم أفواه المحامين المدافعين عن مصلحة الأمة وعن الحماية الكاملة لحقوق الإنسان والحريات العامة الأساسية المقررة لجميع الأشخاص، اقتصادية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو مدنية أو سياسية، والتي تقتضي حصول جميع المواطنين على خدمات قانونية يقدمها لهم المحامون المستقلون عن جميع السلطات، لذلك، فإن استفراد السلطة الحاكمة بصياغة قانون المحاماة، يهدف إلى تركيع المحامين وجعلهم أداة طيعة في يد السلطة تحركهم كما تشاء لمصلحتها.

كما أن نقابات المحامين لها دور أساسي في الرفع من معايير المهنة وآدابها وحماية أعضائها من الانتهاكات المفروضة على حرية الرأي والتعبير، لأن حرية الرأي والمحاماة توأمان، فلا يمكن للمحامي أداء واجبه المهني وهو فاقد الحرية، ولهذا السبب بالذات كان قدماء اليونان يمنعون العبيد من ممارسة مهنة المحاماة حفاظا على كرامة المحامي، لأن العبيد في ذلك الزمان لم يكونوا أحرارا قادرين على تحمل هذه المسؤولية، ولا يستطيعون الدفاع عن المظلوم ولا يقدرون على محاجة القاضي الند للند، فالمحامي يساوي الكرامة والكرامة تقتضي الحرية، إذن، فالمحامي يساوي الحرية، ولم تقتصر مهنة المحاماة عند اليونان على الدفاع عن حقوق ومصالح المواطنين وشرفهم وحياتهم، بل كان يعهد للمحامي بالدفاع عن مصلحة الوطن كلما تحرجت الأمور.

فنقابة المحامين هي التي يتطلع إليها الشعب لقيادته في ميادين كثيرة، فكان المحامون على مر العصور في طليعة المدافعين عن حقوق وحريات الشعوب المضطهدة، واستطاعوا عن طريق النضال تغيير أنظمة سياسية طاغية مستبدة وتحقيق مطالب شعوبهم والأمثلة كثيرة على ذلك، نذكر منها على سبيل المثال، نضال وكفاح زعيم شعب جنوب إفريقيا، المحامي الأسطوري نيلسون مانديلا، صانع حرية شعبه الذي قضى 26 سنة في سجون النظام العنصري “الأبرتايد”، واستطاع تحرير بلاده من العنصرية والقمع والاضطهاد، وكذلك المحامي ماهاتما غاندي، الزعيم الهندي الذي استطاع تحرير بلاده من الاستعمار الإنجليزي، والمحامي المصري المشهور سعد زغلول، زعيم حزب “الوفد”، الذي كان أول من طالب باستقلال مصر عن الاستعمار الإنجليزي، ويحكى أنه ذهب ذات يوم إلى حاكم مصر إسماعيل الخديوي، وطلب منه الابتعاد عن التدخل في شؤون القضاء والتشويش على مهنة المحاماة، وهذه فعلا هي الصفات التي يجب أن يتميز بها نقيب المحامين، الشجاعة والكرامة والدفاع عن صيانة أهداف مهنة المحاماة، والتاريخ مليء بأمثال هؤلاء المحامين العظماء بمواقفهم الجريئة وثقافتهم وعلومهم ونضالهم من أجل الرفع من مستوى مهنة المحاماة، بالمقابل، إنه من المحزن أن نشاهد في بلادنا بعض المحامين يتعرضون للمتابعة التأديبية من طرف هيأة المحامين بسبب التعبير عن آرائهم المهنية والسياسية.

تتمة المقال بعد الإعلان

مؤخرا، وبعدما عرفت السودان احتجاجات وتظاهرات شعبية وأزمة سياسية حادة، أعدت لجنة من هيأة المحامين في الخرطوم، مسودة الدستور الجديد للبلاد تقدمت به إلى الآلية الثلاثية من أجل حل النزاع، فرحبت به قوى سياسية مؤثرة في البلاد كمخرج للأزمة، فهنا يتجلى دور المحامين في المشاركة الفعالة في سن القوانين وفي المشاركة السياسية، في حين أن وزارة العدل في بلادنا التي تم تجريدها من صلاحياتها، تستبد في صياغة قانون مهنة المحاماة دون إشراك المحامين الذين يهمهم الأمر بالدرجة الأولى.

إن تردي وتدني مستوى مهنة المحاماة في بلادنا وطغيان السلطة الحكومية على مهنة المحاماة، يكمن في ضعف المحامين أنفسهم وعدم قدرتهم على مواجهة القوى التسلطية في الدولة، فالمحامي بطبيعته ثائر ضد الطغيان والاستبداد، الذي يتجلى في إقصاء المحامين من المشاركة في صياغة قانون مهنة المحاماة ويبرز بوضوح النزعة التسلطية التي تسعى إلى اختراق مهنة المحاماة وشل دورها النضالي الطلائعي، ومحاولة جعلها امتدادا لسلطتها الاستبدادية بهدف تحقيق احتكار مصادر القوة وجعل المحامين خاضعين لها.

في مفهومها الاجتماعي والنضالي، يمكن تعريف مهنة المحاماة بأنها أداة الحرية وتحسين العدالة، فوظيفة المحامي لا تقتصر فقط على المشورة والمرافعة والعمل داخل المكتب، بل إن واجباته ومسؤولياته تسمو كثيرا عن مجرد هذه الجهود التي تبذل لكسب العيش، فهو ليس مطالبا فقط بالمساهمة في إصلاح القضاء وتحقيق العدالة بين الناس، وتطوير القانون والدفاع عن كرامة مهنة المحاماة، بل لا بد للمحامي أن يفي بالتزاماته التاريخية في الدفاع عن الحرية والمساواة ومواجهة مخاطر الظلم والاستبداد والتسلط والفساد بجميع أشكاله، لكن – مع الأسف – أصبحت مهنة المحاماة في بلادنا ميدانا لـ”استعراض العضلات” داخل قاعات المحاكم والمبارزة واستعمال الحيل لكسب المال بجميع الأساليب غير الشرعية عبر شبكة عنكبوتية هي عبارة عن مصيدة يعلق بها المتقاضون المغفلون تسمى السمسرة، وفي المقابل، يوجد عدد كبير من المحامين المناضلين يجاهرون بمحاربة الفساد الذي ينخر مهنة المحاماة، يعيشون في العزة والكرامة لا يمدون أيديهم للفساد، ومن جهة أخرى، كم من مواطن فاسد يبحث عن محامي فاسد له علاقة بالقاضي ولا يهمه مستواه الثقافي أو نزاهته أو كفاءته القانونية والحقوقية بقدر ما تهمه علاقته “الطيبة” مع القاضي المرتشي الذي بيده ملف القضية، فالمحامي النزيه يقضي الليل ساهرا باحثا منقبا حتى إذا ما أتم عمله وأرضى ضميره المهني، فوجئ بصدور حكم مخالف للقانون بسبب الأعمال الشيطانية التي تفسد حسن سير العدالة وتظلم الناس وتهضم حقوقهم وتشتت أسرهم وتهدم بيوتهم، بسبب جرة قلم القاضي المرتشي.

إنه فعلا لأمر يدعو للقلق والحزن الشديد على واقع مهنة المحاماة والقضاء، نظرا لاهتزاز ثقة المواطنين في قضاء بلادنا بالشكل المخيف، بل وتكون هذه الثقة منعدمة حين يجد المواطن نفسه طرفا في النزاع أمام القضاء، فيصبح المواطن المظلوم والمحامي النزيه ضحيتان معا يشعران بالظلم، وهنا يتجلى مظهر إذلال وهدم سمعة مهنة المحاماة التي تفقد قوتها وهيبتها ودورها الرائد في الدفاع عن الحقوق والحريات.. هذا هو واقع مهنة المحاماة والقضاء في بلادنا.

تتمة المقال بعد الإعلان

إن موضوع المحامي والرشوة التي يسميها بعض المنحرفين “قهوة”، أصبح ظاهرة سلبية في بلادنا، حيث تحولت الرشوة والفساد المهني إلى سلوك وثقافة لدى بعض المحامين رغم أن كل مهنة فيها الخائن والأمين والرفيع والوضيع والجاهل والعالم، قد يسيء بعض المحامين لقواعد المهنة ولا تدان المهنة كلها بذلك، وطريق النجاح في المحاماة هو البحث عن المهارة في استنباط الأدلة وسردها، والمقدرة الخطابية والصدق والالتزام بأخلاقيات وأدبيات المهنة، والابتعاد عن تحريف الحقيقة، لأن المحاماة مهنة شريفة تؤدي خدمة عامة وتعيش في ظل الحرية وتسعى إلى تحقيق العدل وتطبيق القانون، وهي رسالة إنسانية نبيلة.

في الختام أقول: أيها المحامي، كن صاحب عزة وكرامة وإياك أن تنحني أمام المفسدين مهما كلفك ذلك من متاعب ومصاعب، لأن الانحناء والركوع ليس من صفات المحامي.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى