للنقاش

زمن الهجرة.. الأنواع ء الأسباب والنتائج

للنقاش

إذا تأملنا في الحركة السكانية، نخلص إلى أن زماننا هذا هو زمن الهجرة بامتياز، فمن أين تكون الانطلاقة، وإلى أين الاتجاه؟ وما هو مصير البشرية بسبب هذه التنقلات؟ فالكل يتنقل من هنا إلى هناك، ومن القرية إلى المدينة، ومن الحواضر إلى البوادي، ومن بلد إلى بلد آخر، جوا وبرا وبحرا، وبالصحاري والجبال والسهول والهضاب، ومن ليست لديه الرغبة في ذلك، تجده مرغما على الرحيل من بيته الذي يأويه إلى بيت آخر قد يرضيه، لكن هجرة البلد الأصلي شرعيا أو بشكل غير شرعي نحو بلد الاستقبال، هي التي تغري العباد وتذهب الأرواح والأجساد، وتسيل المداد.

 

بقلم: ذ. الحسن العبد

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    الهجرة كمصطلح – حسب المتخصصين – هي انتقال الناس أفرادا أو جماعات، من موطنهم الأصلي إلى مكان آخر، والاستقرار فيه بشكل دائم، أو مؤقت، وذلك بحثا عن مستوى أفضل للعيش والسكن والأمن والأمان، أما عن الهجرة في المصطلح الشرعي، فنجدها إما تشير إلى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مع أصحابه الكرام، وإما تأتي بمعنى هجر المحرمات التي نهانا الله عز وجل عنها، وتشمل الهجرة الظاهرة والهجرة الباطنة.

 

ما هي أنواع الهجرة التي اتفق عليها الدارسون المختصون ؟

    تأتي الهجرة الداخلية في الدرجة الأولى، وهي الهجرة من مكان لمكان داخل حدود الدولة الواحدة، بمعنى أنه لا يتم الانتقال خارج الدولة، مثل الهجرة من القرى إلى المدن، ومن المدن أو القرى إلى الصحاري من أجل تعميرها، وتتميز الهجرة الداخلية بأنها زهيدة الثمن بالمقارنة مع الهجرة الخارجية، وغير مكلفة كثيرا إذا ما نحن قارنناها بنظيرتها الخارجية، كما أن الهجرة الداخلية لها العديد من الأسباب، والتي تتمثل في الزيادة السكانية في محل الإقامة، أو تعيينات العمل، أو الانتقال من الوظيفة أو لغرض الزواج، أو وجود اضطرابات في مكان المعيشة لأسباب مختلفة ومتباينة ومتداخلة، وكذلك لأسباب طبيعية ومناخية وبيئية.

تتمة المقال بعد الإعلان

ثم تأتي الهجرة الخارجية، التي يقصد بها الهجرة التي تحدث من دولة إلى أخرى، أي من البلد الأصلي إلى بلد الاستقبال، وهذا النوع من الهجرة هو أكثر أنواع الهجرة انتشارا في العالم، حيث تندرج تحتها في نفس الوقت الهجرة غير  الشرعية، أي السرية، والهجرة الشرعية من خلال الوثائق الرسمية والتأشيرة، وبشكل رسمي، ويسافر فيها الأفراد بحثا عن الرزق والعيش بشكل أفضل ومناسب، أو للدراسة والبحث العلمي، أو إنجاز الصفقات وتبادل الخبرات، وقد تكون الهجرة الخارجية دائمة أو مؤقتة حسب نوع العمل والقصد والمقصود، وتتصف الهجرة الخارجية، كما يؤكد بعض المهتمين بالهجرة، بأنها ذات مسافة طويلة، فالمسافرون يقطعون مسافات كبيرة لكي يصلوا إلى البلدان الأخرى، وقد يقطعون مسافات ليست بطويلة جدا قد تصل إلى بعض الكيلومترات فقط، حيث أن المسافة لا تعتبر عائقا في الهجرة الخارجية، بل تسمى هجرة خارجية وفقا للمنطقة التي تمت الهجرة إليها، طالما أن هناك حدودا دولية، فحتى لو خطى الفرد خطوة في دولة أخرى يعتبر ذلك سفرا وهجرة خارجية.

 

الأسباب الرئيسية للهجرة والنتائج المترتبة عنها

    يرى المختصون، أنه من الصعب حصر أسباب الهجرة في هذا السبب أو ذاك، لأنها تتعدد بعدد الهجرات، وتتباين وتختلف حسب كل بلد على حدة، لكن الهجرة من أجل العمل والحصول على فرص جيدة وممتازة في الخارج، تتصدر كل تحرك، سواء للأفراد أو للجماعات، مثل الهجرة من الدول الفقيرة إلى دول أوروبا للحصول على فرصة جيدة ومناسبة في العمل، والسفر لدول الخليج كالإمارات العربية، والمملكة العربية السعودية، وقطر والكويت، وسلطنة عمان. وغالبا ما تجد هذه الهجرة يقوم بها أصحاب العرق الإفريقي إلى دول أوروبا خاصة، بشكل سري أو علني، بالرغم من الأخطار الكثيرة والنتائج الوخيمة المميتة للهجرة السرية، فهي نتائج في مجملها غير محمودة أبدا، بل يعتبرها البعض أكبر شر قد يواجه الشباب، وكثيرا ما حدث ما لا يحمد عقباه، من غرق وحريق وكل أنواع الهلاك.

ثم إنه بالإضافة إلى كون الإنسان كائنا متحركا بطبعه، ينتقل من جهة إلى أخرى لقضاء حوائجه، متخطيا الحدود والحواجز، ويتأقلم مع كل حالة وفي كل الأحوال، فيمكننا بذلك تقديم أسباب الهجرة والتنقل على النحو التالي:

1) يلجأ الإنسان إلى الهجرة خارج بلاده، من أجل البحث عن عمل مناسب؛

2) تحدث الهجرة نتيجة تعرض البلاد إلى الأزمات الاقتصادية وصعوبة الظروف الاجتماعية، بما فيها البطالة؛

3) حدوث الحروب والكوارث مثل الزلازل والمجاعات، والصراعات في البلاد يتسبب في الهجرة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية؛

4) عدم تقدير الكفاءات، ولهذا يبحث الأشخاص عن بلدان أخرى تقدر مهاراتهم وكفاءاتهم المختلفة؛

5) انخفاض فرص العمل وانخفاض الأجور التي يتقاضاها العاملون، يسبب اللجوء إلى الهجرة أيضا؛

6) الكثافة السكانية المرتفعة، والتي تسبب في البطالة وانخفاض المستوى الاقتصادي؛

7) العروض المغرية المقدمة من الدول المتقدمة للكفاءات الأجنبية؛

8) البحث عن الاستقرار النفسي والطمأنينة والرخاء والرقي؛

9) التأثر والاستيلاب، وغيرها من الأسباب.

ثم نجد في مقام آخر، ما يصطلح عليه بالهجرة العلمية، أي هجرة الأدمغة، وتكون بهدف الحصول على المزيد من الدراسات والمعلومات التي يستفيد منها الأفراد لكي يحصلوا على فرص علمية أكبر من تلك التي يجدونها في بلدانهم، وظروف عيش أحسن، نظرا للعروض المميزة التي يتلقونها من دول الاستقبال أو الدول المضيفة.

والسؤال العريض المطروح بحدة هو: ما هي دوافع الهجرة؟

يرى جل المهتمين والدارسين، بأن هناك العديد من الظروف التي تدفع إلى الهجرة، سواء كانت شرعية أو نظامية، خاصة وأن الأسباب ليست بهينة، فليس الأمر بيسير أن يترك الإنسان وطنه الذي ولد فيه، وبلاده التي نشأ فيها، تاركا وراءه أهله وذويه، وذكرياته كاملة، إلا أن هناك العديد من الأسباب، في نظرهم، تدفع إلى الهجرة، وهي أسباب دينية، حيث بقوم بها أشخاص ينتمون إلى ديانات أقلية في الدولة التي يسكنونها، وقد يجدون من أهل المدينة أصحاب الديانة السائدة عنفا أو تنمرا أو عدم تقبل لهم، مما يدفعهم إلى الهجرة إلى بلاد تتقبلهم أو تكون ديانتهم هي السائدة فيها، فكل الأفراد يميل قلبهم إلى المكوث في المكان الذي يحترم عقيدتهم، كما أن الفرد لا يحب أن يكون منبوذا أو مكروها في المكان الذي يعيش فيه.

ثم إن حرية العقيدة والرأي يجب أن يكونا مكفولين للجميع، ويذهب البعض إلى أن هذه الظواهر موجودة بكثرة في القارة الآسيوية، وتهم بالأخص أصحاب الديانات الوضعية كالزردشتية والبوذية، أو الأقليات المسلمة بالدول الآسيوية، كما أنها تهم بعض الدول الإفريقية جنوب الصحراء، حيث يعاني بعض الأفارقة من اضطهادات لأسباب دينية.. كل هذه الأسباب تدفع بهم إلى الهجرة صوب الجهات الآمنة التي تقبل بالتعايش.

ثم تأتي الأسباب الاقتصادية، التي يمكن اعتبارها – حسب الدارسين – أكثر الأسباب شيوعا، حيث أن الكثير من الأفراد يسافرون لطلب الرزق وتحسين أحوالهم الاقتصادية لكي يرغدوا بالسعادة، من خلال التنقل إلى دولة أخرى، إذ يفترض أن تكون تلك الدولة المستضيفة للشخص محتاجة إليه، لا سيما وأن انتقال الفرد إلى دولة أخرى يحسن من مستواه المعيشي، وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى كون الدول الغربية احتاجت إلى اليد العاملة بعد استنزاف خيرات الدول المستعمرة، وبالأخص المواد الأولية، فاحتاجت لمن يبني صرح حضارتها، فكان أن فسحت المجال لسيل من المهاجرين من دول العالم الثالث، ومنها دول المغرب العربي، لتشتغل في الأعمال الشاقة من بنايات وأشغال عمومية، كبناء الطرق وتجهيزها والسدود وقنوات التطهير والمناجم وغيرها، والتي تعفف الإنسان الغربي على القيام بها، فكانت من نصيب المهاجرين، كما أن من أهداف الهجرة، توفير وضع مادي يحمل جزء من الرفاهية، والحصول على إمكانيات وامتيازات كثيرة قد يكون الشخص المهاجر حرم منها في بلاده.

أما الأسباب الجغرافية، فتكمن في أن المساحات الواسعة والشاسعة في الدول تسمح بالهجرة إليها وحصول الأفراد على فرص خاصة بالعمل في تلك الدولة، وخاصة هؤلاء الذين يعانون من ضيق المساحات وقلة فرص العمل والفقر في بلدانهم، فهناك الكثير من الدول لديها مساحات ولا توجد لديها الوفرة في السكان، فتفتح أبوابها للمغتربين لكي يحصلوا على فرص عمل، ويقدموا ما لديهم من علم وخبرة للدولة، ويحدث ما يعرف بالمنفعة المتبادلة، إذ يحصل أحدهم على الأيدي العاملة والآخر يحظى بالأجر المجزي مقابل عمله، ولنا في دولة كندا خير مثال، وكذلك الشأن بالنسبة لأستراليا.

وأخيرا، تجد أسبابا سياسية، حيث يلجأ الكثير من السكان للهجرة وفقا للأوضاع السياسية التي قد يتأذى بعضهم منها فيلجأ للاغتراب والهجرة لكي يجدوا منابر يعلو فيها صوتهم ويستطيعون التعبير بحرية دون قيود أو خوف من السلطة، مع العلم أن الاضطهاد السياسي من أكثر أسباب الهجرة المتعارف عليها في الفترات الأخيرة وعبر التاريخ السياسي في كافة أنحاء العالم، كما أن الحروب تسببت وتسبب دائما في تدفق المهاجرين إلى الدول الآمنة فرارا من كل الانتهاكات، ولنا في الدول العربية الشقيقة بالشرق الأوسط، كفلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا، خير مثال على ذلك، وللأسف الشديد، ما نشهده من ويلات الحروب وطلبات اللجوء السياسي بالدول الغربية.

بالمقابل، فالهجرة الشرعية أو القانونية تحدث تحت إشراف جهات معترف بها ومعتمدة دوليا، وتتم عن طريق التقدم بطلب تأشيرة من الدولة المراد الهجرة إليها، بينما يعرف المهاجر بأنه الشخص الذي يرغب بالرحيل من بلده الأصلي بكامل حريته، لأسباب تتعلق بالراحة الشخصية، ودون تدخلات خارجية، ولديه الحق في تحديد موعد الذهاب والعودة، وهذا التعريف لا يشمل اللاجئين أو النازحين، أو غيرهم ممن أجبروا على الهجرة بشكل قسري.

وبالنسبة للمغاربة، فقد هاجر بعضهم منذ خمسينات القرن الماضي بطلب من كبريات الشركات بأوروبا الغربية بشكل خاص، فمنهم من حمل معه أسرته وازداد له أبناء بديار المهجر، ومنهم من ترك أسرته ببلاده لأسباب شخصية أو لعدم توفر شروط الالتحاق العائلي، وهذا الصنف يسمى الجيل الأول من المهاجرين، وأبناؤهم الذين ولدوا بالدول المستقبلة يشكلون الجيل الثاني، بينما الجيل الثالث فهم أولئك الشباب الذين يهاجرون بطرق غير شرعية.

ولا يسعنا إلا أن نثمن المجهودات التي تقوم بها الوزارة المنتدبة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، من مجهودات لخدمة أفراد الجالية المغربية، والتي تتواجد بكل بقاع العالم، فحبذا لو تتم التفاتة إلى ما تجود به قريحة المهاجرين للتعريف بها، وخاصة الأدباء المغاربة، بما يصطلح عليه بالأدب المغربي المهاجر، وفي هذا الصدد نجد بوحا بمداد الأقلام ينبعث من الأعماق للأدباء المغاربة المهاجرين، ينقل لنا أصوات عدة أنواع ومجالات من الأدب المهاجر، كالشعر والسرد والكتابة المسرحية والسينمائية، إلى جانب أنواع أخرى من ضروب الفنون تنقل لنا مرارة الغربة، يقول سعيد الباز على سبيل المثال لا الحصر، معبرا عما تحمله هذه الكتابات من هموم الهجرة وما يحيط بها: “إن ميزة الأدب المهاجر التي تحقق رغم حجم المعاناة وقسوة البعد وانعدام شروط تواصله وتفاعله مع محيطه الطبيعي في المغرب، أو في الديار المهجرية، تتمثل في كونه يلقي الضوء على عالم آخر وواقع مغاير تماما، تبرز فيه تلك العلاقة الشائكة والملتبسة ببن الأنا والآخر”، لأن الإنسان بطبيعته يتأمل ويتفاعل ويبدع أينما حل وارتحل.

هكذا، ومن خلال ما تطرقنا إليه، يحق لنا التساؤل: ما هي نتائج هذه الحركات السكانية، وبالأخص هجرة الأدمغة التي تؤرق بال الجميع؟

هجرة الأدمغة أو “هجرة العقول”، مصطلح يطلق على هجرة العلماء والمتخصصين في مختلف فروع العلم من بلد إلى آخر، طلبا لرواتب أعلى أو التماسا لأحوال معيشية أو فكرية أفضل، وعادة ما تكون هجرة الأدمغة من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة، وسواء كانوا من كبار السن أو شبابا، فهجرتهم تعد خسارة كبيرة لبلدانهم الأصلية التي بذلت عدة مجهودات في إعدادهم وتكوينهم طوال فترات الدراسة، وهذه نتيجة جد مؤثرة علينا.

وعادة ما يطلق مصطلح هجرة الأدمغة على عملية انتقال العلماء، والكفاءات، والمتخصصين، وأصحاب المهارات، والموهوبين من البلدان ذات الأحوال الاقتصادية والمعيشية المحدودة إلى البلدان المتقدمة، بحثا عن ظروف معيشية أفضل، وبيئة سياسية واجتماعية أكثر استقرارا، والوصول إلى الأنظمة التكنولوجية المتقدمة، من أجل فرص عمل أفضل برواتب أعلى، وعادة ما تركز الدول المستقبلة على الركائز الأساسية الثلاث للهجرة الناجحة: “التعلم”، “الكسب”، و”البقاء”، ويرى باحثون آخرون بأن هجرة الأدمغة أو كما يطلق عليه أكاديميا بهجرة الرأسمال البشري، شأن مقلق على النطاق الدولي، وذلك لتأثيرها سلبا على أحوال البلدان التي تعرضت لهجرة رأسمالها البشري إلى الخارج.

وختاما: من أجل وقف هذا النزيف، يرى بعض الدارسين أنه قبل الحديث عن الاستراتيجيات والبرامج الرامية إلى عكس منحى هجرة الكفاءات، يجب أولا عدم إغفال البحث عن سبل للحد من هذه الهجرة، وذلك من خلال الإبقاء على المهنيين المؤهلين داخل البلد، وحتما سيرجع يوما كل المغتربين، فلنا بحول الله موعد مع الرقي، لما تشهده بلادنا من إقلاع اقتصادي واجتماعي يحرج البعض، فما نحتاجه هو توفر إرادة سياسية فعلية للتفكير الصائب والعمل إلى جانب علماء ومثقفين وأساتذة وإعلاميين لهم الجرأة في قول الحق وتأييده.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى