متابعات

متابعات | الأمن المائي.. المغرب يدق ناقوس الخطر

شكل موضوع الأمن المائي نقطة أساسية في خطاب الملك محمد الساس خلال افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية، خاصة في ظل أزمة الجفاف التي تمر منها البلاد وندرة الموارد المائية وضعف حقينة السدود، حيث دعا جلالته إلى ترشيد استهلاك المياه وأخذ إشكالية الماء في كل أبعادها بالجدية اللازمة، عبر القطع مع كل أشكال التبذير والاستغلال العشوائي غير المسؤول لهذه المادة الحيوية، وأكد الملك أن المغرب أصبح يعيش في وضعية إجهاد مائي هيكلي، ويمر بمرحلة جفاف صعبة هي الأكثر حدة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

إعداد: خالد الغازي

    لقد حدد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة تدشين الدورة التشريعية، الإجراءات التي يجب اتخاذها من أجل معالجة إشكالية الماء والأزمة التي تعاني منها البلاد، من خلال ضرورة إطلاق برامج ومبادرات أكثر طموحا، واستثمار الابتكارات والتكنولوجيات الحديثة في مجال اقتصاد الماء، وإعادة استخدام المياه العادمة، وإيلاء عناية خاصة لترشيد استغلال المياه الجوفية والحفاظ على الفرشات المائية، من خلال التصدي لظاهرة الضخ غير القانوني والآبار العشوائية.

وأكد الملك أن سياسة الماء ليست مجرد سياسة قطاعية، وإنما هي شأن مشترك يهم العديد من القطاعات، وهو ما يقتضي التحيين المستمر للاستراتيجيات القطاعية على ضوء الضغط على الموارد المائية وتطورها المستقبلي.

تتمة المقال بعد الإعلان

إشكالية الماء تطرح الكثير من التساؤلات حول السياسة الفلاحية المتبعة، والدعم الحكومي الذي يقدم لإنتاج بعض المزروعات والمنتجات التي تستنزف الكثير من المياه الباطنية، ومياه السدود والأنهار، علما أن القطاع الفلاحي – حسب العديد من الخبراء – يستهلك 85 في المائة من الموارد المائية في المملكة، بينما تظل نسبة 15 في المائة فقط للاستعمالات الصناعية والمنزلية والتجارية.. فهل تستطيع الدولة محاربة إيقاف الاحتكار الفلاحي للموارد المائية حفاظا على الأمن المائي ؟

الماء ضمان للأمن الغذائي

عمر الكتاني

    يقول الخبير الاقتصادي، عمر الكتاني، أن الماء يشكل الأمن الغذائي بالنسبة للمغرب، لأن اقتصاد المملكة مرتبط بالتساقطات، فعندما تكون الأمطار غزيرة نحصل على سنة فلاحية جيدة، وبالتالي، يكون الأمن الغذائي والأمن الاقتصادي في المستوى المطلوب، ويحقق 40 في المائة من سكان المغرب الذين يقطنون في البوادي مدخولا جيدا وأرباحا مهمة، يساهمون بها في إنعاش القطاع الاقتصادي والتجاري داخل المدن، من خلال استهلاك خدمات متنوعة وشراء متطلبات وتجهيزات مختلفة، مشيرا إلى أن الخطاب الملكي تحدث عن الفلاحين لأنهم يشكلون نسبة مهمة من سكان المملكة ويلعبون دورا كبيرا في تحريك الاقتصاد، ويرفعون نسبة الطلب في السوق الوطنية، ولهم علاقات بقطاعات أخرى.

وأوضح المتحدث ذاته، أن سياسة الأمن الغذائي برزت في عهد الملك الراحل الحسن الثاني بشكل كبير، من خلال بناء وتشييد السدود، لأنه اعتبرها مسألة مهمة وضرورية لتوفير الغذاء للشعب وتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلا أن سياسة بناء السدود توقفت لفترة معينة، ما أسفر عن أثار سلبية على اقتصاد المملكة، لهذا لا بد من البحث عن كيفية إدخال سياسة الاقتصاد في الماء وتحيين استعماله، وتغيير ثقافة الاستهلاك للحفاظ على هذه النعمة والبحث عن مصادر أخرى، مضيفا أن الصين تستطيع توفير الغذاء لأزيد من مليار شخص لكونها تعتمد على سياسة السدود لتوفير الماء للزراعة وإنتاج الغذاء الكافي، من خلال إصلاح وبناء السدود حيث تقوم منذ مدة بإصلاح 11 ألف سد، بمعنى أن أي قطرة ماء تسقط يتم استغلالها، بينما تتوفر المملكة على 100 سد فقط وهي منشآت غير كافية  لتحقيق الأمن الغذائي.

تتمة المقال بعد الإعلان

وأكد الكتاني، أن المغرب يعتزم اللجوء إلى الطاقة النووية باتفاق مع روسيا لإنجاز مفاعل نووي، لكي يستخدم هذه الطاقة في تحلية مياه البحر للحصول على ماء يستعمل في السقي والشرب، وبالتالي، الاستفادة من إنتاج الطاقة ثم الحصول على الماء، حيث أن المغرب مجبر مستقبلا على اللجوء إلى تحلية مياه البحر لتوفير الماء الصالح للشرب، وسقي الأراضي الفلاحية، لأن هذه التقنيات الجديدة سوف تساهم في إنتاج الطاقة والماء اللذين لهما دور أساسي في تحقيق الأمن الغذائي والأمن الصناعي.

وبخصوص اللجوء إلى الاستمطار الصناعي، كشف ذات المصدر، أن المغرب لم يصل للمستوى العالي للتحكم في التساقطات بطريقة صناعية، رغم بعض المحاولات التي قام بها في هذا المجال خلال فترة سابقة، إلا أن هناك صعوبات ربما مرتبطة بالخبرة الكافية وقلة السحب والغيوم وطرق استخدام المفرقعات.

 

تصدير الماء الافتراضي للخارج

محمد بهناسي

    من جانبه، كشف محمد بهناسي، خبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة وتغير المناخ، أن المغرب يعاني نوعا من الهشاشة تجاه التغيرات المناخية، ويعرف موجات جفاف متكررة، حتى أصبحت ظاهرة هيكلية، حيث أن هذا الوضع يعود لفترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، التي عرف فيها المغرب موجات من الجفاف أثرت بشكل كبير على القطاع الفلاحي والأمن الغذائي، الأمر الذي دفع به إلى القيام برد فعل عبر اعتماد مجموعة من القوانين في تدبير الماء، ووضع استراتيجيات ومخططات في مجال تدبير الموارد المائية وسياسة السدود، وحماية حق المستهلك المغرب في الماء، مبرزا أن المغرب أعطى أهمية لتدبير العرض، لكنه لم يول أهمية كبرى لتدبير الطلب، مما أدى إلى إنتاج بعض السلوكيات غير العقلانية في مجال استهلاك الماء، كالقطاع الفلاحي مثلا، الذي يعتبر قطاعا استراتيجيا نظرا لمساهمته في الناتج الوطني الخام، ومساهمته في القدرات التصديرية للمملكة، وأيضا مساهمته في الأمن الغذائي، إلا أنه لم يتطور بشكل مستدام في علاقته مع الماء، حيث لا زال عدد من الفلاحين والشركات في المجال يستعملون بعض التقنيات في مجال استهلاك الماء بطرق غير عقلانية، بالإضافة إلى التركيز على المياه الجوفية بهدف تطوير الفلاحة التصديرية، التي تؤدي أحيانا إلى تصدير كميات هائلة من الماء الافتراضي للخارج.

وأضاف بهناسي، أنه لتدبير أزمة الماء في المستقبل تدبيرا جيدا، يجب إعادة النظر في بعض القطاعات الكبرى التي تستنزف المياه الجوفية، إذ أصبحت بعض المناطق غير قادرة على توفير الماء الصالح للشرب، وهذا قد يتسبب في بعض الاضطرابات الاجتماعية المحلية التي قد تكون لها انعكاسات سياسية في المستقبل، لهذا جاء الخطاب الملكي في هذا السياق ليدعو إلى إعادة هيكلة استراتيجية الدولة في مجال الماء، وإلى التطبيق الفعلي للمخطط الوطني للماء الذي تم اعتماده مؤخرا في قانون الماء لسنة 2016، كما دعا مختلف القطاعات إلى اعتماد رؤية مندمجة تشاركية لتدبير هذا المورد، وضمان استدامته في المستقبل، مشددا على ضرورة تطبيق استراتيجية في المجال الفلاحي (الجيل الأخضر 2020-2030) بشكل يتماشى مع ديمومة استدامة هذا المورد، لأنه بدون التركيز على استدامة الماء، لا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تنجح في المستقبل، وسيؤدي ذلك إلى المساس بقدرة الدولة في مجال التصدير الفلاحي الذي يساهم في الناتج الوطني الخام، وأيضا سيساهم في المساس بالأمن الغذائي لبعض المناطق التي تركز على الفلاحة المعيشية.

غياب الماء في أجندة الأحزاب

    يعد قطاع الماء من القطاعات ذات الأولوية البالغة في المجتمع المغربي، لكونه يستعمل في جميع القطاعات، الفلاحية والصناعية والتجارية والسياحية والمطاعم وغيرها، فدور الماء كبير في دوران العجلة الاقتصادية والاجتماعية على صعيد جميع المناطق، وغيابه يشكل خطرا وتهديدا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وبهذا الخصوص، قال الخبير محمد بهناسي، أن “الأحزاب في المستقبل عليها أن تدرج في برامجها السياسية كل ما له علاقة بالأمن البيئي والأمن المائي والصحي، لأنها مجالات مترابطة، قد يؤدي تغييبها وإهمالها إلى خلق نوع من عدم الاستقرار السياسي في البلاد، وبالعودة للخطاب الملكي، فهو يدق ناقوس الخطر من أجل تنبيه جميع الفرقاء السياسيين، حكومة وبرلمانا وشعبا، إلى أهمية هذا الموضوع وأهمية إيجاد أجوبة مستدامة، لتدبير هذا المورد، لأنه أصل كل شيء.

وأضاف ذات المصدر، أن الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات السابقة بالرغم من وضعها لعدة قوانين في قطاع الماء، يكمن في وجود تقصير من ناحية التنفيذ الفعال لهذا الإطار القانوني والسياسي عند تنفيذ مختلف الاستراتيجيات والسياسات، والتعامل مع الماء كمجرد مورد يمكن استغلاله من أجل إنتاج ثروات أخرى، على غرار تصدير الماء الافتراضي في المنتجات الزراعية وعدم إدخاله في ثمن البضائع التي تذهب للخارج، بالإضافة إلى الاستمرار في التعامل مع الماء كمورد متاح دائما ويتجدد، ولا ندخل في الاعتبار رؤية استباقية من كون الماء سيصبح مادة نادرة، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية  ستكون لها حتما انعكاسات سياسية، وستصبح في قمة الأجندة السياسية للدولة والتي وصلنا لها حاليا، مشيرا إلى وجود تقصير وإهمال أيضا من قبل الأحزاب في برامجها الانتخابية لقطاع البيئة وتدبير الموارد الطبيعية، حيث أن قطاع الماء شبه غائب في برامجها، وهذا يبرز عدم قدرة هذه الأحزاب عندما تكون في البرلمان والأغلبية وفي الحكومة، على إيلاء الاهتمام الكافي بالبيئة وبتدبير الموارد الطبيعية بما فيها الماء.

البحث العلمي والتقنيات الجديدة

    حسب خبراء في مجال الماء، فإن العديد من الدول المتقدمة والمتوسطة، لجأت إلى حلول وتقنيات بديلة من أجل معالجة ندرة المياه، واستعمالها في المجال الزراعي والصناعي والماء الصالح للشرب، وذلك بفضل الدور الذي يلعبه البحث العلمي في إيجاد الحلول الناجعة للاستفادة من الموارد الطبيعية ومعالجة المشاكل المناخية.

في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي عمر الكتاني، على أهمية تشجيع البحث العلمي في الزراعة لدى بعض الدول النامية، حيث لجأت بعض الدول إلى تقنيات مهمة في قطاع الماء واستعماله بطرق علمية، وهذا هو الجانب الذي يحتاجه المغرب في المستقبل، لأن التقنيات الجديدة تعطي نوعا من الاستقلالية في استعمال الماء لتغطية كافة الحاجيات في القطاع الفلاحي وفي الاستهلاك اليومي، مشددا على ضرورة مراجعة السياسة الفلاحية والزراعية المتمثلة في المنتجات التي تستهلك الكثير من المياه في الصيف مثل البطيخ الأحمر، والأفوكادو، والطماطم، واللجوء إلى الفلاحة المغطاة للحفاظ على الرطوبة وتقليل استعمال الماء، بالإضافة إلى خلق توازن في الموارد المائية بين شمال المملكة وجنوبها عبر نقل المياه إلى المناطق والجهات التي تعاني الخصاص.

بدوره كشف محمد بهناسي، أن أزمة الماء دفعت مجموعة من الدول للبحث عن حلول مستدامة لتدبير قضية الماء، عبر الاستعانة بالخبراء والباحثين في هذا المجال، بهدف حسن تدبير هذه المادة الحيوية، واستغلال مياه الأمطار عبر جمعها عوض أن تذهب للبحر، وخلق بنيات تحتية لهذا الغرض، ثم تقنية تحلية مياه البحر بالنسبة للدول الساحلية، وهناك إمكانية بناء سدود متوسطة وصغيرة بين التلال في مختلف المناطق، وإعادة تدوير المياه المستعملة وهذا مصدر مهم بالنسبة للأمن المائي في المستقبل، والتركيز على استعمال التقنيات لاستهلاك الماء بشكل معقلن ومتوازن في القطاع الفلاحي والسياحي، أو في الاستعمالات المنزلية، بحيث أن هذه التقنيات تساعد على استهلاك الماء بكميات قليلة جدا دون تبذير، مشيرا إلى أهمية اللجوء إلى البحث العلمي لتقوية القدرات في مجال تدبير الماء على مستوى الجامعات والمؤسسات والشركات الفلاحية، قصد التعامل مع أزمة المياه بشكل مستدام، إلى جانب ضرورة توعية المواطنين من أجل تغيير ثقافة استعمال الماء والحفاظ على الموارد الطبيعية.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى