للنقاش

للنقاش | الأحزاب السياسية بين التوجيهات الملكية والممارسة الواقعية

أسباب إفلاس الممارسة السياسية

يعود إنشاء الأحزاب السياسية المغربية إلى سنة 1937، في إطار ما سمي بالحركة الوطنية التي تحولت إلى حزب الاستقلال سنة 1943، وإن كان البعض يرجح تاريخ البدء الحزبي في سنة 1926، ما عرف باسم “الرابطة المغربية”، ومع ذلك يبقى البدء الحزبي الفعلي مع انشقاق كتلة العمل الوطني وظهور كل من الحزب الوطني بزعامة علال الفاسي والحركة القومية بزعامة محمد بن الحسن الوزاني.

فالمغرب بمجرد حصوله على الاستقلال، برهن عن نيته في إقامة التعددية الحزبية من خلال صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958، وتم تعزيز ذلك بصدور أول دستور سنة 1962، الذي أكد أن نظام الحزب الواحد غير مشروع.

بقلم: مراد علوي 
طالب باحث

    تميزت الفترة ما بعد الاستقلال بوجود خلافات بين أحزاب سياسية، وبين قيادات داخل نفس الحزب، مما أدى إلى حدوث انشقاقات داخلية وميلاد أحزاب جديدة، والتاريخ يذكرنا بأنه رغم الخلافات بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي اللذين ينتميان إلى نفس الرحم (الحركة الوطنية)، إلا أنهما التقيا في عدة مناسبات، حيث ألفا “الكتلة الوطنية” سنة 1970 بعد انتهاء حالة الاستثناء التي أعلنها أبونا الروحي جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، ثم في بداية التسعينات ألفا “الكتلة الديمقراطية” (سنة 1992) لإطلاق دينامية الإصلاحات الدستورية والسياسية، و”التوافق” حول الانتقال إلى السلطة بتكوين حكومة التناوب التوافقي في 14 مارس 1998، لكن كل هذا لا يعني أن الثقافة الحزبية أصبحت قائمة على ترشيد تدبير الخلافات.

إن المتتبع للشأن العام الوطني في السنوات الأخيرة، يلاحظ تدني مستوى الأداء الحزبي، فرغم أن الدستور الجديد نص على صلاحيات مهمة للأحزاب السياسية حسب الفصل السابع منه، وأنه من حق المواطنات والمواطنين الانخراط في الأحزاب السياسية، ورغم أن القانون التنظيمي 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، نص على مستجدات مهمة من أجل تحقيق الحكامة الحزبية والديمقراطية، إذ لأول مرة تم الارتقاء بالقانون المنظم للأحزاب من قانون عادي (36.04) إلى قانون تنظيمي، إلا أن هذا يظل مجرد قيمة ما لم يتم تعزيزه بالممارسة.

تتمة المقال بعد الإعلان

نلاحظ أن هناك عجزا ديمقراطيا داخل هياكل الحزب السياسي وطريقة اشتغاله، على سبيل المثال، نجد نفس الأشخاص الذين كانوا منذ عشر سنوات في اللجنة التنفيذية للحزب هم نفسهم مع العلم أن القانون التنظيمي الجديد 29.11 لم يتوقف عند التعريف بالحزب السياسي وتحديد القواعد المتعلقة بتأسيس الأحزاب السياسية والانخراط فيها وممارسة أنشطتها ومبادئ تنظيمها وتسييرها ونظام تمويلها وكيفيات مراقبته ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، بل أكد أيضا على إلزامية التداول على المسؤوليات وعدم الإبقاء على نفس المسؤولين بصفة أبدية.

فأول التحديات التي تواجه الأحزاب بالمغرب هي الديمقراطية الداخلية، إذ كيف يعقل أن يتبنى حزب سياسي في برنامجه الانتخابي أو الحكومي “الديمقراطية” وهو بعيد كل البعد عنها ولا يطبقها في هياكله؟ فالمؤتمر العام هو الذي يحدد توجهات وسياسة الحزب، فكيف يتم اختيار المؤتمرين، هل على منطق الانتخاب أم أن هناك منطقا آخر؟ بمعنى أن العقلية تحن إلى الماضي، لأن الحزب السياسي أشبه بالزاوية والقبيلة، وزعماؤه يحظون بنفس التقدير الذي يحظى به شيخ الزاوية، إلا أن الأحزاب السياسية بالمغرب لا زال يغلب عليها طابع “القرابة” مع كامل الأسف.

فالملك الراحل الحسن الثاني أكرم الله مثواه، حسم في موضوع التعددية السياسية واعتبر أن الملكية والأحزاب السياسية يد واحدة لبناء دولة الحق والقانون، وهذا ما تجلى في خطابه السامي: ((الإسلام يمنع إقامة ملكية دستورية يفوض فيها الملك جميع سلطه ويصبح يملك دون أن يحكم))، و((الملك فوق الجميع وأب الجميع وراعي الجميع))، واعتبر جلالته رحمه الله أن الأحزاب السياسية في عهد الحماية اضطلعت بمهمة “تأطير السكان وإذكاء الحس الوطني”، أما دورها في عهد الاستقلال، فتجسد في رأي الملكية في ضرورة تأطير السكان من أجل تكوينهم وتنويرهم، وسيرا على منهاج والده، اعتبر جلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن بناء مجتمع ديمقراطي حداثي من أجل مغرب ديمقراطي وموحد ومنتج وتضامني، متقدم ومنفتح، لا يمكن أن يتم إلا بإشراك الأحزاب السياسية في الحكم، باعتبارها وجها من أوجه الديمقراطية، وتمكينها بآليات قانونية ودستورية للقيام بمهامها.

الحسن الثاني

ورغم كل الجهود المبذولة من طرف الدولة المغربية لتقوية الأحزاب، إلا أننا نلاحظ قصور هذه الأحزاب عن القيام بدورها وعجزها عن تنفيذ التزامها الدستوري المتمثل بالأساس في تأطير المواطنين، وهذا في نظرنا بسبب كثرة الخلافات بين الأحزاب وداخل الأحزاب نفسها، وهذه الخلافات غير قائمة على رؤى ومستقبل للوطن، وإنما صراعات على المصالح الشخصية، وبالتالي، تم إفساد الحياة السياسية وأصبحت تتسم بغياب التنافسية بين الأحزاب وتشابه البرامج وغياب معايير واضحة للتزكية للترشح، وسيادة المعيار المالي في اختيار أطر الحزب وليس معيار الكفاءة والنضال والانضباط، فالأحزاب السياسية مسؤولة عن تدني الأخلاق السياسية وعن أزمة السياسة من خلال نفور قطاعات شعبية واسعة من الأحزاب أو المشاركة في الانتخابات، إذ كيف يعقل أن يتم الرهان على أحزاب سياسية في قيادة معركة الإصلاح الديمقراطي تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس أعزه الله، وهي بذاتها في أمس الحاجة إلى تقويم هيكلي وإصلاح.

تتمة المقال بعد الإعلان

فالأحزاب السياسية المغربية كما يرى واتر بوري، ليست سوى مجموعة من الأندية التي تجتمع على صديق واحد، وبالتالي، كثرة الخلافات تؤدي إلى انشقاقات وميلاد أحزاب سياسية جديدة التي تفسر لنا “التعددية المفرطة” التي نشاهدها اليوم، إذ نستشف من هذا أن التعددية في المغرب غير قائمة على الخلافات الإيديولوجية بقدر ما هي قائمة على الخلافات بين الزعماء، ولتوضيح ذلك، مثلا قياديون في حزب سياسي معين وقع بينهم خلاف فيذهب أحدهم إلى إنشاء حزب آخر أو التحالف مع أحزاب كانت في الماضي القريب أحد خصومه فقط تعنتا لضرب الحزب الذي كان منتميا إليه، وهنا تطبق المقولة الشهيرة: “في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم”، إذ أننا نعيش تعددية في الطموحات السياسية وليس تعددية إيديولوجية.

وفي هذا الصدد، نستحضر بعض الخطب الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله:

1) خطاب افتتاح البرلمان سنة 2014: ((وأود هنا أن أؤكد أن الخيار الديمقراطي، الذي ارتضاه جميع المغاربة، ثابت لا رجعة فيه، بل إننا ملتزمون بمواصلة ترسيخه.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبكل إلحاح: هل تمت مواكبة هذا التقدم من طرف جميع الفاعلين السياسيين، على مستوى الخطاب والممارسة؟

إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين تفرق بينهم المصالح الضيقة.

غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا، يلاحظ أن الخطاب السياسي لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية، فإذا كان من حق أي حزب سياسي، أو أي برلماني، أن يفكر في مستقبله السياسي، وفي كسب ثقة الناخبين، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القضايا الوطنية الكبرى، والانشغالات الحقيقية للمواطنين.

أما ممارسة الشأن السياسي، فينبغي أن تقوم بالخصوص، على القرب من المواطن، والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي بمعناه النبيل، وهو ما يقتضي اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي، بشكل عام، دون الاقتصار على بعض المواد المدرجة ضمن النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.

كما أنها تتطلب، قبل كل شيء، الانكباب الجدي على الأسبقيات الوطنية، مع تغليب روح التوافق الإيجابي، وخاصة خلال إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات الدستورية والإصلاحات الكبرى، وعلى بعد أقل من سنة، على الانتخابات المحلية والجهوية، أتوجه إلى جميع الفاعلين السياسيين: ماذا أعددتم من نخب وبرامج، للنهوض بتدبير الشأن العام؟

إن التحدي الكبير الذي يواجه مغرب اليوم، لا يتعلق فقط بتوزيع السلط بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة الموطن.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها، وإنما يجب أن تكون مجالا للتنافس السياسي بين البرامج والنخب، وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية.

إننا نعتبر أنه ليس هناك فقط فائز وخاسر في المعارك الانتخابية، بل الكل فائز، والرابح الكبير هو المغرب، لأنه حتى من لم يحظوا بثقة أغلبية المواطنين، فإنهم يساهمون بمشاركتهم في تعزيز دينامية المؤسسات المنتخبة، كما يجب عليهم أن يشكلوا المعارضة البناءة، ويقدموا البدائل الواقعية التي تؤهلهم للتناوب على تدبير الشأن العام، أما الخاسر الأكبر، فيمثله الذين يعتبرون أن مقاعدهم ريعا أو إرثا خالدا إلى الأبد، فإذا لم ينجحوا في الانتخابات يقولون بأنها مزورة، وإذا فازوا يسكتون، مستغلين نزاهتها للوصول إلى تدبير الشأن العام.

صحيح أن الانتخابات، كما هو الحال في جميع الدول، تعرف بعض التجاوزات التي يرجع البت فيها للقضاء، وللمجلس الدستوري، الذي قرر إلغاء عدد من المقاعد في الانتخابات الأخيرة، لذلك، ندعو الجميع إلى الإعداد الجيد لهذه الاستحقاقات، والتحلي بروح الوطنية الصادقة في احترام إرادة الناخبين)).

2) خطاب عيد العرش المجيد سنة 2017: ((شعبي العزيز، إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة، إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع..)).

فالتطور السياسي والتنموي الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.

فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا من المكاسب المحققة، أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، فيتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه، وهو ما يجعل المواطنين يشتكون لملك البلاد من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم.

والواجب يقتضي أن يتلقى المواطنون أجوبة مقنعة، وفي آجال معقولة، عن تساؤلاتهم وشكاياتهم، مع ضرورة شرح الأسباب وتبرير القرارات، ولو بالرفض، الذي لا ينبغي أن يكون دون سند قانوني، وإنما لأنه مخالف للقانون، أو لأنه يجب على المواطن استكمال المساطر الجاري بها العمل.

وأمام هذا الوضع، فمن حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في وادي والشعب وهمومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات، لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل.

وإذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم.. إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا.

فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون، ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين، وأنا أزن كلامي، وأعرف ما أقول، لأنه نابع من تفكير عميق.. نستطيع أن نضع أنجع نموذج تنموي، وأحسن المخططات والاستراتيجيات، إلا أنه بدون تغيير العقليات، وبدون توفر الإدارة على أفضل الأطر، وبدون اختيار الأحزاب السياسية لأحسن النخب المؤهلة لتدبير الشأن العام، وفي غياب روح المسؤولية، والالتزام الوطني، فإننا لن نحقق ما ننشده لجميع المغاربة من عيش حر كريم.

أنا لا أريد، شعبي العزيز، أن تظن بعد الاستماع إلى هذا الخطاب، بأنني متشائم،

أبدا.. فأنت تعرف أنني واقعي، وأقول الحقيقة ولو كانت قاسية، والتشاؤم هو انعدام الإرادة، وغياب الآفاق والنظرة الحقيقية للواقع)).

3) خطاب العرش سنة 2018: ((.. والواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها، إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم، كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها.

فالمنتظر من مختلف الهيآت السياسية والحزبية، التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم وكأنها غير معنية بما يحدث…)).

4) خطاب افتتاح البرلمان سنة 2018: ((إننا حريصون على مواكبة الهيآت السياسية، وتحفيزها على تجديد أساليب عملها بما يساهم في الرفع من مستوى الأداء الحزبي ومن جودة التشريعات والسياسات العمومية.

لذا، ندعو للرفع من الدعم العمومي للأحزاب، مع تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات التي توظفها في مجالات التفكير والتحليل والابتكار)).

وبالتالي، على الأحزاب السياسية أن تساير المؤسسة الملكية، بحيث نجد أن هذه الأخيرة تشتغل بسرعة (نذكر على سبيل المثال الأوراش الكبرى التي أطلقها جلالة الملك نصره الله: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مخطط “المغرب الأخضر”، مخطط “المغرب الأصفر”، مخطط “الإقلاع الصناعي”، الجهوية المتقدمة)، في حين تشتغل الأحزاب السياسية ببطء، إذن، ينبغي عليها تطوير قدراتها وأن تكون في المستوى الذي يريده لها جلالة الملك أعزه الله ((أحزابا سياسية حقيقية وقوية تحمل إرادة سياسية وطموحا للدفع بالمغرب قدما)).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى