كواليس الأخبار

تحت الأضواء | إهمال العمق الإفريقي للمغرب عبر إهمال الخارجية لتراث تمبوكتو

الرباط. الأسبوع

    يعد المغرب من أبرز الدول الإفريقية في الاهتمام بالهوية الثقافية والإسلامية والتراث التاريخي على صعيد القارة السمراء، من خلال مساهمته في تنظيم مؤتمرات ولقاءات تدعو إلى الاهتمام بالمدن العريقة والمناطق الأثرية، والتي تعد جسر تواصل بين الشمال والجنوب.

إلا أن هناك من يسير عكس توجه المملكة في العمق الإفريقي، ويضر بمصالحها في المجال الثقافي والديني والامتداد التاريخي، وخاصة إذا كان لبعض الأمور ارتباط جغرافي وثقافي مع دول غرب إفريقيا، حيث أن منظمة غير حكومية مالية (سافاما) متخصصة في الحفاظ على التراث، والمخطوطات التاريخية العريقة، من ضمنها مخطوطات عربية ومغربية، تقدمت بطلب إلى الديوان الملكي ووزارة الخارجية، من أجل الحصول على الرعاية السامية قصد تنظيم معرض للمخطوطات العربية والإفريقية والعبرية في المغرب، إلا أنها لم تتلق أي جواب رسمي رغم أنها نظمت معارض خارجية في عدة متاحف عالمية في فرنسا وبريطانيا وأمريكا والإمارات العربية.

 وتأتي هذه القضية بعد أيام من قيام سفير المملكة بمالي، إدريس إيسباعين، بتقديم نسخ مخطوطات تاريخية للعالم المالي البارز، أحمد بابا التمبكتي، ولوزير الصناعة والثقافة المالي، أندوغولي غييدو، وللمتحف الوطني بمالي، وهي عبارة عن مخطوطات مجمعة في ثلاثة أقراص مدمجة وثمانية ميكرو فيلم، حيث دعا وزير الثقافة والصناعة المالي المملكة المغربية إلى مواصلة دعم إجراءات الحفاظ على التراث الثقافي وإدارته وتعزيزه في مالي وتطوير التعاون الثقافي الثنائي، منوها بالعلاقات المتميزة بين المغرب ومالي والمستندة إلى روابط الأخوة والصداقة التاريخية بين شعبي البلدين.

تتمة المقال بعد الإعلان
صورة لإحراق جزء من المخطوطات خلال دخول الجهاديين والجماعات المسلحة لمدينة تمبوكتو أيام التدخل الفرنسي في مالي

وحسب مصادر مطلعة، فإن منظمة “سافاما” المالية الثقافية، تقدمت بطلب إلى الديوان الملكي ووزارة الخارجية، قصد الموافقة على تنظيم معرض لمخطوطات تمبكتو، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس بالمغرب، تشمل وثائق ذات قيمة ثقافية وعلمية عالية، وتضم مواضيع وكنوز معرفية في الرياضيات، والفلسفة، والدين الإسلامي، والفلك، والقانون، وصياغة العقود، والمراسلات الرسمية ذات الأهمية التاريخية، والتي قد يستفيد منها الباحثون والطلبة المغاربة، وقالت ذات المصادر، أن هناك اتصالات من الجزائر مع المنظمة المالية، من أجل احتضان معرض خاص بهذه المخطوطات التي من المنطقي أن يستضيفها المغرب، على اعتبار أن لها علاقة تاريخية وطيدة بالمملكة، وربما تحمل معطيات ومعلومات مفيدة للوحدة الترابية للمغرب والعلاقات التاريخية للمملكة بالطوارق والشعوب الإفريقية.

وأضافت المصادر نفسها، أن العديد من المؤرخين والباحثين في مدينة تمبكتو المالية، صرحوا أن 30 في المائة من المخطوطات التي وجدها الدكتور عبد القادر حيدرة، لها ارتباط تاريخي بالمغرب، سواء المراسلات القادمة من السلاطين، أو الوثائق العلمية أو العقود، بالإضافة إلى العلوم الأخرى، الشيء الذي يجعل من هذه المخطوطات ذات إضافة بالغة بالنسبة لأكاديمية المملكة أو للمتحف الوطني محمد السادس وللخزانة الوطنية أيضا.

فقد فضلت منظمة “سافاما”، المعترف بها دوليا، تنظيم معرض للمخطوطات الأثرية بالمملكة، والتي قام بجمعها الدكتور حيدرة عبد القادر في مدينة تمبكتو التاريخية ومن مناطق أخرى، وتضم ما مجموعه 378 ألف مخطوطة مكتوبة باللغة العربية، وفي بعض الأحيان باللغات الإفريقية وبالعبرية، تشكل دلالة على التقارب التاريخي العربي الإفريقي وتنوع الحضارات التي عاشت في شمال إفريقيا من عرب وطوارق وأمازيغ وأفارقة.

 وبدأت الحكاية سنة 2018، عندما تقدمت المنظمة المالية “سافاما” بطلب من أجل تنظيم معرض في المملكة المغربية بعنوان: “العودة لتراث تمبكتو” بدعم من وزارة الثقافة بمالي والمغرب، حيث كان يأمل المنظمون نيل الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس فقط، إلا أنهم لم يتلقوا جوابا وتم إهمال الطلب بوضع الملف في درج أحد المكاتب بإحدى مصالح وزارة الخارجية، بالرغم من أن المنظمين قدموا جميع الأسباب والمعطيات حول الأهداف الثقافية والفكرية من أجل تنظيم معرض المخطوطات، الذي تسعى اليوم الجزائر لاحتضانه والاستفادة منه.

تتمة المقال بعد الإعلان
الدكتور حيدرة، المشرف على منظمة “سافاما”

وقد لعب الدكتور عبد القادر حيدرة، المشرف على منظمة “سافاما”، دورا مهما في جمع هذه المخطوطات التاريخية والحفاظ عليها، إذ خاطر بحياته من أجل الحفاظ عليها رغم الأوضاع الأمنية الصعبة عند دخول الجهاديين والجماعات المسلحة للمدينة أيام التدخل الفرنسي في مالي، غير مهتم ولا مبال بالحرب، لأن هدفه منصب على جمع هذا الكنز المعرفي التراثي العربي والإفريقي، الشيء الذي جعله يحظى باهتمام وإشادة من الصحافة العالمية والأوروبية بعد العمل الذي قام به (حيدرة) من أجل إنقاذ المخطوطات التاريخية من الضياع، من بينهم الكاتب الأمريكي جوشا هامر، الذي سيحكي مغامراته في كتاب بعنوان: “مقاومو تمكبتو”.

للإشارة، فقد حصلت منظمة “سافاما” التي يرأسها الدكتور عبد القادر حيدرة، على العديد من الجوائز الدولية والقيمة بسبب محافظتها على المخطوطات خلال فترة الحرب وتصفيفها وحمايتها، منها الجائزة الألمانية الكبرى من قبل الرئيس الألماني فرانك شتاينماير، وجائزة اليونيسكو “جيكجي”، وشهادة “الشرف” من جامعة نيويورك، ومرتبة “الشرف” للدكتور أزنوريس كوزا من المدرسة العليا في ليون، إلى جانب إقامة العديد من المعارض في أرقى المتاحف العالمية، في الإمارات العربية المتحدة، والمتحف البريطاني في لندن، والمتحف الوطني في الهند، ومعهد العالم العربي في باريس، ومكتبة الكونغريس بواشنطن.

وقد كانت مدينة تمبكتو منارة علمية في القرن الرابع عشر، من خلال مسجد جينغاربير وجامعة سانكوري، اللذين كانا بمقاييس ذلك الزمن مركزين فكريين كبيرين بعد قرنين، إذ استقطبت المثقفين والطلبة في جميع مناحي الحياة من جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى ظهور مجموعة ضخمة من المخطوطات حول مواضيع متنوعة مثل الفلسفة والاقتصاد والطب والزراعة وعلم الفلك والرياضيات والدين.

وحسب عدة تقارير، فإن مخطوطات مالي كانت موجودة ضمن أكثر من 100 مكتبة عامة، حيث نجد أن ثلث جميع المخطوطات الموجودة هي لمؤلفين معروفين (314 عنوانا)، كتبها 204 باحثا، ربعهم من غرب إفريقيا، بينما تعود معظم هذه المخطوطات إلى القرن التاسع عشر، إذ كانت المدينة واحدة من عدة مدن في جنوب الصحراء الكبرى التي جذبت العلماء وقدمت التعليم الإسلامي في القرن الخامس عشر الميلادي، أو ما يسمى “العصر الذهبي” لتمبكتو، حيث كان علماؤها معروفين في جميع أنحاء شمال إفريقيا.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى