للنقاش

للنقاش | هل تنجح خطة أوروبا في احتواء أزمة الغاز ؟

في الوقت الذي تتنافس فيه دول الاتحاد الأوروبي على ملء مخزونات الغاز بالكامل قبل موسم الشتاء الذي يشهد ذروة الطلب على الكهرباء لتدفئة المنازل والشركات، يُحذّر خبراء من أن التخزين ليس الحل المثالي لنقص إمدادات الطاقة في القارة العجوز.

ويؤكد خبراء في مجال الطاقة، أن العامل الأكبر لأمن الطاقة في أوروبا خلال فصل الشتاء المقبل، هو خفض الاستهلاك بما يكفي لضمان استمرار الوقود المُخزَّن خلال الأشهر قارسة البرودة، وفقا لوكالة “رويترز”.

وقد أصبحت خزانات الغاز في روسيا ممتلئة الآن بنسبة 79.94 في المائة، حسب ما نشرته “رويترز”، لكن مفوَّضة الطاقة في الاتحاد الأوروبي، كادري سيمسون، أعلنت يوم الأربعاء 31 غشت المنصرم، عن نجاح دول القارة في الوصول إلى تخزين80 في المائة من الغاز قبل الهدف المحدد سابقا بحلول الأول من شهر نونبر المقبل، بحسب بيانات اطّلعت عليها منصّة الطاقة المتخصصة.

بقلم: عبد العالي الطاهري

تتمة المقال بعد الإعلان

مخزونات الغاز في أوروبا

    كان التنافس بين الدول الأوروبية على ملء مخزونات الغاز جد شرس خلال شهور الصيف، خوفا من نقص إمدادات الغاز الروسي جراء هجوم موسكو على كييف في شهر فبراير من العام الجاري (2022)، وما أعقبه من توتر في العلاقات بين البلدين، وحظر لمنتجات النفط والفحم الروسي.

وأعلنت شركة “غاز بروم” الروسية، يوم الأربعاء 31 غشت 2022، عن وقف خط أنابيب “نورد ستريم 1″، للصيانة من الساعة الواحدة صباحا بتوقيت غرينتش إلى غاية يوم السبت 3 شتنبر 2022.

ويمتد موسم الغاز الشتوي من شهر أكتوبر إلى مارس المقبل، ويبدأ موسم الغاز الصيفي في أبريل، وعادة ما ينخفض الطلب على الغاز في موسم الصيف، ويذهب المزيد من الغاز إلى التخزين.

تتمة المقال بعد الإعلان

ويمكن أن تغطي مخزونات الغاز الحالية ذروة استهلاك الغاز في أوروبا خلال موسم الشتاء في أي سنة عادية، لكن في عام 2022، مع انخفاض التدفقات الروسية عبر خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 1” (خط الأنابيب الرئيسي إلى أوروبا) إلى 20 في المائة من طاقته الإنتاجية، فإن هذه المخزونات لن تكون قادرة على تحقيق التوازن المطلوب.

ويرى مركز أبحاث الطاقة “أورورا”، أن التخزين الكامل للغاز يمكن أن يلبي احتياجات الدول الأوروبية لنحو 3 أشهر في أفضل الأحوال.

وفي ألمانيا – موطن ما يقرب من ربع مخزونات الاتحاد الأوروبي-  يمكن للغاز المُخزَّن تلبية 80 إلى 90 يوما من الطلب المتوسط.

وتمكنت ألمانيا في منتصف شهر غشت 2022، من تجاوز الهدف المتمثل في ملء مخزونات الغاز بنسبة 75 في المائة، قبل أسبوعين من الموعد المحدد.

خفض استهلاك الغاز

    قال سيمون تاغليا بيترا من مركز “بروغيل ثينك تانك”: “للتعامل مع هذا الوضع المتأزم، سيكون خفض الطلب أكثر أهمية من ملء مخزونات الغاز”.

ومع تخزين نحو 888 تيراواط/ساعة من الغاز الآن، تجاوزت دول الاتحاد الأوروبي الـ 858 تيراواط/ساعة، التي خُزِّنَت قبل موسم الشتاء الماضي (2021)، لكن، إذا فشلت الدول في خفض استخدام الوقود، فإن كهوف الغاز الأوروبية ستصبح فارغة بحلول مارس 2023، وفقا لبيانات شركة “أي. سي. أي. إس”، حتى في سيناريو يستمر فيه تدفّق بعض الغاز الروسي طوال فصل الشتاء، مع استقرار درجات الحرارة عند مستوياتها المعتادة.

وتواجه العديد من دول الاتحاد الأوروبي انخفاضا في الشحنات الروسية، إذ قطعت موسكو – أو خفضت-  الإمدادات عن نحو 12 من أصل 27 دولة عضوا في الاتحاد.

ولتجنّب الأزمة في إمدادات الطاقة خلال موسم الشتاء المقبل، تحتاج الدول الأوروبية إلى خفض استهلاكها الشهري من الغاز بنسبة 15 في المائة، أي أقل من متوسط الفترة 2017-2021، وسيؤدي ذلك إلى ملء مخزونات الغاز ما بعد الشتاء بنسبة 45 في المائة في حال استمرار روسيا في إرسال الغاز، و26 في المائة إذا خفضت روسيا التدفقات انطلاقا من الشهر الجاري.

وزودت موسكو دول الاتحاد الأوروبي بـ 40 في المائة من احتياجاتها من الغاز قبل غزوها لأوكرانيا في فبراير الماضي، ومنذ ذلك الحين، انخفضت التدفقات الروسية إلى أوروبا بنحو 30 في المائة من متوسط الفترة 2016-2021.

وقال مدير أبحاث الغاز الأوروبي في وود ماكينزي، ماورو شافيز رودريغيز: “إن غياب الغاز الروسي وعدم خفض استهلاك الغاز بنحو كبير في الصناعات والمباني، يمكن أن يؤدي إلى تقنين استخدام الكهرباء خلال موسم الشتاء”، ومع ذلك، لم تحدث حتى الآن التخفيضات المأمولة في الطلب على الغاز بالقارة العجوز، على الرغم من إجبار العديد من الصناعات على تقليص إنتاجها بسبب الأسعار القياسية للغاز، وهي ظاهرة تؤثّر الآن في ثلثي الطاقة الإنتاجية لشركات الأسمدة الأوروبية.

ووافقت دول الاتحاد الأوروبي، في أواخر شهر يوليوز 2022، على خفض استخدام الغاز بنسبة 15 في المائة خلال المدة من شهر غشت 2022 إلى غاية مارس 2023، من متوسط استهلاك شتاء 2017-2021.

وكان معدل استهلاك الغاز في أوروبا في النصف الأول من شهر غشت المنصرم، أقل بنسبة 11 في المائة من متوسط الـ 5 سنوات.

ألمانيا.. الأكثر تضررا

    أظهرت بيانات من هيئة تنظيم الطاقة الفيدرالية، أن استخدام الغاز في الصناعة الألمانية تراجع عند أعلى مستوى له بنسبة 21 في المائة خلال شهر يوليوز 2022، مقارنة بمتوسط الفترة 2018-2021، مقابل 14 في المائة في أوقات سابقة.

وعلى عكس معظم الحكومات الأوروبية، فقد أعلنت ألمانيا في وقت سابق عن بعض التدابير لتوفير استهلاك الطاقة، وتتضمن حظرا على تدفئة حمامات السباحة الخاصة بالغاز، وتقليل إضاءة المعالم العامة، وفرض حظر على المتاجر التي تعمل بنظام التدفئة وتبقي أبوابها مفتوحة طوال اليوم.

وقال محلل الشؤون الأوروبية في “أغورا إنرجيويند”، ماتياس باك: “إن ألمانيا تحتاج إلى خفض استهلاك الغاز بنسبة 20 % إلى 25 % خلال موسم الشتاء، ويشمل ذلك خفض الطلب من الأسر، وهي خطوة يجب أن تصاحبها المزيد من الإجراءات الحكومية لحماية الأسر منخفضة الدخل من ارتفاع تكاليف الغاز والطاقة”.

وتسببت المستويات المرتفعة لأسعار الغاز في ألمانيا في دفع فواتير الكهرباء بمستويات غير مسبوقة، ودخل واحد ضمن كل 4 أشخاص – حتى الآن-  ضمن نطاق شرائح “فقر الطاقة”، وفق بيانات معهد “كولوغن للأبحاث الاقتصادية”.

وسيؤدي عدم خفض الاستهلاك في فصل الشتاء المقبل، إلى زيادة صعوبة ملء مخزونات الغاز.

وسبق أن قال معهد “أكسفورد لدراسات الطاقة”، أنه إذا فشلت أوروبا في تقليص الاستهلاك، وخفضت روسيا تدفقات الغاز، فقد يُستَنزَف مخزون القارة بحلول شهر نونبر 2023.

وساعدت واردات الغاز الطبيعي المُسال أوروبا على ملء مخزونات الغاز بسرعة هذا العام، لكن في حال غياب التدفقات الروسية في سنة 2023، لن تكون سوق الغاز الطبيعي المسال قادرة على إعادة مرافق التخزين في أوروبا إلى مستويات ما قبل الشتاء، ومن ثم، فإن تقليص استهلاك الغاز في القارة العجوز أمر حتمي لا مفرّ منه، لذلك قال محلل الشؤون الأوروبية في “أغورا إنرجيويند”، ماتياس باك: “التخزين هو عنصر الأمان بالنسبة لأوروبا، لكن ما نحتاجه كأولوية في هذه الأزمة، هو خفض كبير في الطلب على الغاز”.

صادرات خطوط أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا تهبط لأقل مستوى في 40 عاما

    تراجعت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب لأقل مستوى في 40 عاما خلال يوليوز 2022، مع تداعيات غزو أوكرانيا، وأظهر تقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، أن صادرات خطوط أنابيب الغاز من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة سجلت 1.2 مليار قدم مكعبة يوميا، منتصف يوليوز 2022، وهو أقل مستوى منذ ما يقارب الـ 40 سنة.

وخلال الـ 7 أشهر الأولى من سنة 2022، تراجعت صادرات الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنسبة 40 % تقريبا مقارنة بالمدة نفسها من عام 2021، كما هبطت بنحو 50 % تقريبا مقارنة مع متوسط آخر 5 سنوات (2017-2021)، وفقا لبيانات شركة “ريفينيتيف إيكون”.

وكان الغاز الروسي يمثل ثلث إمدادات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عبر خطوط الأنابيب خلال المدة بين سنتي 2016 و2020.

صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا

    تراجعت صادرات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة منذ سنة 2020، نتيجة لانخفاض الطلب في أوروبا مع تداعيات وباء “كورونا”، وفي منتصف سنة 2021، بدأت روسيا في الحد من صادراتها من الغاز الطبيعي لأوروبا إلى الأحجام المتفق عليها في العقود طويلة الأجل فقط، وأنهت مبيعات السوق الفورية.

وبلغ متوسط صادرات روسيا من الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة 16 مليار قدم مكعبة يوميا سنة 2019 قبل أن يتراجع في سنتي2020 و2021 إلى 12.4 و10.9 مليار قدم مكعبة يوميا على التوالي.

وتصدّر روسيا الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة من خلال3 ممرات رئيسة لخطوط الأنابيب، التي تبلغ سعتها 16 مليار قدم مكعبة يوميا، مع الخطوط الصغيرة المرتبطة بها.

ووفقا لوكالة “ليبر ميركادو”، يُعَد الغاز الأمريكي باهظ الثمن، إذ يُستخرج عن طريق التكسير، ثم يُصدّر في صورة غاز مسال.

كما اشترت إسبانيا 5 آلاف و882 غيغاواط/ساعة (18.8 مليار قدم مكعّبة) من الغاز الطبيعي شهريا من نيجيريا في العام الجاري (2022)، ما يشكل ارتفاعا مقارنة بالعام الماضي، حيث عرف تسجيل 1142 غيغاواط/ساعة (3.65 ملايير قدم مكعّبة) برسم سنة 2021.

ويعد هذا الغاز أكثر تكلفة بسبب الحاجة إلى إسالته، ونقله بوساطة ناقلات الغاز المسال.

بالإضافة إلى ذلك، استوردت إسبانيا 5 آلاف و317 غيغاواط/ساعة (17 مليار قدم مكعبة) شهريا من روسيا، ما يشكل ارتفاعا مقارنة بالعام الماضي، حيث عرف تسجيل 2204 غيغاواط/ساعة (7.05 مليار قدم مكعّبة) في شهر يوليوز 2021، وفقا للبيانات الرسمية لشهر يوليوز، وهي الإمدادات التي تضاعفت بـ 2.4 مرة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق (2021).

وعلاوة على ذلك، كان من المفترض أن إسبانيا اضطرت إلى إرسال الغاز إلى شمال أوروبا، لتخفيف النقص الناجم عن الأعمال الانتقامية من روسيا، والواقع هو أن الـ 20 يوما الأولى من شهر غشت قد استُخدمت لوقف إرسال الغاز إلى شمال أوروبا عبر خط أنابيب غاز “بيرينيه”، واستقبلت إسبانيا الغاز عبر فرنسا، حسب تقرير نشرته بعض وكالات الأنباء.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى