للنقاش

للنقاش | هل يتسبب “الطبالون” في تكريس عزلة المغرب عن المحافل الدولية ؟

"إعلان سمرقند"

“حين يكثر في بيتك الطبالون فإنك لا تسمع ما يحدث في بيت الجيران”.. مناسبة هذا الكلام هي التجاهل التام الذي ميز تعاطي دبلوماسيتنا مع الخلاصات التاريخية الهائلة التي انبثقت عن مؤتمر “منظمة شنغهاي للتعاون” قبل بضعة أيام بسمرقند، عاصمة أوزبكستان.. مؤتمر بلغ من الأهمية ما جعل رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكايف، يوم الجمعة 16 شتنبر 2022، يصف “منظمة شنغهاي للتعاون” بأنها “أنجح منظمة دولية في العالم الحديث”.

بقلم: المصطفى كرين

    لقد عرف مؤتمر “منظمة شنغهاي للتعاون” مشاركة زعماء العديد من الدول الكبرى والقوى العظمى مثل الصين وروسيا والهند وتركيا وغيرهم، لكن المحبط في كل هذا، هو استمرار حالة التجاهل إن لم نقل الغيبوبة الجيوستراتيجية التي يعيشها المغرب في هذا الصدد، فبعد غياب المغرب التام عن مؤتمر “بريكس” المنعقد مؤخرا، ها هو مؤتمر “منظمة شنغهاي للتعاون” يمر دون أي يثير لدينا أي أسئلة أو اهتمام، ولا يفوتني هنا أن أشيد بحيوية دبلوماسية بلدان مثل تركيا ودول الخليج، وبالأخص قطر ومصر، اللتين حصلتا على صفة شريك في الحوار، وعلى خطاهما تسير كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين، بينما نقبع نحن في أسفل أجندة التحالف الغربي ونعتبر ذلك مدعاةً للاحتفاء والاحتفال مع كامل للأسف، وفيما يخص مصر، فإنه يكفي الإشارة هنا إلى تصريح السفير الروسي بالقاهرة، غيورغي بوريسينكو، الذي كشف عن أكبر صفقة من نوعها في تاريخ مصر وروسيا، والمتعلقة بتصنيع أكثر من 1000 عربة قطار لمصر على الرغم من العلاقات التقليدية والمتينة للدولة المصرية مع كل من أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، أما تركيا، فإن قدرتها على حماية استقلالها السياسي والاقتصادي والعسكري في وجه التحالف الغربي، لم تعد خافية على أحد، ويكفي لتأكيد ذلك، التذكير مثلا وليس حصريا، باقتناء منظومة الصواريخ “S 400” من روسيا على الرغم من معارضة وتنديد الإدارة الأمريكية بذلك، سواء في عهد الجمهوريين أو في عهد الديمقراطيين، وعلى الرغم من عضوية أنقرة في حلف “الناتو” وعلى الرغم من وجود قانون أمريكي يسمح بفرض عقوبات على الدول التي تتعامل مع روسيا فيما يتعلق بصفقات السلاح، وهو بالمناسبة نفس القانون الذي طلب من خلاله سيناتور أمريكي مؤخرا بفرض عقوبات على الجزائر، كما يعتبر دور أنقرة في تسهيل مرور الغاز الروسي والحبوب والسلع الروسية نحو بقية العالم ورفضها للانضمام للعقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا، مؤشرا أكثر من أكيد على استقلال تركيا وطموحها الإقليمي والدولي، وعلى التقارب التركي الروسي، الذي وصل حد موافقة أنقرة، في هذا الظرف بالذات، على تفعيل قرار دفع ربع وارداتها من الغاز الروسي بالروبل .

كما أن الاعتبار الذي أصبحت “منظمة شنغهاي للتعاون” تحظى به، جعلها تلعب خلال “قمة سمرقند” دورا هاما في تهدئة العديد من النزاعات المسلحة، مثل الصراع الحدودي الذي اندلع بين طاجيكستان وقيرغيزستان، أو ذلك الدائر على حدود أذربيجان وأرمينيا، وهو ما يؤشر على تعاظم الدور السياسي والجيواستراتيجي لـ”منظمة شنغهاي”.

والأهم من كل ما سبق، هو أن الخلاصات التي انتهى إليها المؤتمر والمتضمنة فيما سمي بـ”إعلان سمرقند”، تعتبر نقطة تحول تاريخية كبرى سيكون لها بالغ الأثر على مستقبل العالم، بينما لم يعرها للأسف أي اهتمام، لا سياسيونا المنشغلون بمصالحهم، ولا دبلوماسيونا المنشغلون بنزواتهم، ولا إعلاميونا المغلوب على أمرهم، ولا بعض الباحثين، على قلتهم في بلدنا، ومن أهم الفقرات الواردة في “إعلان سمرقند”، تجدر الإشارة إلى ما يلي:

تتمة المقال بعد الإعلان

1) غياب أي إدانة لروسيا على خلفية الحرب الأوكرانية، وهو ما يعني ضمنيا وسياسيا الوقوف إلى جانب موسكو في صراعها مع التحالف الأمريكي الأوروبي، ويتأكد ذلك من خلال:

– إدانة المؤتمرين لاستعمال العقوبات الاقتصادية ضد الدول على خلفية منازعات سياسة، وهي إشارة واضحة موجهة للتحالف الأمريكي الأوروبي؛

– إدانة استعمال ذريعة محاربة الإرهاب للتدخل في شؤون الدول والدعوة للتعاون الإقليمي والدولي في محاربة هذه الآفة عوض توظيفها؛

– التركيز على التعاون البناء في المجالات الاقتصادية والسياسية بين جميع الدول؛

تتمة المقال بعد الإعلان

– الدعوة لتأسيس نظام دولي عادل ومبني على القانون الدولي بدل النظام العالمي الحالي المبني على ما تسميه أمريكا “القواعد”؛

– الدعوة للاستثمار الأمثل لدور الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية.

لذلك، وبناءً على ما سبق، أعتقد أننا سنرى مستقبلا وربما أسرع مما نظن، تأسيس بنيات مالية بديلة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهو ما يعني انهيارا وشيكا وتاما ونهائيا للنظام العالمي الحالي القائم على الهيمنة المالية والاقتصادية الغربية، كما أحسب أننا بتنا قاب قوسين أو أدنى من خروج حلف سياسي آسيوي مناهض للغرب، إلى العلن.

إن تأكيد المؤتمرين – في بلاغهم الختامي – على ضرورة إصلاح منظمة الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، ينبئ بقرب تغيير موازين القوى والقواعد المتحكمة في سير هاتين المنظمتين، وإعادة صياغتهما بما يجعل العالم ثنائي القطبية بحق.

يحدث هذا في الوقت الذي نضع فيه نحن كل بيضنا في سلة الاتحاد الأوروبي، السائر نحو التفكك بسرعة جنونية، وللتدليل على هذا المنحى، وحتى لا نتهم بالتحامل، نسوق على سبيل المثال لا الحصر، مجموعة من الإشارات:

– أولا: الحملة الموجهة مؤخرا ضد هنغاريا – والتي سبق لي أن توقعتها في مقال سابق، وقلت حينها بأن هنغاريا وصربيا ستكونان الضحيتين المقبلتين للتحالف الغربي على خلفية قربهما من روسيا – والتي انطلقت (الحملة) يوم الخميس 15 شتنبر من البرلمان الأوروبي، عبر استعمال تلك الأسطوانة المتهالكة التي لا يملك الغرب غيرها، وعبر إصدار تقرير (هو الرابع من نوعه في حق بودابيست) يدعو من خلاله مجلس الاتحاد الأوروبي إلى “الاعتراف بخطر الانتهاكات الجسيمة من قبل هنغاريا للقيم الأساسية التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي”، حيث أشار النواب الأوروبيون إلى ما اعتبروه “المشكلات الرئيسية في هنغاريا”، والمتعلقة في نظرهم بـ”سير العمل بالنظام الدستوري والانتخابي، واستقلال القضاء، والفساد، وحماية البيانات الشخصية، وحرية الإعلام، وحرية التدين، وحماية حقوق الأقليات، بما في ذلك المثليين والأقليات القومية، وحقوق المهاجرين واللاجئين”، واقترحوا أن “ترفض المفوضية الأوروبية دفع حصة هنغاريا من الميزانية الأوروبية”، والتي تتلقاها البلاد كجزء من خطة الإنعاش الاقتصادي إلى أن يتم “القضاء على جميع الانتهاكات”، وهذه في نظري ليست سوى مقدمات تروم سحب العضوية من هنغاريا، وهو ما يعني سياسيا بداية تفكك الاتحاد، لأن قرارا كهذا يحظى بالإجماع .

– ثانيا: تشديد إجراءات التأشيرة بالنسبة للروس رغم تضرر بعض دول منطقة “شينغن” من ذلك، باعتبار علاقاتها البشرية والاقتصادية والسياسية مع روسيا، يعتبر بداية لتفكك فضاء “شينغن”، الذي يعتبر اليوم من أهم إنجازات البناء الأوروبي، بالإضافة إلى منطقة الأورو والاتحاد الجمركي.

– ثالثا: اندلاع نزاع سياسي عميق بين ألمانيا وبولونيا، حيث تطالب هذه الأخيرة ألمانيا بتعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، بينما ترد ألمانيا من خلال التلويح بالمطالبة بمراجعة الحدود بين البلدين بعدما تم اقتطاع أجزاء من ألمانيا وإلحاقها ببولونيا في نهاية الحرب.

– رابعا: في فرنسا هذه المرة، اندلاع مظاهرات مؤطرة من منظمة “باتريوت” و”السترات الصفراء”، للمطالبة بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي ومن “الناتو”، والمتظاهرون أصبحوا مدعومين بتصريحات العديد من القادة السياسيين على غرار مارين لوبين، رئيسة كتلة “التجمع الوطني” اليميني في البرلمان الفرنسي، والتي وصفت مشاركة باريس في العقوبات المناهضة لروسيا بـ”الخطأ الجيوسياسي الفادح”.

– خامسا: في السويد، اليمين المتطرف يطيح برئيسة الحكومة السويدية التي قادت مساعي الانضمام لـ”الناتو”، مما يعني ضمنيا معارضة السويديين لأي تقارب مع “الناتو” أو عداء مع روسيا.

– سادسا: تقترب ألمانيا من الدخول في سباق نفوذ وتسلح مع فرنسا، بعدما قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إن “بلاده يجب أن تصبح القوة المسلحة الأفضل تجهيزا في أوروبا”.. لقد ظلت الأدوار موزعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا بين فرنسا التي تعتبر مركز الثقل السياسي والعسكري للقارة العجوز، وألمانيا التي تعتبر مركز الثقل الاقتصادي والمالي للاتحاد الاوروبي (بعد انسحاب بريطانيا)، أما اليوم، فإن نفوذ ألمانيا الاقتصادي بات في خطر، مما دفعها للتفكير في تعزيز نفوذها السياسي والعسكري في مواجهة فرنسا التي من جهتها أصبح نفوذها السياسي قاريا ودوليا في انحدار مستمر، وهو ما ينذر بفصل من التنافس الحاد وربما الطلاق بين طرفي محور باريس-برلين.

أما فيما يتعلق بنا نحن، صحيح أن المغرب الاقتصادي يعزز تواجده في إفريقيا، وأن مشاريع كبرى مثل خط الغاز نيجيريا-المغرب وغيره، تعتبر مبادرات هامة جدا، لكن من الواقعية أن نعترف بأنه سيكون من المستحيل بالنسبة لنا مواجهة منافسين مثل الصين وروسيا التي تتحرك في ظل تكتلات سياسية واقتصادية جبارة، كتلك الدول المنتمية لـ”منظمة شنغهاي للتعاون” ومنظمة “بريكس” إذا لم نفكر في أن نكون جزءً من هذا التسونامي القادم من الشرق، وهذه الديناميكية الدولية التي تتفاعل حولنا.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى