للنقاش

للنقاش | التصنيف العالمي يؤكد إفلاس الجامعات المغربية

لماذا غاب المغرب عن تصنيف شنغهاي؟

إن غياب الجامعات المغربية مرة أخرى عن تصنيف شنغهاي لهذه السنة في الوقت الذي تحضر فيه جامعات عديدة تنتمي إلى الوطن العربي وإلى إفريقيا (ربما بل أكيد أن جميعها تعتمد الإنجليزية كلغة تدريس)، في مصر والأردن والإمارات والسعودية ولبنان وسلطنة عمان، (هذا الغياب) يمكن اعتباره إعلانا صريحا عن فشل منظومة التعليم العالي برمتها في بلادنا، منظومة ظلت لسنوات تلتهم الميزانيات دون إنتاجية أكيدة أو فاعلية كبيرة.. فلا يعقل مثلا ألا ينطبق معيار من المعايير الستة التي تأخذ بعين الاعتبار في هذا التصنيف على جامعة من جامعاتنا، وهذا أمر مخجل فعلا، فلا جوائز ولا أبحاث ولا إصدارات ولا جودة تعليم ولا حوكمة مؤسسات.. والغريب حقا هو الصمت وغياب أي رد فعل من طرف المسؤولين أو من طرف المعنيين مباشرة بقطاع التعليم والبحث العلمي في بلادنا تجاه هذه الوضعية.
فهذا التصنيف أصبح – للأسف – يذكرنا دوما بوضعنا، حيث يتكرر كل سنة من طرف جهات ومؤسسات دولية مختلفة، والنتيجة واحدة ولو تعددت التصنيفات.

بقلم: د. رضوان زهرو

    إن الجامعات التي تحترم نفسها عندما تحتل مراتب متأخرة (لا نقول غير مصنفة)، تحاول بكل الطرق الممكنة تصحيح هذا العطب والعمل على تحسين وضعها والانطلاق من جديد، أما نحن الذين لا وجود لنا في جل التصنيفات، فعندنا تقييمنا الذاتي الخاص بنا تقوم به وكالاتنا وأجهزتنا الوطنية مشكورة، وهي على كل حال ترى الأمور على ما يرام، بل وتراها في تحسن مستمر، ولا تهمنا التصنيفات الدولية الأخرى في شيء.

إذا كانت الجامعة المغربية تعتبر مكونا أساسيا من مكونات المنظومة التعليمية، نظرا لعراقتها والدور الريادي الذي لعبته، عبر تاريخها، في تكوين الأطر والكفاءات، فإن هذا الدور أصبحت تشوبه اليوم نقائص كثيرة وأعطاب مزمنة، أبرزها ضعف البحث العلمي الحقيقي والإصدارات العلمية العالية الجودة، طبعا في المجلات المصنفة والمعروفة عالميا، إلى جانب هدر الطاقات، سواء على المستوى البيداغوجي أو العلمي أو المادي أو اللوجستيكي..

تتمة المقال بعد الإعلان

لقد ركنت الجامعة المغربية لفترة طويلة إلى الفتور والاجتراء، وتكونت فيها لدى العديد من الفاعلين عقلية تكرس الاكتفاء بالموجود وعدم التوق إلى بديل أفضل قد يتطلب بذل جهود إضافية أو إنجاز أعمال تعتبر عبئا جديدا لا داعي للالتزام به. ولعل هذه العقلية الراسخة هي أولى العقبات التي تعترض طريق الإصلاح، والتي تتطلب الكثير من الجهود لتبديدها وتغييرها بعقلية تستجيب لمتطلبات التغيير، وتندمج في العملية الإصلاحية عن إيمان واقتناع حتى يتم تعزيز مكتسبات الجامعة المغربية والنهوض بدورها وتحسين مردوديتها وأدائها لخلق أجيال جديدة من الشباب تتسم بالوعي الشامل وبالمعرفة الواسعة والقدرة على الاندماج في المجتمع بيسر وانسجام، ولن يتم ذلك من دون:

1) أستاذ باحث بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والدرجات، على أساس من الجدارة والاستحقاق والتفوق البيداغوجي والعطاء العلمي المتواصل، من خلال بحوث جادة ودراسات متميزة ومشاريع بحثية مستمرة لا تكون ظرفية أو تحت الطلب، بل تمثل جزء من خطة بحثية تتماشى مع البرامج والسياسات والاستراتيجيات الإنمائية الوطنية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن شبكة الترقي المعمول بها اليوم في جامعاتنا، تعتبر غير متوازنة تماما، حيث لا تعطي لأنشطة البحث والتكوين أي أهمية أو قيمة مقارنة مع الأنشطة الموازية، الثقافية والرياضية والنقابية، في حين تؤدي، وبالنظر إلى نظام الكوطا المتبع، إلى مزيد من توتر العلاقات بين الزملاء الأساتذة في المؤسسة الواحدة، وداخل الجامعة الواحدة، وذلك نتيجة التنافس الشديد بينهم على الترقيات، والذي قد يصل في بعض الأحيان إلى حد التصارع والتصادم والتخاصم، خاصة بالنسبة للترقية في النسقين الاستثنائي والسريع، والتي تتم في الكثير من الأحيان من خلال الكولسة والمصالح المتبادلة وموازين القوى داخل المؤسسة بعيدا عن كل تقييم موضوعي للإنتاجات العلمية والكفايات التربوية والبيداغوجية للأساتذة.

2) أستاذ باحث يجري إعداده وتكوينه وتدريبه حتى يصير ذا خبرة وكفاءة عالية، فلا ينقطع بعد ذلك عن القيام باجتهاد شخصي أو تعلم ذاتي أو تكوين مستمر يمكنه من التعامل مع المستجدات ومسايرة المتغيرات.

3) أستاذ باحث متقن للغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية، وللتكنولوجيات الحديثة، مواكب للتطورات العلمية الجديدة، وتخضع برامجه ومضامين محاضراته وطرق تدريسه للتقويم والتصحيح والتعديل باستمرار.

تتمة المقال بعد الإعلان

4) أستاذ باحث معتز بمهنته ومتحمس لها ومتمكن منها، مخلص أمين، متعاون متفاعل، يكون قدوة حسنة ونموذجا مثاليا، لا يتغيب من دون سبب، ويعوض محاضراته التي يغيب عنها، يحترم زمن المحاضرة كاملا من دون نقصان أو مماطلة أو كلام غير مفيد، أستاذ يشجع طلبته على الإبداع والتفكير الناقد، ويتجاوب مع أسئلة الطلبة ومداخلاتهم ويحترم ويتقبل آراءهم وانتقاداتهم.

5) أستاذ باحث يقدم المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، يحترم القوانين والأنظمة ومواعيد الامتحانات، ويتعامل مع أوراق هذه الامتحانات بكثير من الجدية، بل والقدسية، لا يظلم عند التقييم، لا يستفيد من محسوبية أو من علاقات شخصية، دائم الحضور في المؤسسة وعند الحاجة إليه ولو خارج أوقات المحاضرات، وذلك لاستقبال الطلبة والاستماع إليهم وتفهم أوضاعهم ومساعدتهم والسعي إلى حل مشاكلهم.

إن أي إصلاح منشود يجب أن يحدد بصفة واقعية البرامج والمجالات الكفيلة بتحسين فعالية ونجاعة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في بلادنا، وتنميتها والدفع بها نحو إعادة النظر في دورها، والعمل على تكييف هذا الدور مع متطلبات العصر المتجددة، وإقرار نظام تعليمي جديد يقوم على ضوابط وبنود غير التي تعودت عليه الجامعة المغربية منذ سنين طويلة، الأمر الذي لن يتحقق إلا من خلال:

1) تحسين عرض التعليم العالي، قصد ملاءمته مع البرامج الوطنية للتنمية، وفي هذا السياق، يجب تسريع وتيرة تحضير تكوينات مهنية مناسبة تمكن من الملاءمة المستمرة والرفع من قابلية اندماج الخريجين في سوق الشغل؛
2) إعادة تأهيل المؤسسات الجامعية، عن طريق ترشيد المرافق المتوفرة بهدف ضمان استقبال أمثل وتوسيع الطاقة الاستيعابية في أفق مواكبة النمو المتوقع لأعداد الطلبة، وكذلك تأهيل وصيانة البنيات التحتية وتجديد معداتها المتقادمة، بهدف ضمان استمرار جودة التكوينات بها؛
3) تحسين المردودية وتقليص الهدر والانقطاع عن الدراسة، بالرفع من نسبة الحصول على الشواهد، وذلك عبر إدراج دروس في اللغات وتقنيات الإعلام والتواصل ومنهجية العمل الجامعي، لتمكين الطلبة من التحكم في آليات ومناهج العمل الخاصة بالمحيط الجامعي.
4) تطوير الحكامة وتحسين القدرات التسييرية، واتخاذ تدابير كفيلة بترشيد وعقلنة الموارد البشرية والمادية والإدارية من خلال تنويع والاستغلال الأمثل للموارد، وتطبيق طرق الجودة وفق الأولويات، وكذلك التدبير التشاركي الذي يرتكز على قاعدة التسيير المشترك، والتي تتوخى تعبئة وإشراك كل الفاعلين؛
5) تعزيز قدرات الموظفين وتطوير كفاءات الأساتذة الباحثين وآليات تأطير الأنشطة البيداغوجية وأنشطة البحث، من أجل التوفر على موارد بشرية مؤهلة وفقا للنظم والمعايير الدولية، وذلك باستفادة الأساتذة الباحثين من تكوينات و/أو تداريب بالخارج، مع إعطاء أولوية خاصة للتكوين البيداغوجي للأساتذة الباحثين الجدد، ونفس الشيء يجب أن يتم بالنسبة الموظفين الإداريين والتقنيين؛

6) النهوض بالبحث العلمي والتقني وتثمينه، بتسخيره أكثر للاستجابة لحاجيات المحيط الاقتصادي والاجتماعي، وتوجيهه نحو المشاريع التي لها انعكاس مباشر على قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكذلك الانخراط القوي في مشاريع البحث والتنمية، بإنجاز مشاريع بحث تشاركية مع المقاولات والرفع من عدد المشاريع المحتضنة والمقاولات الناتجة عن الاحتضان، وتقوية الشراكات مع المهنيين، كما يمكن للكفاءات المغربية المقيمة بالخارج أن تساهم بشكل مكثف في تطوير أنشطة البحث، وذلك بالعمل على استقطاب باحثين وخبراء مغاربة مقيمين بالخارج؛

7) تحسين حكامة البحث العلمي، عبر وضع هياكل لتدبير وتتبع المشاريع وتقييم أنشطة البحث والتعاون الدولي، والتشجيع على إنشاء مراكز ومجموعات البحث في مجالات متعددة، مع مد المزيد من الجسور بينها وجعلها متسمة بالعمل الجماعي تماشيا مع روح الإصلاح، والتشجيع على الانخراط في برامج البحث وطلبات العروض لدى المؤسسات والهيئات الدولية.

إن أي خطة أو استراتيجية للنهوض بقطاع التربية والتكوين، كيفما كانت، لا يمكن أن تنجح وتحقق الأهداف المتوخاة منها من دون تنمية التعليم العالي وتوظيفه لخدمة الاقتصاد، والربط بينه وبين أنشطة البحث العلمي، لكن كذلك وأساسا، ضرورة الالتزام بمجانية التعليم الأساسي، والاهتمام بتعليم المرأة، والانفتاح على النظم التعليمية المتطورة، والاهتمام بالتعليم الأولي، وتركيز التعليم الابتدائي على المعارف الأساسية والمعاني الوطنية، وتوجيه التعليم، خاصة الثانوي منه، لخدمة الأهداف الوطنية، والعناية بمعاهد تدريب المكونين والتدريب الصناعي، والتوافق مع التطورات التقنية والمعلوماتية، وكذلك ضرورة إقامة ما يعرف بالمدارس الذكية التي تتوفر فيها مواد دراسية تساعد المتعلمين على تطوير مهاراتهم واستيعاب التقنية الجديدة، وذلك توافقا مع الثورة التي تشهدها تكنولوجيا الاتصالات والمعلوميات، وأهم عناصر المدرسة الذكية هي: التدريس من أجل التعلم، ونظم وسياسات إدارة مدرسية جديدة، ثم إدخال مهارات وتقنيات تعليمية وتوجيهية متطورة، وقد بدأت تطبيقات المدارس الذكية في عدد من الدول باستخدام واستثمار الحاسوب في مجال التعليم، إذ وضعت الخطط والاستراتيجيات الوطنية بهدف إدخال الرقمية للمدارس والاستفادة منها، ومن أشهر تلك الدول الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، وتعتبر هذه المدارس تطبيقا لمشروع التعليم الإلكتروني، الذي يقوم على تطوير أربعة محاور رئيسية في العملية التعليمية، وهي: تدريب وتطوير مهارات العنصر البشري؛ مناهج وطرق التدريس؛ مشاريع البنية التحتية للمدارس؛ وإنشاء المحتوى ومصادر التعلم الرقمي.

إن مداخل الإصلاح هذه، يجب أن تحكمها الثلاثية التالية: ضمان الجودة، النهوض بالبحث العلمي التنموي، وتأهيل الموارد البشرية، وذلك اعتمادا على فلسفة ومبادئ الحوار والتواصل والتشارك، خدمة للطلبة والمجتمع والوطن.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

‫2 تعليقات

  1. ما يهمنا هو بحث علمي تنتفع به بلادنا من أجل تطوير اقتصادها وطاقاتها في مختلف المجالات. هذا يتطلب من السيد الوزير إنزال برنامج بحث علمي نافع يدعو مكونات الجامعات للإنخراط فيه. حاليا كل أستاذ يبحث غالبا في مجال بحث تكون فيه، غالبا ما يكون مرتبط ببحوث برمجتها دول متقدمة، تعمل على إيجاد حلول لمشاكلها.
    وجب على السيد الوزير العمل على إنزال برنامج بحث علمي مرتبط بتطوير بلادنا المغرب وليس نشر البحوث من أجل الترتيب…..

  2. Les professeurs universitaires gagnent jusqu’à 3 millions par mois en grade C et ils négocient avec le ministre pour avoir un grade D à 4 millions par mois

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى