مع الحدث

مع الحدث | معطيات تؤكد تهديد الأمن المائي للمغاربة

أصبحت العديد من المناطق في المملكة مهددة بالجفاف مع بداية فصل الصيف، بسبب قلة الموارد المائية، الناتجة عن قلة التساقطات المطرية خلال السنة الجارية، مما أدى إلى تراجع مهول في مخزون السدود الرئيسية، التي أصبحت لا تتجاوز 30 في المائة من نسبة الموارد المائية، مما يجعلها معرضة لمزيد من التناقص مع ارتفاع درجات الحرارة ونسبة الأوحال والأتربة.

وحسب إحصائيات وزارة التجهيز بخصوص قطاع الماء، فإن سدود المملكة التي تفوق سعتها الإجمالية 16 مليار متر مكعب، سجلت خلال السنة الحالية 4.8 مليار متر مكعب فقط، مما يبرز التراجع الكبير لمستوى مياه السدود والناتج عن قلة التساقطات خلال السنة الجارية، حيث تم تسجيل 188 ملم فقط خلال شهر أبريل الماضي، أي بانخفاض 42 في المائة مقارنة مع السنوات الماضية.

 

إعداد : خالد الغازي

 

    يطرح مشكل الماء العديد من التساؤلات حول السياسات العمومية في هذا القطاع منذ حكومة التناوب، لا سيما على مستوى سياسة بناء السدود واستغلال مياه الأمطار والحفاظ على الفرشة المائية، لكون الأزمة الحالية التي تعرفها العديد من مناطق المملكة، ناتجة عن غياب استراتيجية بعيدة المدى للحفاظ على الثروة المائية، وتوزيعها بشكل عادل على جميع الجهات والأقاليم.

يقول عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، أن الماء كمادة حيوية ذات بعد استراتيجي، يطرح إشكالية حقيقية، نظرا للتراجع المهم الذي سجلته الموارد المائية، ونظرا للاختلالات الحاصلة على مستوى تعبئة وتدبير الثروة المائية الوطنية، والملاحظ – للأسف – وجود نوع من الاستغلال المفرط للماء على الرغم مما تقتضيه ظروف الجفاف والتقلبات المناخية من ترشيد وعقلانية في استهلاكه، مسجلا انعدام سياسة حكومية فعلية لمواجهة هذه الإشكالية بمقاربة مبتكرة تحقق الأمن المائي وتجعل الماء عنصرا أساسيا من عناصر التنمية.

وأضاف شهيد أن المعطيات اليوم تبين أن الموارد المائية لبلادنا تقدر حاليا بأقل من 650 متر مكعب للفرد سنويا، علما أن وضعية الخصاص تصبح قائمة بدءً من 1000 متر مكعب للفرد سنويا، وتبرز أيضا أن القطاع الفلاحي يطغى بشكل كبير على الاستهلاك الوطني للمياه، حيث يستحوذ على أكثر من 85 % من الموارد المائية المتوفرة، وهو ما يتطلب منا ضرورة التعامل بمسؤولية واستعجالية مع الموضوع، ويتطلب من الحكومة التحلي بالجرأة لمعالجة الإشكالات المائية الحقيقية من خلال تعزيز الاستثمار العمومي والبحث عن آليات مبتكرة وناجعة.

مشكل الماء والسياسات العمومية

    أوضح شهيد أنه من أجل تنبيه الحكومة إلى جسامة الأزمة، تقدم الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، منذ شهر يناير الماضي، بطلبات لعقد اجتماعات للجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن تخصص لهذه الإشكالية، أملا في أن تتفاعل الحكومة مع تصورات الفريق ومقترحاته لمعالجة قضايا المياه، سواء فيما يتعلق بالاستعمال المنزلي أو الاستعمال الفلاحي.

وأكد شهيد أن المعضلة الحقيقية التي يعيشها قطاع الماء تتعلق أساسا بنوع السياسة العمومية المعتمدة في هذا المجال، حيث أن بلادنا في أمس الحاجة إلى إبداع سياسة عمومية شاملة تستند إلى الإصلاح المؤسساتي بما يوفر شروط الحكامة الجيدة في التدبير المندمج لمختلف الموارد المائية الوطنية، كما أننا في حاجة إلى سياسة عمومية تقوم على التوزيع العادل للثروة المائية وتعزيز المخزون الوطني المائي، مبرزا أن الفريق الاشتراكي يلح على ضرورة تحرك الحكومة من أجل اتخاذ تدابير استعجالية لتفعيل التوجيهات الملكية السامية، بجعل الماء جزء لا يتجزأ من المنظومة الوطنية المتكاملة للمخزون الاستراتيجي، والتي دعا إليها جلالة الملك، وأيضا اتخاذ الإجراءات العملية الكفيلة بتفعيل الاستراتيجية الوطنية للماء التي تم عرضها على أنظار الملك منذ سنة 2019.

وأوضح أنهم – كمعارضة – طالبوا الحكومة مؤخرا بمناسبة المناقشة العامة لتقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2019 و2020، بمعالجة الاختلالات المسجلة والقطع مع المنهجية السابقة في تدبير ملف الماء، وعقد مناظرة وطنية حول الماء بمشاركة كافة المتدخلين في القطاعين العام والخاص، والفعاليات المدنية المعنية، والخبراء المهتمين بالأمن المائي، بهدف بلورة استراتيجية وطنية مستدامة لتثمين الثروة المائية.

تناقض في سياسة تدبير الماء

    من جانبه، قال المحلل الاقتصادي عمر الكتاني، أن الاقتصاد مرتبط بالماء من خلال أهمية هذه المادة الحيوية في القطاع الفلاحي، مثل الكهرباء الذي يعد ضروريا في القطاع الصناعي، الشيء الذي دفع ببعض الشركات للاستثمار في مجال تحلية مياه البحر، خاصة في الأقاليم الجنوبية مثل العيون والسمارة وغيرها، رغم أنها عملية مكلفة ماديا، لكن البعد الصناعي يظل مهما لتمويل هذا الاستثمار عكس المجال الفلاحي، مضيفا أن مشكل الماء مرتبط بأزمة دامت لأكثر من ثلاثة عقود، بسبب الوزير الأسبق إدريس البصري، الذي كان يخطط فقط لبناء 14 ملعبا للغولف في المملكة ولا يفكر في المستقبل، خاصة وأن هذه الملاعب تستهلك كميات خيالية من المياه، متسائلا: هل كان مقبولا تدشين ملاعب تحتاج لكميات كبيرة من المياه ومعرضة للتصحر القادم من دول جنوب الصحراء؟

وأوضح الكتاني بأن هناك تناقضات لدى الدولة في سياسة تدبير الماء، حيث كانت تشجع على بناء ملاعب للغولف التي تستهلك المياه بكثرة، وفي نفس الوقت تقدم الدعم والاستثمار في القطاع الفلاحي، لتشجيع المزارعين والتعاونيات على استعمال السقي بالتنقيط (goute à goute)، رغم النقص الكبير للمياه الذي يعرفه القطاع، وأضاف أن الإشكالية الأخرى المطروحة، تكمن في غياب صيانة السدود، التي تعرف تراكم الأوحال، مما يتطلب عملية تقنية لعزل هذه الترسبات التي تعيق تجمع المياه داخل السد، مشيرا إلى أن الصين التي توفر التغذية والمنتجات الزراعة لفائدة أكثر من مليار نسمة، تقوم بعملية إصلاح شاملة للسدود حيث قامت بإصلاح حوالي 11 ألف سد في فترة وجيزة، مشيرا إلى غياب سياسة بناء سدود جديدة والتي وضعها الملك الراحل الحسن الثاني وكانت جد مهمة ووفرت المنتجات الفلاحية وأعطت نتائج كبيرة في القطاع، لكن الملاحظ هو تراجع بناء السدود خلال السنين الأخيرة، رغم عودة الحديث عن وجود استثمارات لبناء سدود جديدة.

 

تراجع حصة كل مواطن من الماء

    يرى الأستاذ عمر الزيدي، خبير وباحث في الإيكولوجيا، أن وضعية الماء في المغرب، أصبحت خطيرة جدا وتتطلب من الجميع الوقوف عندها، خاصة وأن بعض الأرقام تكشف عن تراجع كبير في الثروة المائية على الصعيد الوطني، حيث كانت حصة كل مواطن سنة 1962 تصل إلى 3562 متر مكعب في السنة، غير أن هذه الحصة تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، فخلال سنة 2010 مثلا، بلغت حصة كل مواطن من الماء 667 متر مكعب، وحاليا تقلص هذا الرقم إلى 550 متر مكعب، مما يبرز تراجع الموارد المائية، والملاحظ أنه خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في فصل الشتاء، عدم انتظام التساقطات التي تتهاطل في يومين أو ثلاثة أيام وهي مدة قصيرة لا تستفيد منها الفرشة المائية ولا التربة ولا الفلاحة، لأن معظم المياه تضيع في البحر.

وأضاف الزيدي أن وضعية الماء خطيرة جدا تتطلب من المواطنين استهلاك الماء بشكل معقول والحفاظ عليه، إلى جانب السياسات العمومية التي يجب أن تتخذ إجراءات قوية في مجال ترشيد استعمال الماء، سواء في عمليات سقي المزروعات أو من خلال تحلية مياه البحر واستغلالها في القطاع الفلاحي، وتطوير معالجة المياه العادمة، منتقدا إهدار المياه وضياعها في العديد من المدن المليونية دون أن يتم استغلال هذه المياه في محطات لمعالجة المياه العادمة، مما يجعل كميات كثيرة من هذه المياه تضيع، مشددا على ضرورة القيام بدراسات للتعامل مع مياه الأمطار والاستفادة منها والبحث عن حلول لاستغلال المياه التي تتساقط في ظرف وجيز.

مشكل الماء والتغييرات المناخية

    هناك العديد من المواد الكيماوية التي يتم استعمالها في الزراعة والتي لها تأثير كبير على التربة، يقول الزيدي، حيث لا تسمح بتسرب مياه الأمطار إلى الفرشة المائية مثل الماضي، وذلك يعود لعدة أسباب، منها التغيرات المناخية والاحتباس الحراري، واستغلال الطاقة واحتراق المواد البترولية والفحم الحجري والغازات، التي تزيد من التغيرات المناخية الخطيرة، والتي نلاحظها من خلال كثرة الفيضانات التي تجتاح فرنسا وهولندا في فصل الصيف، مؤكدا على أهمية التنبيه الذي قامت به السلطات بخصوص وضعية الماء، لكن يجب القيام بإجراءات كفيلة بمعالجة هذا المشكل المرتبط بالتغيرات المناخية، من خلال توفير وسائل لاستغلال التساقطات المطرية التي تذهب في قنوات الصرف الصحي، سواء من الناحية التقنية أو إنجاز محطات لذلك، موضحا: “مشكل الماء مرتبط بالتغيرات المناخية، والمؤثرين في العالم لا يريدون التراجع عن أساليب إنتاج الطاقة المستعلمة، لهذا يفضلون الاستمرار في الوضعية لأنهم يجنون أرباحا طائلة، ويرفضون البدائل بشكل قوي رغم وجود الطاقات البديلة، والمغرب يقوم بمجهودات كبيرة لاستعمال الطاقة البديلة رغم أنها لن تصل لمستوى البترول الذي يسهل نقله واستعماله”.

 

غياب التوزيع العادل للثروة المائية

    قال أحمد الدخيسي، رئيس جمعية “قطرة ماء”: “ندرة المياه مطروحة بشكل كبير، لكن المشكل يكمن في غياب التدبير الجيد لمياه السدود، وتوزيعها على السكان بشكل منصف وعادل، لأن العديد من السدود تحيط ببعض الجماعات القروية والدواوير، إلا أن هذه المناطق لا تستفيد من هذه الثروة المائية التي تنقل إلى المدن، بينما ساكنة هذه الجماعات الواقعة بالقرب من السدود (سد الوحدة، سد إدريس الأول، سد تاهلة وغيرها) لا تستفيد من الماء لا الصالح للشرب ولا غيره.

وأوضح الدخيسي، أن عملية تدبير الماء على صعيد إقليم تاونات مثلا، والجهة، يتطلب إرادة سياسية، لأن الحلول ممكنة لتوزيع عادل للموارد المائية التي في حقينة السدود، وتوزيعها على الساكنة بشكل منصف، وخاصة السدود التي تتوفر على طاقة استيعابية هائلة مثل سد “أسفلو” الذي تصل طاقته لأزيد من 290 مليون متر مكعب، لكن الساكنة القريبة منه لا تستفيد منه، معتبرا أن مشكل الماء مرتبط بالتدبير المحلي للموارد، ولا بد من مبادرات من الجهات المعنية والمكتب الوطني للماء، لتمكين الجماعات القريبة من السدود من حصصها في الماء، وقال: “مشكل الماء يبرز تداخل المهام بين العديد من المؤسسات العمومية والقطاعات العمومية، والماء دخل في مجال الاستثمار من خلال المكتب الوطني للماء الذي تحول إلى شركة ذات صبغة ربحية، الشيء الذي يتطلب من الجماعات الترابية توقيع اتفاقيات للشراكة مع المكتب من أجل توفير الماء للساكنة، فالماء مصدر العيش بالنسبة للأسر التي تعيش في الدواوير والقرى، حيث يصبح الهاجس اليومي لساكنة تلك المناطق هو البحث عن قطرة ماء عوض البحث عن مصدر الرزق”.

 

تراجع في معدل ملء السدود

    تعرف السدود المتواجدة في وسط وجنوب المملكة تراجعا كبيرا في مخزونها حسب آخر إحصائيات قطاع الماء التي أصدرتها وزارة التجهيز حول وضعية السدود خلال شهر يوليوز الحالي، وبعض السدود مثل سد بين الويدان بإقليم أزيلال، نزلت حقينته من 30 في المائة سنة 2021 إلى 13 في المائة الآن، ونفس التراجع يعيشه سد المسيرة المتواجد بإقليم سطات، وهو ثاني أكبر سد في المملكة بعد سد الوحدة، حيث تراجع معدل ملئه إلى 5.1، مع العلم أنه يغطي حاجيات العديد من المناطق ضواحي جهة الدار البيضاء سطات.

وتتفاوت نسبة ملء السدود حسب موقعها الجغرافي وقربها من الأنهار، حيث تعرف بعض السدود المتواجدة قرب الأودية والمناطق التي تعرف سقوط الثلوج وتساقطات مطرية مهمة نسبة لا بأس بها كما هو الحال بالنسبة لسد وادي المخازن بالقصر الكبير، الذي تراجعت حقينته إلى 61 في المائة عوض 91 في المائة خلال السنة الماضية، ثم سد الوحدة بتاونات الذي سجلت حقينته مؤخرا نسبة 50.7 في المائة، ثم سد النخلة بتطوان الذي تتراوح نسبته 85 في المائة، ثم سد شفشاون 94 في المائة.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى