متابعات

متابعات | هل يحتاج المغرب سيارات خدمة أكثر من أمريكا وكندا ؟

إهدار المال العام على عربات الدولة

إن عدد سيارات الدولة الخاصة بمصالح المرافق العمومية أو الجماعات المحلية في المغرب، يصل إلى أزيد من 130 ألف سيارة مصلحة، وهو عدد ضخم يفوق كثيرا عدد سيارات المصالح العمومية في دول عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تضم 53 ولاية ولا تتعدى سيارات المصلحة 72000 سيارة، وكندا التي لا تتوفر إلا على 26000 سيارة خدمة فقط، وهما دولتان متقدمتان من حيث المساحة وعدد السكان والمستوى الاقتصادي والتكنولوجي والرفاهية، كما أنهما تتفوقان على المغرب في جميع المجالات ولهما نظام فيدرالي متطور يعطي اختصاصات واسعة للجهات، حيث يحتاج الموظفون فيها إلى تنقلات ليس من أجل المتعة والنزهة، ولكن من أجل خدمة المصلحة العامة للمواطنين تحت مراقبة صارمة لاستعمال هذه السيارات، ولا يخطر ببال المواطنين في هذه الدول الراقية أن تستعمل سيارات المصلحة العامة التابعة للدولة لأغراض شخصية عائلية.

بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة

    تصنف سيارات الدولة في المغرب وفق الرتب والمسؤوليات، ويحدد لها رصيد مالي ضخم جدا يصل إلى 450000 درهم، أي 45 ألف دولار لسيارات الوزراء، و350 ألف درهم، أي 35 ألف دولار، لسيارات الكتاب العامين ومدراء الدواوين الوزارية، و120000 درهم، أي 12 ألف دولار بالنسبة لسيارات المأموريات، من حضور الاجتماعات وغيرها.

ومن الدول التي تتوفر على عدد قليل من سيارات الدولة، هناك اليابان، وهي دولة متقدمة راقية مصنعة، لكن عدد سيارات الدولة فيها لا يتعدى 3400 سيارة، وبالرغم من ذلك، فإن الإدارة اليابانية تعتبر من أفضل الإدارات تطورا وأداء، وهو الأمر الذي يدل على أن الإدارات المتخلفة والأكثر بيروقراطية مثل المغرب، هي التي تتوفر على أكبر عدد من سيارات الدولة التي تشكل في مثل هذه الدول مصدرا للفوضى وتبذير وإهدار المال العام في قضاء الأغراض الخاصة والنزهات العائلية والتظاهر بالسلطة والتباهي بالمال بواسطة سيارات الدولة التي هي ملك لجميع المواطنين، في حين تزداد نسبة الفقر والأمراض والبطالة وانعدام السكن وضعف الخدمات الطبية وارتفاع نسبة الأمية والهجرة إلى الخارج بحثا عن لقمة العيش، بسبب سياسة التهميش والإقصاء.

أما في هولندا، فان رئيس الوزراء يذهب إلى مقر عمله على متن دراجة هوائية، بالمقابل، أصبحت سيارات الدولة التي تحمل العلامة الحمراء في بلادنا، تستعمل في خدمة عائلات وأقارب وأصدقاء رؤساء المصالح العمومية، لنقل أطفال الموظفين ورؤساء الجماعات الحضرية والقروية إلى المدارس، والزوجات إلى الأسواق التجارية والحمامات ومحلات التجميل والتزيين والحفلات الساهرة، وإلى الأعراس، كما تستعمل لقضاء العطل والنزهات.. كل هذا في غياب آليات المراقبة الصارمة لتحديد نطاق استعمال هذا العدد الهائل من سيارات الدولة التي هي في الواقع ملك للمواطنين، إذ تقدر مصاريف التبذير بحوالي 21.600.000 درهم، نتيجة فوضى الاستعمالات غير القانونية والجولان بسيارات الدولة خارج أوقات العمل دون مراقبة ولا محاسبة، فهناك جماعات صغيرة متخلفة في جميع الميادين، يتوفر رؤساؤها على سيارات فخمة تقدر قيمتها بملايين الدراهم وهم أصلا لا يحتاجون إلى تنقلات مهمة لخدمة المصلحة العامة، فالعبرة ليست بعدد السيارات الفخمة، بل العبرة بالإنجازات التي يحققها رؤساء المصالح في الإدارات والجماعات في الوقت الذي نشاهد فيه رؤساء أكبر البلديات في أوروبا وأمريكا يتوفرون على مستوى عال من الثقافة والكفاءة والخبرة والعلم والمعرفة، يفضلون استعمال سياراتهم الخاصة أو التنقل على متن الدراجات الهوائية بكل تواضع من أجل خدمة المواطنين، مع العلم أن هؤلاء الرؤساء يحققون إنجازات ضخمة لمواطنيهم في الوقت الذي نسمع في بلادنا كل يوم عن فضائح الرشوة واستغلال النفوذ واختلاس المال العام من طرف مسؤولين، وعمليات تزوير واستغلال النفوذ أبطالها رؤساء جماعات لا يزالون جاثمين في كراسي المسؤولية منذ سنوات عديدة، وهذه تبقى وصمة عار تطبع تاريخ بلادنا، إذ تنفرد حياتنا السياسية بعدة أمور غريبة لا نجد لها مثيلا في دول أخرى على اختلاف درجاتها في ما يخص الديمقراطية، وهذا السلوك الغير أخلاقي يساهم في إعاقة أي جهد يهدف إلى الخروج ببلادنا من الوضع المتردي الراهن الناتج عن الفساد بجميع أشكاله واحتكار السلطة من طرف المفسدين ورجال المال والأعمال، الأمر الذي نتج عنه تسيب في الإدارات العمومية وإهمال وفساد في جميع القطاعات حتى أصبح الهدف المنشود هو الوصول إلى كرسي المسؤولية بأي وسيلة وممارسة التحكم والسلطة المطلقة على الآخرين، وبهذا يترسخ الاستبداد في البلاد، أما في الدول التي تحترم إرادة المواطنين، فإنها لا تتسامح مع المفسدين وفي هذا الصدد، سبق أن قضت محكمة هندية بسنة حبسا نافذا في حق توتا سينغ، وزير الزراعة في الحكومة المحلية لولاية البنجاب، وذلك بسبب إساءة استخدام سيارة الدولة خلال توليه منصب وزارة التعليم، حيث أوضحت صحيفة “هندوستان تايمز” الخبر، بأن المحكمة حكمت أيضا على الوزير الهندي بغرامة مالية قدرها 30 ألف روبية، أي حوالي 600 دولار، لكنها أفرجت عنه بكفالة لتمكينه من الطعن في الحكم لدى المحكمة العليا الهندية، وجاء في منطوق الحكم ما يلي: ((إن المتهم كان يسيء استخدام سيارة مجلس التربية والتعليم لحكومة البنجاب، مما تسبب في خسائر مالية جسيمة، وعندما يتصرف شخص يكون على رأس شؤون التربية والتعليم على هذا النحو، فلا بد للآخرين أن يسيروا على خطاه))، وهذا تعليل سليم وحكيم وصائب، لأن القائمين على تربية الأجيال الصاعدة يفترض فيهم أن يكونوا القدوة الحسنة للآخرين ومثلا لهم في النزاهة والإخلاص والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكان مكتب التحقيقات في البنجاب قد اعتقل وزير التربية الوطنية توتا سينغ عام 2002 بتهم “التزوير وحيازة أصول وممتلكات لا تتناسب مع مصادره المعروفة للدخل، تصل قيمتها إلى حوالي مليون دولار”، لأن المسؤولية في الهند مقرونة بالمحاسبة والعقاب، وكما هو معروف، فإن الهند دولة مصنعة وعدد سكانها ومساحتها الجغرافية يفوقان المغرب بكثير، ومع ذلك فإنها تفرض قيودا صارمة ومراقبة شديدة على استعمال سيارات الدولة والحفاظ على المال العام عكس ما يقع في المغرب، حيث نشاهد ظواهر التسيب والإهمال وإهدار وتبذير المال العام بشكل واسع.

محمد الغلوسي

    وفي هذا الصدد، يبدي الأستاذ محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، امتعاضه من ظاهرة تبذير المال العام حيث يقول: “في الوقت الذي تعيش فيه مدينة مراكش ركودا اقتصاديا وتعاني فئات اجتماعية كثيرة من تداعيات جائحة كورونا، لا يتردد مسؤولون عن هدر وتبديد المال العام في شراء سيارات أو كرائها بأثمنة مرتفعة في وقت يفترض فيه أن يوجه ذلك إلى مشاريع تعود بالنفع على المواطن”، وأضاف قائلا بأن السيارة الواحدة يصل ثمنها إلى 208.800 درهم، أي ما يوازي 21.467 دولارا، وهو ما يثير أكثر من علامة استفهام حول دواعي الأمر في ظل امتلاك مجلس الجماعة الحضرية لمراكش لأسطول مهم من السيارات ما زال قيد الخدمة، وكلنا يتذكر الضجة الإعلامية التي تناولت اقتناء وزير الأوقاف لسيارة فخمة آخر صيحات السيارات الألمانية والتي يفوق ثمنها 90 مليون سنتيم، وهناك بعض المسؤولين سجلوا سيارات الدولة بأسمائهم وأصبحت تحمل أرقاما عادية، وغيرها من الحالات، وبالتالي، فإن هذه الاختلالات في استعمال سيارات الدولة واختلاس المال العام، هي التي أحدثت ثقبا كبيرا في خزينة الدولة المغربية التي هي ملك للمواطنين، ويستفيد رجال السلطة ورؤساء الجماعات والموظفون، من مجموعة من الامتيازات والتعويضات، هذا فضلا عن سيارات الدولة التي يسمونها “سيارات المصلحة”، يعني مصلحتهم الخاصة لكن تتحمل خزينة الدولة نفقات هذه السيارات التي تثير انتقادات حادة في ظل اتهامات بتبذير المال العام، وبشأن التبذير على مستوى رواتب ومعاشات البرلمانيين في المغرب، يتصدر رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران أعلى الرواتب، إذ يصل راتب المعاش الذي يحصل عليه إلى 70.000 درهم بينما يبلغ راتب رئيس الجمهورية الفرنسية 8500 أورو، هذا مع العلم أن الفرق شاسع جدا بين المردودية السياسية لكل من المسؤولين، ولا زلنا نتذكر وضعية بن كيران قبل توليه رئاسة الحكومة عندما كان يملك سيارة “رونو” بسيطة جدا إلى أن تحول كليا وبدل ثوبه فأصبح يمتطي سيارة فارهة من نوع “مرسيديس” قيمتها 80 مليون سنتيم وسيارات رباعية الدفع أمام منزله من نوع “تويوتا” لا يقل سعرها عن 50 مليون سنتيم، فهذا هو التغيير الذي يناضل من أجله زعماء الأحزاب السياسية في المغرب، والذين يسعون إلى تحقيق أرباح  بدون محاسبة ولا أداء ضرائب كباقي المواطنين في هذه البلاد حيث تتراكم الثروة في أيدي قلة قليلة من الأشخاص، فينعكس التناقض الأساسي في الرأسمالية بين الطبيعة الاجتماعية والشكل الرأسمالي الخاص للتملك، في التطاحن بين طبقتين أساسيتين في المجتمع، هما الطبقة المضطهدة التي تناضل من أجل العيش الكريم والتي تتحمل الواجبات مثل أداء الضرائب، والطبقة المسيطرة التي لا تؤدي أي شيء وتمثل رجال المال والأعمال والمحظوظين من الموالين للسلطة الحاكمة والذين يمتصون دماء المواطنين دون رحمة ولا شفقة، وهنا يكمن خطر انهيار الدولة.

ورغم مطالبة العديد من المركزيات النقابية والجمعيات الحقوقية وهيأة حماية المال العام، بوقف التبذير في الإدارات العمومية والتجاوزات التي يشهدها استعمال سيارات الدولة، معتبرين أنه من الضروري وضع آليات للمراقبة تضمن استعمالها بشكل ملائم مع حاجيات الإدارة، وكذلك منع من ليس لهم الحق في استعمال هذه السيارات، إلى أن العبث والاستهتار بالمال العام لا زال متواصلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى