متابعات

متابعات | هل يضيع خبز المغاربة بين المطاحن والمخابز والحكومة ؟

في غياب القانون

عاد الحديث والجدال من جديد في صفوف المغاربة حول سعر الخبز في ظل الظروف الحالية التي تتسم بغلاء جميع المنتجات الغذائية، مما يجعل المستهلك المغربي يصطدم بزيادات يومية في الأسواق، لكن ما لا يمكن قبوله من قبل المواطنين، هو ارتفاع سعر الخبز الذي يباع في المخابز وفي الأسواق الممتازة وعند محلات البقالة، لكونه المادة اليومية الأساسية الأكثر استهلاكا عند الأغلبية الساحقة من الأسر.

 

إعداد: خالد الغازي

 

    خلقت الفيدرالية المغربية للمخابز والحلويات الجدل بعدما أعلنت عن اعتزامها الزيادة في سعر الخبز وتحررها من الثمن المرجعي المحدد في 1.20 درهم، مؤكدة أنه لا يوجد أي اتفاق مع الحكومة من أجل الحفاظ على هذا الثمن، خاصة وأن أرباب المخابز لا يتلقون أي دعم مباشر.

من جانبها، رفضت الجامعة الوطنية للمخابز والحلويات بالمغرب، دعوة الفيدرالية لتحرير سعر الخبز، وقالت أنها لا زالت عند العهد بخصوص الإبقاء على الثمن العادي المحدد ثمنه في 1.20 درهم للخبزة الواحدة، مساهمة منها في المحافظة على السلم الاجتماعي والأمن الغذائي للمواطنين، مشيرة إلى أنها تبحث عن فتح حوار مسؤول وبناء مع الحكومة من أجل إيجاد السبل الكفيلة لحل معضلة ارتفاع تكلفة إنتاج الخبز العادي.

ويعد الخبز مادة غذائية ضرورية عند المغاربة، لأنه مرتبط بتقاليد عريقة ولا بد أن يكون حاضرا في أي مائدة مغربية، مما يتطلب تقنينه ودعمه، خاصة في ظل الغلاء الذي يضرب القدرة الشرائية للمواطنين.

بوعزة الخراطي

    في هذا السياق، يقول بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، أن “الوزير الراحل محمد الوفا – منذ سنوات – سبق أن رفض مطلب الزيادة في سعر الخبز خلال اجتماع مع ممثلي أرباب المخابز وأصدر مرسوما يسمح للمخابز بتخفيض الوزن ونقصان الحجم على ألا ينقص عن 190 غراما، وألا يفوق 210 غرامات، لكن الملاحظ في السوق أن وزن الخبزة هو 140 غراما فقط”، مشيرا إلى أن الخبز من الناحية القانونية غير مقنن منذ سنوات، حيث أنه منذ أحداث 1981 قامت الحكومة بتحديد سعر الخبز في 1.20 درهم.

وأوضح الخراطي أن الحكومة تدعم الدقيق اللين عند استيراده من الخارج، والذي تستعمله المخابز في إنتاج الخبز وباقي العجائن، مما يتطلب تقنين سعره عوض أن يبقى مجرد عرف، معتبرا أن الخلاف والتضارب الحاصل بين الجامعة والفيدرالية حول مطلب الزيادة في ثمن الخبز أو الحفاظ عليه يستوجب إصدار نص قانوني لحماية المستهلك، خاصة وأن بعض المخابز تضيف إليه مادة السمسم (الزنجلان) مثلا، وتبيع الخبز بسعر 3 دراهم ونصف.

المستهلك يؤدي الضريبة

    يقول الخراطي: “المستهلك يؤدي الضريبة، لكون مجال بيع الخبز غير مقنن وعشوائي، حيث يكون سعر الخبز في بعض الأماكن أكثر من 1.20 درهم المتفق عليه مع الحكومة، ولا بد من تخصيص يوم وطني للخبز نظرا لأهميته الكبيرة، ومناقشته من الناحية الصحية والاقتصادية والاجتماعية حتى تكون لدينا صورة واضحة لأجل حماية المستهلك وتقنين السعر، خاصة في ظل التضارب الحاصل بين الفيدرالية والجامعة الوطنية للمخابز”، وأضاف أن “أزمة القمح الحاصلة بسبب الحرب في أوكرانيا لن يكون لها تأثير على المغرب، لأنه يستورد القمح الصلب من كندا وأمريكا ولا يستورده من أوكرانيا، لكن قد يكون الاستيراد عبر فرنسا التي تقوم بتسويق القمح الأوكراني في السوق الأوروبية فقط، مما دفع دول شمال إفريقيا والمغرب خاصة، إلى البحث عن أسواق جديدة لاستيراد هذا الغذاء الأساسي من البرازيل والأرجنتين من خلال تدبير مفاوضات مع هذه البلدان ودول أخرى، كما تم إعفاء عملية الاستيراد من الرسوم الجمركية.

 

برنامج تعاقدي ميت

    دعت الفيدرالية المغربية لأرباب المخابز والحلويات، عقب الأيام الدراسية التي نظمتها بمراكش مؤخرا، إلى وضع استراتيجية حكومية لترشيد إنتاج واستهلاك مادة الخبز ووضع قانون يجرم هدرها، وإعداد برنامج تعاقدي لتنظيم وتأهيل وتطوير قطاع المخابز والحلويات، وكذا وضع استراتيجية حكومية لإدماج القطاع غير المهيكل في صناعة الخبز والحلويات.

و كشف عبد النور الحسناوي، رئيس الفيدرالية المغربية لأرباب المخابز والحلويات، أن البيان الذي أصدرته الفيدرالية بخصوص مطلب تحرير سعر الخبز، جاء عقب الأيام الدراسية التي تطرقت لموجة غلاء الأسعار التي تعرفها المواد الأولية، والزيادة الحاصلة في المحروقات التي أصبحت لا تطاق، ثم المشاكل التي يعيشها المهنيون في ظل غياب قوانين تنظيمية وغياب برامج تعاقدية من أجل تأهيل وتنظيم المجال، مضيفا أن هناك مجموعة من المعطيات والمشاكل دفعت ممثلي الفيدرالية على الصعيد الوطني، للاجتماع خلال أشغال الأيام الدراسية، للخروج ببيان يؤكد أن قطاع المخابز ينأى بنفسه عن أي عرف لأنه يعنى بالثمن المرجعي للخبز، وأضاف أن الخبز مادة محررة من الناحية القانونية لأنه لا يوجد قانون يحدد ثمنا معينا في غياب ضوابط للحفاظ على السعر أو الحجم، مستغربا التصريحات الحكومية التي تقول أنها تدعم مادة الخبز بأرقام كبيرة، أي 50 مليارا شهريا لدعم خبز  بثمن 1.20 درهم، ثم تحدثت عن دعم يصل لـ 300 مليار خلال ستة أشهر لقطاع المخابز للحفاظ على الثمن، رغم عدم تلقي أرباب هذا القطاع لأي دعم وليس لهم أي اتفاق مع الحكومة بخصوص تلقي الدعم للحفاظ على الثمن.

وأشار ذات المتحدث إلى أن الحكومة تدعم قطاعا آخر بطريقة مباشرة وليس قطاع المخابز الذي لا يتلقى أي دعم مباشر منها، ولا يربطه أي اتفاق مع الحكومة بخصوص هذا الموضوع باستثناء برنامج تعاقدي سابق خلال المدة بين 2011 و2015، والذي انتهى، حيث أنه منذ تلك الحقبة لا يوجد أي اتفاق أو برنامج يجمع أرباب المخابز مع الحكومة الحالية أو السابقة، مبرزا أن الفيدرالية طالبت ببرامج تعاقدية من أجل تأهيل القطاع، وبقوانين تنظيمية تؤطره من أجل ترشيد مادة الخبز في الإنتاج والاستهلاك.

لا وجود لدعم حكومي للخبز

القيري محمد

    من جانبه، القيري محمد، الكاتب العام للفيدرالية، أنه خلال بداية السنة الحالية، خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، بتصريح حكومي قال فيه أن الدولة تدعم أصحاب المخابز بـ 50 مليارا شهريا من أجل المحافظة على سعر الخبز في 1.20 درهم، وهذا غير صحيح، مما دفع بالفيدرالية للخروج ببلاغات ترفض فيها هذه التصريحات المجانبة للصواب، لأن أرباب المخابز لا يحصلون على أي دعم مباشر من الحكومة، مضيفا أن الوزير المنتدب في المالية فوزي لقجع، نفى ذلك وكشف أن أصحاب المخابز لا يتلقون الدعم المباشر، ولكن الدولة تدعم مستوردي القمح في كل قنطار عبر تأدية فرق 280 درهما لكي يكون ثمن كيس الدقيق من 100 كلغ في السوق بـ 350 درهما، ويكون في متناول أصحاب المخابز حتى يحافظوا على سعر الخبز في حدود درهم و20 سنتيما.

وأضاف أن الوزير مصطفى بايتاس صرح بأن الحكومة دعمت مستوردي القمح بـ 300 مليار درهم، وأن هناك اتفاقا بين أصحاب المخابز والمطاحن مع الحكومة، وهذا منافي للصواب، لأن هذا الاتفاق قديم كان في إطار برنامج تعاقدي محدود خلال الفترة ما بين 2011 و2015، يتيح لأرباب المخابز شراء الدقيق ما بين 330 و350 درهما للقنطار، على ألا يتجاوز سعر الخبزة 1.20 درهم التي وزنها 200 غرام، مشيرا إلى أن “هذا الاتفاق انتهى في سنة 2015، والإشكال المطروح هو أن الحكومة تنشر مغالطات مقصودة وأنها إذا كانت تقدم الدعم المالي من المال العام وتعطيه لجهة ما، لا يحق لها ذكر أصحاب المخابز، بحيث تبرر للمواطن بأنها تدعم الخبز بطريقة غير مباشرة مع مستوردي الحبوب”، وقال: “نحن نشتري الدقيق ونضيف إليه مجموعة من المكونات التي تحسن إنتاج الخبز، مثل السكر ومادة محسنة مرخصة من طرف مكتب السلامة الصحية، بينما إذا تم استعمال الدقيق فقط مع الماء والملح فسوف يخرج الخبز يابسا وغير قابل للاستهلاك ويستحيل أن يشتريه المستهلك، لهذا نضيف السكر لكي يكون رطبا، وهذا يزيد من تكلفة إنتاج الخبز تنضاف إليها مصاريف الماء والكهرباء وأجور المستخدمين، إذ أنه منذ سنة 2015 إلى الآن، حصلت زيادات كثيرة في المواد المستعملة مثل الخميرة والزيت والملح وغيرها”.

وتابع القيري أن “المنتج يجب أن يتحرر من العرف والثمن المرجعي، لأنه يشتري موادا أخرى إضافية تدخل في إنتاج الخبز، حتى يتمكن من تحديد هامش الربح حسب تكلفة الإنتاج ويبيع الخبزة الواحدة بدرهم أو درهمين أو أقل، بينما العرف الحالي الذي يحدد الثمن المرجعي في 1.20 درهم لا يساوي حجم المصاريف والمشاكل والاتهامات التي توجه إلى المخابز، وخاصة إذا كان الدقيق غير جيد وأنتج خبزا غير جيد”.

وأشار المتحدث نفسه إلى أن “الدراسة التي قامت بها وزارة الفلاحة مع مكتب دراسات بخصوص البرنامج التعاقدي في القطاع، خلصت إلى فشل البرنامج بسبب عدم توفره على تمثيلية، لكون الجامعة الوطنية لم تجدد هياكلها وفروعها، مما أدى إلى تأسيس حركة تصحيحية قامت بتأسيس الفيدرالية الوطنية للمخابز”.

 

المخابز تستفيد من دعم الدقيق

الحسين أزاز

    الحسين أزاز، رئيس الجامعة الوطنية لأرباب المخابز، قال: “إن تحرير الخبز موجود منذ سنة 2000 من خلال قانون حرية الأسعار والمنافسة، لكن عند حدوث ارتفاع قياسي في سعر الحبوب، قررت الدولة وضع قانون الاعتدال، وفق اتفاق موقع مع الجامعة الوطنية للمطاحن والمكتب الوطني للحبوب والقطاني والجامعة الوطنية للمخابز، أساسه أن الدولة تلتزم بأن تدعم القمح اللين (الممتاز) لكي يصل للمطاحن بـ 260 درهما بما فيها مصاريف النقل، والمطاحن حسب دفتر التحملات الموقع مع وزارة الفلاحة والمكتب الوطني للحبوب، عليها بيع الدقيق الممتاز بـ 3.50 دراهم، ولهذا، فجميع المخابز ملزمة – حسب هذا الاتفاق – ببيع الخبز بدرهم و20 سنتيما، لا زيادة فيه ما دامت الدولة تدعم الدقيق والمطاحن مستفيدة منه، وبالتالي، أرباب المخابز هم أيضا مستفيدون من هذا الدعم.

وأضاف أزاز أن “هناك مواد أخرى شهدت زيادة مثل الخميرة بـ 12 درهم في العلبة، وزيت المائدة، ورواتب المستخدمين، لكن لا يعقل، خصوصا في الظروف الراهنة، أن نخرج عن الإطار والالتزامات وعن البرنامج التعاقدي الموقع مع أربع وزارات وله محور ينص على تأهيل القطاع والمحافظة على الأفران التقليدية، خاصة وأن الخبز مادة مقدسة داخل المجتمع المغربي وموجود في جميع الموائد، من جهة أخرى، ينص البرنامج على تطوير القطاع والإنتاج ومواكبته، ثم سياسة التكوين والمقاربة الاجتماعية للقطاع لكي تكون له تنافسية،

واعتبر أن “مطالب الفيدرالية بزيادة سعر الخبز غير مقبولة وليست بريئة، بل إنها تسعى للتشويش والابتزاز، بعدما سبق لها أن شككت في جودة الدقيق رغم أن هناك دفتر تحملات ينظم عمليات الاستيراد والطحن والتوزيع”، مشيرا إلى أن الجامعة لو وجدت أن الالتزامات غير موجودة في أرض الواقع، سوف تلجأ مباشرة للزيادة في ثمن الخبز والقيام بالإضراب، لأن الدستور يكفل ذلك، وقال: “لدينا برامج تعاقدية مع الحكومة وهناك دراسة استراتيجية للقطاع قام بها مكتب دراسات على صعيد 8 جهات في المغرب، خلصت إلى توصيات لتشخيص القطاع، قصد توقيع برنامج تعاقدي جديد يضم أربع وزارات (الفلاحة والتجارة والداخلية والمالية) في سنة 2020، لكن تم تأجيله بسبب كوفيد عقب المناظرة الفلاحية في مكناس”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى