مع الحدث

مع الحدث | عودة الصراع حول مدونة الأسرة

تسابق خطير بين الأحزاب والنقابات

خرجت بعض الأحزاب السياسية والمنظمات النسائية من جديد للمطالبة بمراجعة قوانين مدونة الأسرة، للحد من بعض الاختلالات والمشاكل التي يعرفها المجتمع، مثل الطلاق، وزواج القاصرات، والحضانة، والنفقة، وذلك بعد 18 سنة من تطبيق المدونة التي ترى الحركات النسائية أنها غير كافية لتحقيق التكافؤ والمساواة بين الجنسين.

 

الرباط. الأسبوع

 

    بعد الحركات النسائية وهيئات المجتمع المدني المطالبة بتعديل المدونة، قررت أحزاب سياسة، في المعارضة والأغلبية، تبني مطلب مراجعة مدونة الأسرة من خلال الفرق البرلمانية وتنظيم اللقاءات، حتى أصبح التنافس كبيرا بين أحزاب الأغلبية والمعارضة للدفاع عن المساواة بين المرأة والرجل، ومناقشة قضايا الطلاق، وتزويج القاصرات، والإرث، وغيرها من الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية، وقد برز هذا الصراع خصوصا بعدما قرر وزير العدل عبد اللطيف وهبي، تبني ملف المساواة وتعديل مدونة الأسرة، حيث يسعى لكي يحسب له هذا الأمر باستجابته للهيئات النسائية المطالبة بمقاربة النوع.

ترى السعدية بنسهلي، فاعلة سياسية في حزب الاتحاد الاشتراكي ورئيسة اللجنة  المنبثقة عن المنظمة الاشتراكية للنساء الاتحاديات، أنه يجب إعادة النظر في مدونة الأسرة لأنها لا زالت تكرس التمييز واللامساواة مع المرأة، خاصة بعدما كشفت السنوات الماضية عن وجود اختلالات على مستوى المحاكم بخصوص الطلاق والنفقة والولاية، والعديد من المشاكل الأخرى التي تعاني منها النساء داخل المجتمع، معتبرة أن النص كيفما كان في المدونة، سواء قانونيا أو تنظيميا، يجب أن يستجيب لانتظارات النساء ويتماشى مع واقع المجتمع والدور الذي تلعبه المرأة حاليا في العديد من المجالات حتى تحظى بمكانتها الحقوقية والسياسية داخل مجتمع ديمقراطي.

وأوضحت بنسهلي أن المشكل يكمن في التيار المحافظ الذي لا يقبل الاجتهاد في الدين والنصوص الدينية، رغم أن المجتمع المغربي تقدم وأصبح من اللازم تأويل النص الديني من خلال الاجتهاد بالعقل، وإعادة فهم النصوص مع واقع المجتمع الحالي لرد الاعتبار لمكانة المرأة على المستوى الثقافي والحقوقي وتنظيم العلاقات بينها وبين الرجل في المجتمع، مشيرة إلى أن الصراع الحالي القائم مع التيار المحافظ، كونه يريد الرجوع للماضي وتكريس اللاتكافؤ واللامساواة مع النساء، وتكريس الموروث الثقافي القديم رغم المتغيرات الحاصلة في المجتمع والمرأة التي أصبحت فاعلة ومنافسة للرجل في عدة مجالات.

وانتقدت التيار المحافظ الذي يرفض المساواة ومراجعة مقتضيات مدونة الأسرة بالرجوع إلى الماضي لتكريس اللاتكافؤ بين المرأة والرجل في المجتمع، والتمسك بصوت الفقيه دون الاجتهاد في النصوص الدينية، في ظل التطورات والإصلاحات الثقافية والعلمية التي يعرفها المجتمع، قائلة أن الملك قام بدور كبير في مراجعة مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية والتي عالجت بعض المشاكل رغم تحفظ التيار الآخر.

وأشارت بنسهلي إلى أنها وقفت على مجموعة من الاختلالات والمشاكل عندما كانت مشاركة ضمن لجنة استطلاع برلمانية على مستوى القنصليات المغربية، ولاحظت مجموعة من الصعوبات والمعاناة التي تعيشها النساء المهاجرات، بسبب تملص الأزواج من المسؤولية تجاه الأبناء وعدم الالتزام بالنفقة وتسوية إجراءات الطلاق، مما يتطلب إعادة النظر في مجموعة من الأمور بالمدونة.

 

 مقاربة متوازنة للمدونة

    من جانبها، قالت أمينة ماء العينين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أنها اشتغلت سابقا على موضوع مدونة الأسرة داخل لجنة العدل والتشريع بالبرلمان، وأثير نقاش حولها في عدة مناسبات، معتبرة أن أي قانون – كيفما كان – لا بد أن يخضع بصفة دائمة للمراجعة بناء على التحولات المجتمعية والتغييرات التي تطرأ عليه، ثم بناء على تقييم تنفيذه في أرض الواقع من طرف الفاعلين، خاصة قضاة الأسرة والنيابة العامة، التي تعتبر طرفا قانونيا في مختلف القضايا الرائجة أمام قضاء الأسرة.

وأضافت أن هناك مقاربتين: مقاربة أولى فيها انحياز مطلق وفي أحيان كثيرة للنساء على حساب الرجال في مدونة الأسرة، في إطار مقاربة تنازعية، خاصة فيما يتعلق بالزواج والطلاق والحضانة والنفقة وغيرها، وهناك مقاربة ثانية تفضلها وتتبناها باعتبارها مارست التشريع كمسؤولية قانونية واجتماعية ومسؤولية أخلاقية، وهي مقاربة ناضجة تراعي التحولات المجتمعية التي طرأت على وضعية الرجل والمرأة، مشيرة إلى أن هناك عدة مقتضيات في مدونة الأسرة تحتاج إلى مراجعة هادئة، ولكن بناء على معطيات الواقع، ومنها ما يتعلق بقضايا الزواج والطلاق والنفقة.

واعتبرت ماء العينين أن المقاربة التي اعتمدت في تعديل مدونة الأسرة في سنة 2004، كانت مقارنة متوازنة جعلت النقاش في محله الأصلي، وليس نقاشا سطحيا ولا سهلا، بل كان نقاشا له عمق كبير يتقاطع فيه الاجتماعي والديني والثقافي والقانوني.. هذه الاعتبارات تجعل من الملح جدا أن نحول النقاش إلى إطاره الطبيعي وألا نجعله مجالا للتلاعب والمزايدات والإقصاء، مؤكدة على ضرورة الاستفادة من الأخطاء السابقة وإشراك المختصين والفاعلين المباشرين في هذا المجال، لأن مراجعة المدونة في حاجة إلى الفقه القانوني، وإلى الاجتهاد القضائي، وفي حاجة أيضا إلى حضور علماء الدين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس، واستحضار التحولات التي طرأت على الأسرة المغربية وعلى المجتمع ومختلف الروابط في داخله.

أمينة بوعياش

زواج القاصرات

    تعرف العديد من المدن والقرى ظاهرة تزويج القاصرات، خاصة في أوساط بعض الأسر الفقيرة التي تبحث عن رجل يزوجونه طفلتهم من أجل تحسين الوضع الاجتماعي للعائلة، وتطبيق عادات متوارثة بكون الفتاة مستقبلها في منزل زوجها، رغم المشاكل التي قد تتعرض لها الفتاة القاصر من معاملة قاسية من قبل الزوج أو والدته، وحسب دراسة بهذا الشأن، فقد سجلت بمحاكم المملكة في سنة 2020، 19 ألفا و926 طلبا للسماح بزواج قاصرات.

وإذا كان الفصل 19 من مدونة الأسرة المتبناة منذ سنة 2004، يحظر زواج الفتيات، إلا أن المادة 20 تعطي للقاضي فرصة القيام باستثناءات، إذ تقول: ((لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر..)).

وفي هذا السياق، قالت أمينة ماء العينين أن المادة 20 لا تفتح المجال لزواج القاصرات، بل تعطي للقاضي مجالا استثنائيا لإمكانية منح إذن قضائي لتزويج الفتاة القاصر دون الأهلية لسن الزواج (18 سنة)، بناء على بحث اجتماعي وعلى خبرة طبية تقنع القاضي بالجدوى، مشيرة إلى أن البرلمان سبق أن ناقش تعديلا بخصوص هذه المادة واقترح عليها أن يمرر ما دام أن القاضي له الحق في إعطاء الإذن الاستثنائي لتزويج القاصر لسبب من الأسباب، وجاء ليحد مجال اجتهاد القاضي ما بين 16 و18 سنة، بمعنى أن قضاة الأسرة ليس لهم الحق القانوني حتى في الإطار الاستثنائي لتزويج القاصرات أقل من 16 سنة.

وتابعت ماء العينين، أن ظاهرة تزويج القاصرات غير موجودة بشكل كبير، بفضل التوجيه الذي أصدرته رئاسة النيابة العامة والذي يلتزم به قضاة الأسرة، بأنهم لا يسمحون بتزويج فتيات 16 سنة، مع بعض الاستثناءات الضئيلة التي تظل وفق تقديرات القاضي، مطالبة بوضع سياسات عمومية قوية لإيقاف تزويج القاصرات عبر توفير التمدرس لفتيات العالم القروي لاستكمال مسارهم الدراسي والمهني.

عبد الإله بن كيران

تقنين الطلاق والتطليق

    اقترح الفريق البرلماني لحزب الأصالة والمعاصرة، سن قانون ينظم التوكيل في الطلاق والتطليق، لتسهيل الإجراءات في هذا النوع من الدعاوى بشكل متساوي بين المواطنات والمواطنين.

ويهدف مقترح القانون إلى تتميم المادتين 82 و94 من القانون رقم 70.03، بمثابة مدونة الأسرة، للتنصيص على قبول حضور وكيل أو محامي مكان أحد الطرفين بواسطة وكالة خاصة تتضمن موافقته على الطلاق، مضيفا أن غياب نص تشريعي يجيز إمكانية الطلاق والتطليق عن طريق الوكالة، يخلق نوعا من عدم المساواة بين المواطنات والمواطنين في التقاضي، وذلك من خلال إقرار عدد من محاكم المملكة دون غيرها بإمكانية الأخذ بالوكالة في هذا النوع من الدعاوى.

وقال ذات الفريق البرلماني، أنه في الغالب يلجأ إلى إجراءات الطلاق والتطليق بالوكالة، أفراد الجالية المغربية في الخارج، والذين يتعذر عليهم بسبب عملهم أو ظروف إقامتهم، الحضور الشخصي أمام المحكمة، مشيرا إلى أن الوكالة شرعت في رفع المشقة والهدف من تشريعها هو تنظيم وتسهيل الإجراءات بما يضمن المساواة بين عموم المواطنين والمواطنات في سلك هذه المسطرة.

وبالرغم من عدم التنصيص على إمكانية الطلاق بالوكالة في مدونة الأسرة، فإن عددا من المحاكم تأخذ بالوكالة بناء على قرارات عديدة لمحكمة النقض، في المقابل، ترفض بعض المحاكم قبول الوكالة بعلة عدم وجود نص تشريعي يبيح ذلك.

وكانت محكمة النقض قد أقرت، في عدد من أحكامها، إجازة التوكيل في الطلاق، كان آخرها الملف رقم 2020/1/2/279، حيث اعتبرت فيه أن عدم التنصيص على التوكيل في مدونة الأسرة كما كان عليه الأمر في مدونة الأحوال الشخصية، لا يعني استبعاده مطلقا.

نبيل بنعبد الله

رفض المس بنظام الإرث

    انتقد عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الدعوات الرامية إلى مناقشة موضوع الإرث من خلال الحديث عن تعديل مدونة الأسرة، قائلا أن المغاربة لا يريدون الاقتراب من مواضيع الإرث لأنها قواعد شرعية واضحة، وهاجم في بلاغ للأمانة العامة لحزبه، أمينة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بعد موقفها من نظام الإرث، حيث جاء في بلاغ وقعه عبد الإله بن كيران، مؤخرا، أن “الأمانة العامة تتابع بقلق كبير المساعي الجارية من طرف بعض الجهات للمساس بنظام الإرث الجاري به العمل، والذي يستمد مرجعيته من الشريعة الإسلامية”.

واعتبرت الأمانة العامة لـ”المصباح”، أن إصلاح بعض مظاهر الحيف التي تعانيها المرأة المغربية يمر أولا عبر احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وليس بالاتهام المغرض للنصوص الشرعية بالمسؤولية عن ظاهرة الفقر التي تعانيها النساء والرجال على حد سواء، في إشارة إلى حديث بوعياش عن أن نظام الإرث يكرس فقر المرأة.

وقال “البيجيدي”، أن تقييم تطبيق مدونة الأسرة ينبغي أن يتم على ضوء نقاش علمي رصين وموضوعي وهادئ، ومن طرف ذوي الأهلية والاختصاص بعيدا عن بعض المقولات الإيديولوجية المعادية للقيم الدينية، وينبغي أن يشارك فيه جميع الفاعلين من علماء وقضاة وقانونيين ومجتمع مدني مسؤول، في ظل المرجعيات والثوابت الوطنية الراسخة في هذا الباب”.

وكانت أمينة بوعياش قد قالت أن “نظام الإرث ما زال حاملا لعدد من مظاهر التمييز وعدم المساواة تجاه المرأة، من صورها نظام التعصيب، والقيود المفروضة على الوصية، وهو ما يحد بشكل قوي من ولوج النساء والفتيات إلى الأرض والثروات، وجعلهن أكثر عرضة للفقر والهشاشة”، معتبرة أن نظام الإرث المعمول به في المغرب، والذي يستمد قواعده من الشريعة الإسلامية، يتمتع فيه الرجال بامتيازات.

من جانبه، دعا الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، إلى مراجعة بعض المضامين الواردة في مدونة الأسرة، لتجاوز السلبيات التي أظهرتها الممارسة طيلة عشرين عاما بعد إقرارها، وقال خلال ندوة صحفية بعنوان: “إصلاح مدونة الأسرة… الآن… ولا بد”، المنظمة من قبل منتدى المناصفة والمساواة: “إنه ينبغي وضع المساواة كمبدأ لبعث الروح في النضال الديمقراطي والحقوقي بالمغرب” معتبرا أن “مدونة الأسرة كانت خطوة شجاعة عند إقرارها، غير أنه ينبغي اليوم البحث عن كيفية لتطويرها وخلق دينامية مثل تلك التي خلقتها قبل عشرين سنة”، مشددا على استعداد حزبه للانخراط في كل المبادرات المندرجة في هذا الإطار.

وأوضح بنعبد الله، أن “أهم القضايا التي يجب إعادة النظر فيها، تلك المرتبطة بسن الزواج، والمساواة بين الجنسين، وتجاوز مظاهر التمييز ضد المرأة في المغرب، والولاية الشرعية والحضانة، وكذا انحرافات مسطرة التطليق”.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى